- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 205 : -

هاشميون طالبيون وعباسيون


لقد فجر الثورة الهاشميون ما في ذلك شك ، ولكن أي الهاشميين فجرها ؟ إن وقودها من بني هاشم كان من الطالبيين : من أبناء علي بن أبي طالب ، وجعفر بن أبي طالب ، وعقيل بن أبي طالب .


أما العباسيون ، أبناء العباس بن عبد المطلب ، فلم يشترك منهم فيها أحد ، ولا يذكر في أحداثها ، منذ بدأت إلى نهايتها في كربلاء ، أحد من بني العباس ، سوى عبد الله بن عباس حين نصح للحسين بأن لا يخرج إلى العراق ، ثم كلامه ، بعد

خروج الحسين ، مع عبد الله بن الزبير ، هذا الكلام الذي ربما يوحي بأن عبد الله بن عباس كان مغيظا - لا لان الحسين خرج إلى مصير مفجع ، وإنما لانه ، في مكة ، كان بؤرة الاهتمام من المسلمين ، فكان وجوده حائلا دون ظهور سواه في الحجاز ، فلما خرج خلا الجو لعبد الله بن الزبير ( 1 ) .
 

  * هامش *  
  (1) ( . . . ثم خرج ابن عباس من عنده ( الحسين ) فمر بعبد الله بن الزبير ، فقال : قرت عينك يا ابن الزبير ، ثم => ( * )  

 

- ص 206 -

وبعد انتهاء الثورة لا يرد أي ذكر ، أو لا يرد ذكر ذو أهمية ، لاحد من ولد العباس في التعليق على أحداث الثورة وشجبها . وبعد الثورة قامت ضد النظام الاموي ثورات أشعلت الارض في العراق والحجاز وإيران قادها الهاشميون ، وكانوا دائما طالبيين ، ولم يكن فيه عباسي واحد على الاطلاق .


كان العباسيون ينعمون بجوائز الخلفاء ، وترف العيش ، ويحترق الطالبيون بنار الثورات . ومع كثرة ما قام به الطالبيون وغيرهم من ثورات دامية فإنهم لم يفلحوا في أن يستولوا على السلطة الكاملة من الامويين ، وأفلح في ذلك العباسيون ؟

لماذا ؟ يبدو لنا أن العباسيين قرروا أن يعملوا لحسابهم الخاص في وقت مبكر ، ولم تكن علاقتهم بالعلويين منذ البداية إلا علاقة شكلية وانتهازية ( 1 ) . وقد رفضوا ، لذلك ، باستمرار منذ ثورة الحسين ، أن يساهموا بأي جهد يخدم العلويين في

الوصول إلى السلطة ، مستفيدين في الوقت نفسه شعبية من كونهم هاشميين مضطهدين من قبل النظام ، مستفيدين من النظام من كونهم هاشميين لم يشاركوا أبناء عمهم في الثورة
 

  * هامش *  
   => قال : يالك من قبرة بمعمر . خلا لك الجو فبيضي واصفري وانقري ما شئت أن تنقري . هذا حسين يخرج إلى العراق ، وعليك بالحجاز ) الطبري : 5 / 384 .

(1) نذكر هنا استيلاء عبد الله بن عباس على بيت مال البصرة حين كان واليا عليها من قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ونذكر انحياز أخيه عبيد الله بن عباس إلى معسكر معاوية استجابة لاغرائه ، وتركه للامام الحسن بن علي مع أنه كان أحد كبار قادته . ( * )

 

 

- ص 207 -

عليه ، موفرين قوتهم ليستخدموها لحسابهم الخاص . وقد أفلح العباسيون أخيرا في الاستيلاء على السلطة مستغلين عاملين :

 الاول : أنهم كما ذكرنا استفادوا نفوذا شعبيا من كل الثورات التي قام بها الطالبيون وغيرهم ، وحين تحركوا للدعوة إلى أنفسهم لم يفصح دعاتهم عن هوية المدعو إليه ، وإنما كانت الدعوة إلى الرضا من آل محمد ، وكان الناس يفهمون من هذا

التعبير العام أن المدعو إليه رجل علوي لما يتمتع به العلويون من حضور قوي في الذهنية العامة . وكان الدعاة والخواص وحدهم يعرفون الهوية العباسية للمدعو إليه ، وحين جاء الوقت المناسب أعلنوا ما يقال من عهد أبي هاشم بن محمد بن علي بن أبي طالب إلى علي بن عبد الله بن عباس ، وتحويله حقه في السلطة إلى علي هذا ( 1 ) .
 

  * هامش *  
  (1) الرواية الشائعة تاريخيا هي كما يلي : إن الفرقة الكيسانية كانت تعتقد بإمامة محمد بن الامام علي بن أبي طالب ( المعروف بابن الحنفية ) وأن ولاء الكيسانية انتقل ، بعد وفاة محمد بن الحنفية ، إلى إبنه أبي هاشم عبد الله بن محمد ، وأن أبا هاشم كان فصيحا ، يتمتع

بقدرة كبيرة على الاقناع ، فاستدعاه سليمان بن عبد الملك إلى دمشق ( أو أن أبا هاشم وفد عليه ) فأكرمه وأحسن إليه ، ولكنه عزم على قتله لما أن خافه ، فدس إليه من سمه وهو في طريقه إلى إقليم الشراة سنة 18 ه‍ . ولما أحس أبو هاشم بالموت عرج إلى الحميمة ( وهي

قرية على مقرية على مقربة من العقبة ) حيث كان يقيم على بن عبد الله بن عباس وإبنه محمد ، فأوصى إلى علي هدا وإلى اولاده بحقه في الامامة ، وكشف لهم إسم داعي الدعاة ( رئيس الدعاة ) في الكوفة ، ومن يليه من الدعاة في سائر الاقطار ، وسلمهم كتبا يقدمونها إلى

هؤلاء الدعاة . وقد تم هذا في سنة 99 ه‍ . وبذلك انتقل الحق في الخلافة من العلويين إلى العباسين ، وانتقل ولاء الكيسانية إلى هؤلاء أيضا وقد اضطلح بأعباء الدعوة بعد وفاة علي بن عبد الله ابنه محمد بن علي العباسي الذي توفي سنة 125 - وفى عهده دخل أبو مسلم الخراساني في رجال الدعوة . وقد خلف محمد بن علي بن => ( * )

 

 

- ص 208 -

 الثاني : إن العباسيين أباحوا لانفسهم التعاون مع العناصر التي لم يجوز العلويون لانفسهم التعامل معها وهي عناصر الفرق المنحرفة عن الاسلام ، والفرق الايرانية المشكوك في سلامة إسلامها .


لقد كان العلويون يتعاونون غالبا مع العناصر العربية والايرانية ذات الاسلام الصافي ، وكانت مواقفهم ضد الجماعات المشكوك في سلامة إسلامها صلبة وواضحة ومبدئية ، الامر الذي حمل هذه الجماعات على أن تلتمس حلفاء آخرين ، وجدتهم في العباسيين .


وهنا يتضح لنا لماذا كان موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام منذ الامام زين العابدين علي بن الحسين موقفا سلبيا غالبا من الحركات الثورية التي كان يقوم بها الحسنيون والحسينيون . ويتضح لنا لماذا رفض الامام أبو عبد الله جعفر الصادق عرض أبي
 

  * هامش *  
   => عبد الله العباسي ابنه إبراهيم المعروف بالامام وهو الذي جعل أبا مسلم قائدا للدعوة في خراسان . وقد قبض مروان بن محمد ( الحمار ) على إبراهيم في الحميمة وسجنه في حران وتوفي سجينا . وكان قد عهد إلى أخيه - حين علم بمصيره - أبي العباس السفاح بالامامة

وأمره بالرحيل مع أهله إلى الكوفة فذهبوا إليها حيث تلقاهم رئيس الدعاة أبو سلمة الخلال ، وأنزلهم في منزل سري ، إلى أن أعلنت الدولة العباسية في 12 ربيع الاول سنة 132 ه‍ ببيعة أبي العباس السفاح . هذه الرواية موضع شك عندنا ، فهي تثير أسئله لا يمكن الاجابة

عليها ، ابتداء بطبيعة العلاقة بين محمد بن الحنفية وابنه أبي هاشم من جهة وبين الفرقة الكيسانية من جهة أخرى ، والغريب أن هذه الفرقة تفقد دورها الكبير في سير الاحداث بمجرد انجاز ما يدعى من تنازل أبي هاشم . ولماذا لم يعهد أبو هاشم بأمره إلى أحد من أبناء علي ، وما هي الاثباتات التي تجعل دعوى العباسيين لهذا التنازل موضع ثقة ؟ . ( * )

 

 

- ص 209 -

سلمة الخلال كبير الدعاة العباسيين ( 1 ) ، أن يسلمه السلطة بعد أن نضجت الدعوة ضد الامويين ، وأعلن أبو مسلم الخراساني ثورته في خراسان ( 2 )

 

  * هامش *  
  (1) أبو سلمة الخلال ( حفص بن سليمان ) استخلفه بكير بن ماهان في رئاسة الدعاة في الكوفة وكتب إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بذلك ، فكتب محمد إلى أبي سلمة فولاه أمر الدعوة بعد موت بكير بن ماهان . وكان أبو سلمة مولى لبني الحارث بن كعب ، وقد

نشأ بالكوفة واتجر بالخل فلهذا لقب الخلال ، وكان يتمتع بقدرة على الاقناع ، وموهبة ادارية مكنتاه من النجاح في عمله السري ضد الامويين . ولما قتل ابراهيم بن محمد ( الامام ) في سجنه في حران ، خاف أخواه ( أبو جعفر ( المنصور ) وأبو العباس ( السفاح ) )

على أنفسهما فخرجا من الحميمة هاربين إلى العراق ، ومعهما بعض رجالات العباسيين فقدموا الكوفة ، ونزلوا على أبي سلمة الخلال ، فأخفاهما في دار أحد رجال الشيعة في الكوفة . وحين تمت البيعة لابي العباس السفاح ( ولى أبا سلمة الداعي جميع ما وراء بابه ، وجعله

وزيره ، وأسند إليه جميع أموره ، فكان يسمى وزير آل محمد ، فكان ينفذ الامور من غير مؤامرة ) ولكن يبدو أن السفاح اكتشف تغير ميول أبي سلمة السياسية وميله إلى العلويين ، وقد حرضه على قتله أبو مسلم وأبو جعفر المنصور ، وموقف السفاح من قتله غامض ،

إلا أنه لا شك في أن لبطانة السفاح يدا كبرى في تدبير قتله على يد أبي مسلم الذي أرسل مروان الضبي ، وكان أحد قواده ، وقال له : ( انطلق إلى الكوفة ، فأخرج أبا سلمة من عند الامام أبي العباس ، فاضرب عنقه وانصرف من ساعتك ) ففعل الضبي ذلك ، وقد فعل

أبو مسلم ما فعله بناء على رغبة السفاح وخاصته - الاخبار الطوال : 334 و 358 - 359 و 370 - وغيره . والمسعودي : مروج الذهب : 3 / 268 و 284 .

(2)
لا نعرف الدوافع التي حملت أبا سلمة الخلال على أن يحول ولاءه عن العباسيين إلى العلويين قبيل إعلان الدولة العباسية . فحين لجأ أبو جعفر وأبو العباس إلى الكوفة أنزلهما أبو سلمة في دار الوليد بن سعد ووكل بهما مساورا القصاب ويقطينا الابزاري وكانا من كبار

الشيعة ( شيعة العباسيين ؟ ؟ ) وعزلهما عن الناس ، وكتب إلى الامام جعفر الصادق ، وعمر الاشرف بن الامام زين العابدين ، وعبد الله المحض ، وأمر رسوله ( محمد بن عبد الرحمان بن أسلم ) أن يلقى الامام الصادق ، فإن أجابه أبطل الكتابين الآخرين . وإلا لقي عبد الله

المحض ، فإن أجابه وإلا لقى عمرا الاشرف . فقابل الرسول الامام جعفرا ، وسلمه الكتاب فقال الامام ( مالي ولابي سلمة ، وهو شيعة لغيري ) فقال الرسول اقرأ الكتاب ، فقال الامام لخادمه : ادن السراج مني فأدناه ، فوضع الكتاب على النار حتى احترق ، فقال الرسول : ألا تجيبه ؟ فقال الامام قد رأيت الجواب ، عرف صاحبك => ( * )

 

 

- ص 210 -

لقد كان أئمة أهل البيت يدركون بوضوح تام أن القوى التي يعتمد عليها العلويون قوى منهكة ، لا تستطيع أن تقود حركة ثورية ، في رقعة جغرافية واسعة النطاق ، إلى نهاية مظفرة ، ومن ثم فإن حركة ثورية تعتمد على هذه القوى محكوم عليها بالفشل الذي يتعداها ليكون نقمة تنزل بالامة كلها من قبل النظام الاموي .


وكانوا يدركون في مقابل ذلك أن العناصر المؤهلة للقيام بحركة ثورية ناجحة هي عناصر غير إسلامية غالبا ولذا فلم يجوزوا لانفسهم التعامل معها ، وإن كانوا لم يقفوا في وجه حركتها ذات القيادة العباسية ، فقد كان إسقاط النظام الاموي

مطلبا تاريخيا وحضاريا لا يمكن الوقوف في وجهه ، وكانوا يدركون أن الاسلام سيذوب كل الجماعات المشبوهة من حيث عقيدتها ، ويدمجها في الامة الاسلامية ، دينا وحضارة .


لقد ثبت أئمة أهل البيت على موقفهم هذا في العهد العباسي ، وأمروا شيعتهم بتجنب المساهمة في هذا النشاط . وكانوا ينصحون بني عمهم من العلويين بتجنب القيام بالثورات ذات المصير المحكوم عليه بالفشل ، دون أن يؤثروا فيهم .
 

  * هامش *  
   => بما رأيت ، وقابل رسوله عبد المحض بن الامام الحسن بن علي ففرح بكتاب أبي سلمة وجرى بينه وبين الامام الصادق حوار عاصف حين نهاه الامام عن الركون إلى دعوة أبي سلمة . ابن قتيبة ، الامامة والسياسة : 2 / 152 - 153 و 155 - 156 ، والمسعودي :

مروج الذهب 3 / 268 - 269 و 284 - 285 . بل إن ثمة اتهاما يوجه إلى أبي مسلم الخراساني نفسه بأنه حاول استدراج الامام الصادق ( ع ) إلى الموافقة على تحويل الدعوة إليه ، فقد كتب إلى الامام بقوله : ( اني قد أظهرت الكلمة ، ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت ، فإن رغبت فلا مزيد عليك ) فكتب إليه الامام ( ما أنت من رجالي ، ولا الزمان زماني ) الملل والنحل 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب