مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 29

المطلب السابع : لم يرو من الضغائن والغدر إلا القليل

وهذا المطلب مهم جدا ، فالغدر الذي كان ، والضغائن التي بدت - التي سبق وأن أخبر عنها رسول الله - لم يرو منها في الكتب إلا القليل ، والسبب واضح ، لأنهم منعوا من تدوين الحديث ، وعندما دون ، فقد دون على يد بني أمية وفي عهدهم ، وهذا حال السنة ، أي السنة عند أهل السنة .

ثم إن من كان عنده شئ من تلك الأمور التي أشار إليها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يروه ، وإذا رواه لم ينقلوه ولم يكتبوه ومنعوا من نشره ، ومن نقله إلى الآخرين ، حتى أن من كان عنده كتاب فيه شئ من تلك القضايا ، أخذوه منه ، أو أخفاه ولم يظهره لأحد ، أذكر لكم موارد من هذا القبيل : قال ابن عدي في آخر ترجمة عبد الرزاق بن همام الصنعاني

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 30

في كتاب الكامل : ولعبد الرزاق بن همام [ هذا شيخ البخاري ] أصناف حديث كثير ، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم وكتبوا عنه ، ولم يروا بحديثه بأسا ، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع ، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات ، فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الأحاديث ، ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا ، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به ، إلا أنه قد سبق عنه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير (1) .

وبترجمة عبد الرحمن بن يوسف بن خراش - الحافظ الكبير - يقول ابن عدي : سمعت عبدان يقول : وحمل ابن خراش إلى بندار جزئين صنفهما في مثالب الشيخين فأجازه بألفي درهم . فأين هذا الكتاب الذي هو في جزئين ؟ قال ابن عدي : فأما الحديث فأرجو أنه لا يتعمد الكذب (2) . فالرجل ليس بكاذب ، ولو راجعتم سير أعلام النبلاء للذهبي أو راجعتم تذكرة الحفاظ للذهبي ، لرأيتم الذهبي ينقل هذا المطلب ، ويتهجم على ابن خراش ويشتمه ويسبه سب الذين

 

(1) الكامل في الضعفاء 6 / 545 . (2) الكامل في الضعفاء 5 / 519 ( * )

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 31

كفروا (1) . ولا يتوهمن أحد أن هذا الرجل - ابن خراش - من الشيعة ، وذلك ، لأن هذا الرجل من كبار علماء القوم ومن أعلامهم في الجرح والتعديل ، ويعتمدون على آرائه في رد الراوي أو قبوله ، أذكر لكم موردا واحدا ، يقول ابن خراش بترجمة عبد الله بن شقيق ، وعند ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب يقول : قال ابن خراش : كان - عبد الله بن شقيق - ثقة وكان عثمانيا يبغض عليا (2) .

فابن خراش ليس بشيعي ، لأنه يوثق هذا الرجل مع تصريحه بأنه كان عثمانيا يبغض عليا . فلا يتوهم أن هذا الرجل - ابن خراش - من الشيعة ، بل هو من أعلام أهل السنة ومن كبار حفاظهم ، إلا أنه ألف جزئين في مثالب الشيخين .

مورد آخر في كتاب العلل لأحمد بن حنبل ، قال أحمد : كان أبو عوانة [ الذي هو من كبار محدثيهم وحفاظهم ، وله كتاب في الصحيح اسمه : صحيح أبي عوانة ] وضع كتابا فيه معايب أصحاب

 

(1) سير أعلام النبلاء 13 / 509 ، تذكرة الحفاظ 2 / 684 ، ميزان الاعتدال 2 / 600 .
(2) تهذيب التهذيب 5 / 223 ( * ) .

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 32

رسول الله ، وفيه بلايا ، فجاء سلام بن أبي مطيع (1) فقال : يا أبا عوانة ، أعطني ذاك الكتاب فأعطاه ، فأخذه سلام فأحرقه (2) . ويروي أحمد بن حنبل في نفس الكتاب عن عبد الرحمن بن مهدي (3) قال : فنظرت في كتاب أبي عوانة وأنا أستغفر الله (4) .

فهذا يستغفر الله من أنه نظر في هذا الكتاب ، والشخص الآخر جاء إليه وأخذ الكتاب منه وأحرقه بلا إذن منه ولا رضا . مورد آخر : ذكروا بترجمة الحسين بن الحسن الأشقر : أن أحمد بن حنبل حدث عنه وقال : لم يكن عندي ممن يكذب [ فهو حدث عنه وقال : لم يكن عندي ممن يكذب ] فقيل له : إنه يحدث في أبي بكر وعمر ، وإنه صنف بابا في معايبهما ، فقال : ليس هذا بأهل أن يحدث عنه (5) ! أولا : أين ذاك الباب الذي اشتمل على هذه القضايا ؟ ولماذا لم يصل إلينا ؟ وثانيا : إنه بمجرد أن علم أحمد بن حنبل بأن الرجل يحدث

 

(1) الإمام الثقة القدوة ، من رجال الصحيحين . سير أعلام النبلاء 7 / 428 .
(2) كتاب العلل والرجال 1 / 60 .
(3) الإمام الناقد المجود سيد الحفاظ . سير أعلام النبلاء 9 / 192 .
(4) كتاب العلل والرجال 3 / 92 الطبعة الحديثة .
(5) تهذيب التهذيب 2 / 291 . ( * ) .

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 33

في الشيخين ، وبأنه صنف مثل هذه الأحاديث في كتاب ، سقط من عين أحمد وأصبح كذابا لا يعتمد عليه ولا يروى عنه ! مورد آخر : في ميزان الاعتدال بترجمة إبراهيم بن الحكم بن زهير الكوفي : قال أبو حاتم : روى في مثالب معاوية فمزقنا ما كتبنا عنه (1) .

روى في مثالب معاوية فمزقنا ما كتبنا عنه ، فراحت تلك الروايات . وهذا بعض ما ذكروا في هذا الباب . ثم إنهم ذكروا في تراجم رجال كثيرين من أعلام الحديث والرواة الذين هم من رجال الصحاح ، ذكروا أنه كان يشتم أبا بكر وعمر ، لاحظوا هذه العبارة بترجمة إسماعيل بن عبد الرحمن السدي (2) ، وبترجمة تليد بن سليمان (3) ، وبترجمة جعفر بن سليمان الضبعي (4) ، وغير هؤلاء . ولماذا كان هؤلاء يشتمون ؟ هل بلغهم شئ أو أشياء ، مما

 

(1) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 1 / 27 .
(2) تهذيب التهذيب 1 / 274 .

(3) تهذيب الكمال 4 / 322 .
(4) تهذيب التهذيب 2 / 82 - 83 . ( * )
 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 34

أدى وسبب في أن يجوزوا لأنفسهم أن يشتموا ويسبوا ؟ وأين تلك القضايا وما هي ؟ وأما ما ذكروه بترجمة الرجال وكبار علمائهم وحفاظهم من شتم عثمان وشتم معاوية ، فكثير جدا ، وأعتقد أنه لا يحصى لكثرته .

ولقد فشى وكثر اللعن أو الطعن في الشيخين في النصف الثاني من القرن الثالث ، يقول زائدة بن قدامة - ووفاته في النصف الثاني من القرن الثالث - : متى كان الناس يشتمون أبا بكر وعمر ) ؟ ! (1) .

وكثر وكثر حتى القرن السادس من الهجرة ، جاء أحدهم - وهو الحافظ المحدث عبد المغيث بن زهير بن حرب الحنبلي البغدادي - فألف كتابا في فضل يزيد بن معاوية وفي الدفاع عنه والمنع عن لعنه ، فلما سئل عن ذلك ، قال بلفظ العبارة : إنما قصدت كف الألسنة عن لعن الخلفاء (2) . حتى جاء التفتازاني في أواخر القرن الثامن من الهجرة وقال في شرح المقاصد ما نصه : فإن قيل : فمن علماء المذهب من لم يجوز اللعن على يزيد مع علمهم بأنه يستحق ما يربو على ذلك

 

(1) تهذيب التهذيب 3 / 264 . (1) سير أعلام النبلاء 21 / 161 ( * ) .

 
 

مظلومية الزهراء عليها السلام .......................................................... ص 35

ويزيد ؟ قلنا : تحاميا عن أن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى (1) .

حتى جاء كتاب عصرنا ، فألفوا في مناقب يزيد ، وألفوا في مناقب الحجاج ، وألفوا في مناقب هند ! ! وإني أعتقد أنهم يعلمون بأن هذه المناقب والفضائل ، والذي يذكرونه في الدفاع عن هؤلاء وأمثالهم ، كله كذب ، وإن هؤلاء يستحقون اللعن ، إلا أن الغرض هو إشغال الكتاب والباحثين والمفكرين وسائر الناس بمثل هذه الأمور ، ولكي لا يبقى هناك مجال لأن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى .

ومن هنا نفهم : إن محاربتهم لقضايا الحسين ( عليه السلام ) ومحاربتهم لمآتم الحسين ( عليه السلام ) ولقضايا عاشوراء ، كل ذلك ، لئلا يلعن يزيد ، ولئلا ينتهى إلى الأعلى فالأعلى .

 

(1) شرح المقاصد 5 / 311 ( * ) .

 
 
 
 
 

مظلومية الزهراء (ع)

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب