مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 67

المسألة الثالثة : إسقاط جنينها ( عليها السلام )

وروايات القوم في هذا الموضع مشوشة جدا ، يعرف ذلك كل من يراجع رواياتهم وأقوالهم وكلماتهم . لقد نصت رواياتهم على أنه كان لعلي ( عليه السلام ) من الذكور ثلاثة أولاد : حسن ، وحسين ، ومحسن أو محسن أو محسن ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد سمى هؤلاء بهذه الأسامي تشبيها بأسماء أولاد هارون : شبر شبير ومشبر ، وهذا موجود في : مسند أحمد (1) ، وموجود في المستدرك وقد صححه الحاكم (2) ، والذهبي أيضا صححه (3) ، وموجود في مصادر أخرى .

 

(1) مسند أحمد 1 / 118 . (2) المستدرك على الصحيحين 3 / 165 . (3) المستدرك على الصحيحين . ذيله ( * ) .

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 68

فيبقى السؤال : هل كان لعلي ولد بهذا الاسم أو لا ؟ قالوا : كان له ولد بهذا الاسم . . . فأين صار ؟ وما صار حاله ؟ يقولون بوجوده ثم يختلفون ، أتريدون أن يصرحوا تصريحا واضحا لا لبس فيه ولا غبار عليه ؟ ! إنه في القضايا الجزئية البسيطة يتلاعبون بالأخبار والأحاديث ، كما رأينا في هذه المباحث ، وسنرى في المباحث الآتية ، وفي مثل هذه القضية تتوقعون أن يصرحوا ؟ نعم ، عثرنا على أفراد معدودين منهم قالوا بالحقيقة وواجهوا ما واجهوا ، وتحملوا ما تحملوا .

أحدهم : ابن أبي دارم المتوفى سنة 352 ه‍ . قال الذهبي بترجمته : الإمام الحافظ الفاضل أبو بكر أحمد بن محمد السري بن يحيى بن السري بن أبي دارم التميمي الكوفي الشيعي [ أصبح شيعيا ! ! ] محدث الكوفة ، حدث عنه الحاكم ، وأبو بكر ابن مردويه ، ويحيى بن إبراهيم المزكي ، وأبو الحسن ابن الحمامي ، والقاضي أبو بكر الجيلي ، وآخرون . كان موصوفا بالحفظ والمعرفة ، إلا أنه يترفض [ لماذا يترفض ؟ ] قد ألف في الحط على بعض الصحابة (1) . لا يقول أكثر من هذا : ألف في الحط على بعض الصحابة ، فهو

 

(1) سير أعلام النبلاء 15 / 576 ( * ) .

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 69

إذن يترفض .

ولو راجعتم كتابه الآخر ميزان الاعتدال فهناك يذكر هذا الشخص ويترجم له ، وينقل عن الحافظ محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ أبي بشر الدولابي (1) فيقول : قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ - بعد أن أرخ موته - كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، حضرته ورجل يقرأ عليه : إن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن (2) . كان مستقيم الأمر عامة دهره ، لكنه في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، فهو - إذن - خارج عن الاستقامة ! ! أتذكر أن أحد الصحابة وهو عمران بن حصين - هذا الرجل كان من كبار الصحابة ، يثنون عليه غاية الثناء ، ويكتبون بترجمته إن الملائكة كانت تحدثه ، لعظمة قدره وجلالة شأنه (3) - هذا الشخص عندما دنا أجله ، أرسل إلى أحد أصحابه ، وحدثه عن رسول الله بمتعة الحج - التي حرمها عمر بن الخطاب وأنكر عليه تحريمها - ثم شرط عليه أنه إن عاش فلا ينقل ما حدثه به ، وإن

 

(1) سير أعلام النبلاء 14 / 309 . (2) ميزان الاعتدال 1 / 139 . (3) الإصابة في معرفة الصحابة 3 / 26 ( * ) .

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 70

مات فليحدث (1) . نعم ، كان هذا الرجل مستقيم الأمر عامة دهره ، لا ينقل مثل هذه القضايا ، اقتضت ظروفه أن لا ينقل ، ولذا كان مستقيم الأمر عامة دهره ! ! ثم في آخر أيامه عندما دنا أجله وقرب موته ، حينئذ جعل يقرأ له المثالب ومنها هذا : دخلت عليه ورجل يقرأ فلولا دخول هذا الشخص عليه لما بلغنا هذا الخبر أيضا ، اتفق أن دخل عليه هذا الراوي ووجد رجلا يقرأ له هذا الخبر ، وذلك في أواخر حياته ، حتى إذا مات ، أو حتى إذا أوذي أو ضرب فمات على أثر الضرب ، فقد عاش في هذه الدنيا وعمر عمره .

ورجل آخر هو : النظام ، إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي المتوفى سنة 231 ه‍ . هذا أيضا ينص على وقوع هذه الجناية على الزهراء الطاهرة وجنينها ، وهذا الرجل كان رجلا جليلا ، وكان من المعتزلة الجريئين الذين لا يخافون ولا يهابون ، وله أقوال مختلفة في
 

 

(1) نص الخبر : عن مطرف قال : بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه ، فقال : إني محدثك بأحاديث ، لعل الله أن ينفعك بها بعدي ، فإن عشت فاكتم علي وإن مت فحدث بها إن شئت ، إنه قد سلم علي ، واعلم أن نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد جمع بين حج وعمرة ، ثم لم ينزل فيها كتاب الله ، ولم ينه عنها نبي الله ، فقال رجل برأيه فيها ما شاء . راجع باب جواز التمتع من الصحيحين ، وهو في المسند 4 / 434 ( * ) .

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 71

المسائل الكلامية ، تذكر في الكتب ، وربما خالف فيها المشهور بين العلماء ، وكانت أقواله شاذة ، إلا أنه من كبار العلماء ، ذكروا عنه أنه كان يقول : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها ، وكان يصيح عمر : أحرقوا دارها بمن فيها ، وما كان بالدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين .

وممن نقل عنه هذا : الشهرستاني في الملل والنحل ، والصفدي في الوافي بالوفيات (1) ، ويوجد قوله هذا في غير هذين الكتابين . وممن عثرنا عليه : ابن قتيبة صاحب كتاب المعارف ، لكن لو تراجعون كتاب المعارف الموجود الآن لا تجدون هذه الكلمة ، الكتاب محرف .

ابن شهرآشوب المتوفى سنة 588 ه‍ ينقل عن كتاب المعارف قوله : إن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي (2) . أما في كتاب المعارف الموجود الآن بين أيدينا المحقق ! ! فلفظه : أما محسن بن علي فهلك وهو صغير (3) . وتجدون في كتاب تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي يقول :

 

(1) الملل والنحل 1 / 59 ، الوافي بالوفيات 6 / 17 . (2) مناقب آل أبي طالب 3 / 358 . (3) المعارف : 211 ( * ) .

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 72

مات طفلا (1) . لكن البعض الآخر منهم - وهو الحافظ محمد بن معتمد خان البدخشاني وهذا من المتأخرين ، وله كتب منها نزل الأبرار فيما صح من مناقب أهل البيت الأطهار ، يقول بأنه مات صغيرا (2) .

وعندما نراجع ابن أبي الحديد ، نراه ينقل عن شيخه - حيث حدثه قضية هبار بن الأسود ، وأنتم مسبوقون بهذا الخبر ، وأن هذا الرجل روع زينب بنت رسول الله فألقت ما في بطنها - قال شيخه : لما ألقت زينب ما في بطنها أهدر رسول الله دم هبار لأنه روع زينب فألقت ما في بطنها ، فكان لا بد أنه لو حضر ترويع القوم فاطمة الزهراء وإسقاط ما في بطنها ، لحكم بإهدار دم من فعل ذلك .

هذا يقوله شيخ ابن أبي الحديد . فيقول له ابن أبي الحديد : أروي عنك ما يرويه بعض الناس من أن فاطمة روعت فألقت محسنا ؟ فقال : لا تروه عني ولا ترو عني بطلانه (3) . نعم لا يروون ، وإذا رووا يحرفون ، وإذا رأوا من يروي مثل هذه القضايا فبأنواع التهم يتهمون .

 

(1) ذكرة خواص الأمة : 54 .
(2) نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار : 74 .

(3) شرح نهج البلاغة 14 / 192 ( * ) .  
 
 
 
 

مظلومية الزهراء (ع)

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب