- وفيات الائمة - من علماء البحرين والقطيف ص 435 : -

الفصل الثاني في شرفها ، وعلمها ، وعبادتها ، وزهدها


أما شرفها ( ع ) : فهو الشرف الباذخ الذي لا يفوقه شرف ، فإنها من ذرية سيد الكائنات وأشرف المخلوقات محمد بن عبد الله ( ص ) ، قال رسول الله ( ص ) : كل بني أم ينتمون إلى عصبتهم إلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم ،

وعنه ( ص ) : أن الله عزوجل جعل ذرية كل نبي في صلبه ، وأن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب ( ع ) . فهذا الشرف الحاصل لزينب ( ع ) شرف لا مزيد عليه ، فإذا ضممنا إلى ذلك أن أباها علي المرتضى وأمها فاطمة

الزهراء ، وجدتها خديجة الكبرى ، وعمها جعفر الطيار في الجنة وعمتها أم هانئ بنت أبي طالب ، وأخواها سيدا شباب أهل الجنة ، وأخوالها وخالاتها أبناء رسول الله ( ص ) وبناته ، فماذا يكون هذا الشرف وإلى أين ينتهي شأوه ويبلغ مداه ، وإذا

ضممنا إلى ذلك أيضا علمها وفضلها وتقواها وكمالها وزهدها وورعها وكثرة عبادتها ومعرفتها بالله تعالى ، كان شرفها شرفا خاصا بها وبأمثالها من أهل بيتها ومما زاد في شرفها ومجدها أن الخمسة الاطهار أهل العباء ( ع ) كانوا يحبونها حبا شديدا .


وحدث يحيى المازني قال : كنت في جوار أمير المؤمنين في المدينة مدة مديدة ، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته ، فلا والله ما رأيت لها
 

- ص 436 -

شخصا ولا سمعت لها صوتا ، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدها رسول الله تخرج ليلا والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين ( ع ) أمامها ، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين ( ع ) فأخمد ضوء القناديل ، فسأله الحسن ( ع ) مرة عن ذلك فقال ( ع ) : أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب .


وورد عن بعض المطلعين أن الحسن ( ع ) لما وضع الطشت بين يديه وصار يقذف كبده وسمع بأن أخته زينب تريد الدخول عليه أمر وهو في تلك الحال برفع الطشت إشفاقا عليها ، وجاء في بعض الاخبار أن الحسين ( ع ) كان إذا زارته زينب يقوم إجلالا لها وكان يجلسها في مكانه ، ولعمري إن هذه منزلة عظيمة لزينب ( ع ) وأخيها الحسين ( ع ) .


كما أنها كانت أمينة أبيها على الهدايا الالهية . ففي حديث مقتل أمير المؤمنين ( ع ) الذي نقله المجلسي في تاسع البحار نادى الحسن ( ع ) أخته زينب أم كلثوم : هلمي بحنوط جدي رسول الله ( ص ) فبادرت زينب مسرعة حتى أتت به ، فلما فتحته فاحت الدار وجميع الكوفة وشوارعها لشدة رائحة ذلك الطيب ،


وقال الفاضل الاديب حسن قاسم في كتابه ( السيدة زينب السيدة الماهرة الزكية ) ، زينب بنت الامام علي بن أبي طالب ( ع ) ابن عم الرسول ( ص ) وشقيقة ريحانتيه لها أشرف نسب وأجل حسب وأكمل نفس وأطهر قلب ، فكأنها صيغت في

قالب ضمخ بعطر الفضائل ، فالمستجلي آثارها يتمثل أمام عينيه رمز الحق رمز الفضيلة رمز الشجاعة رمز المروءة ، فصاحة اللسان قوة الجنان مثال الزهد والورع ، مثال العفاف والشهامة ان في ذلك لعبرة .


وقال أيضا فإن عد في النساء الشهيرات فالسيدة أولاهن وإذا عدت الفضائل فضيلة فضيلة من وفاء وسخاء وصدق وصفاء وشجاعة وإباء وعلم وعبادة وعفة وزهادة فزينب أقوى مثال للفضيلة بكل مظاهرها .


وقال العلامة السيد جعفر آل بحر العلوم الطباطبائي في كتابه ( تحفة العالم )

- ص 437 -

المطبوع بالنجف زينب الكبرى زوجة عبد الله بن جعفر تكنى أم الحسن ، ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها ما ورد في بعض الاخبار من أنها دخلت على الحسين ( ع ) وكان يقرأ القرآن ، فوضع القرآن على الارض وقام إجلالا لها .


وقال محمد علي المصري في رسالته التي طبعها بمصر السيدة زينب رضي الله عنها : هي بنت سيدي الامام علي كرم الله وجهه ، وبنت السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ( ص ) ، وهي من أجل أهل البيت حسبا وأعلاهم نسبا ، خيرة السيدات

الطاهرات ، ومن فضيلات النساء وجليلات العقائل التي فاقت الفوارس في الشجاعة ، واتخذت طول حياتها تقوى الله بضاعة ، وكان لسانها الرطب بذكر الله على الظالمين غصبا ولاهل الحق عينا معينا ، كريمة الدارين وشقيقة الحسنين ، بنت البتول

الزهراء التي فضلها الله على النساء ، وجعلها عند أهل العزم أم العزائم وعند أهل الجود والكرم أم هاشم ، إلى أن قال ولدت رضي الله عنها سنة خمس من الهجرة النبوية قبل وفاة جدها ( ص ) بخمس سنين فسر بمولدها أهل بيت النبوة أجمعون ،

ونشأت نشأة حسنة كاملة فاضلة عالمة ، من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وكانت على جانب عظيم من الحلم والعلم ومكارم الاخلاق ، ذات فصاحة وبلاغة تفيض من يدها عيون الجود والكرم . وقد جمعت بين جمال الطلعة وجمال

الطوية حتى أنها اشتهرت في بيت النبوة ولقبت بصاحبة الشورى ، وكفاها فخرا أنها فرع من شجرة أهل بيت النبوة الذين مدحهم الله تعالى في كتابه العزيز .



وأما علمها ( ع ) ، فهو البحر لا ينزف فإنها سلام الله عليها هي المترباة في مدينة العلم النبوي ، المعتكفة بعده ببابها العلوي ، المتغداة بلبانه من أمها الصديقة الطاهرة سلام الله عليها ، وقد طوت عمرا من الدهر مع الامامين السبطين يزقانها العلم زقا فهي [ اغترفت ] من عباب علم

- ص 438 -

آل محمد ( ع ) وعباب فضائلهم الذي اعترف [ به ] عدوهم الالد يزيد الطاغية بقوله في الامام السجاد ( ع ) : أنه من أهل بيت زقوا العلم زقا ،

وقد نص لها بهذه الكلمة ابن أخيها علي بن الحسين ( ع ) : أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة ، يريد ( ع ) أن مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع أفيض عليها إلهاما لا يتخرج على أستاذ أو أخذ عن مشيخة ، وإن كان

الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيبات جدها وأبيها وأمها وأخويها أو لمحض انتمائها ( ع ) إليهم واتحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسية ، فازيحت عنها بذلك الموانع المادية وبقي مقتضى اللطف الفياض وحده وإذ كان لا يتطرقه

البخل بتمام معانيه عادت العلة لافاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة فافيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به ائمة الدين    ( ع ) من العلم المخصوص بمقامهم الاسمى ، على أن هناك مرتبة سامية لا ينالها إلا ذو حظ عظيم وهي الرتبة الحاصلة

من الرياضات الشرعية والعبادات الجامعة لشرائط الحقيقة لا محض الظاهر الموفي لمقام الصحة والاجزاء ، فإن لها من الآثار الكشفية ما لا نهاية لامدها ،


وفي الحديث : من أخلص لله تعالى أربعين صباحا انفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ، ولا شك أن زينب الطاهرة قد أخلصت لله كل عمرها فماذا تحسب أن يكون المنفجر من قلبها على لسانها من ينابيع الحكمة .


ويظهر من الفاضل الدربندي وغيره أنها ( ع ) كانت تعلم علم المنايا والبلايا ، كجملة من أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) ، منهم ميثم التمار ورشيد الهجري وغيرهما ، بل جزم في أسراره أنها صلوات الله عليها أفضل من مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وغيرهما من فضليات النساء ،


وذكر ( قدس سره ) عند كلام السجاد ( ع ) لها : يا عمة أنت بحمد الله عالمة غير معلمة ، وفهمة غير مفهمة . إن هذا الكلام حجة على أن زينب بنت أمير المؤمنين ( ع ) كانت محدثة أي ملهمة ، وأن علمها كان من العلوم اللدنية والآثار الباطنية .
 

- ص 439 -

ومن نظر في كتاب أسرار الشهادة رأى فيه من الادلة والتحقيقات في حق زينب ( صلوات الله عليها ) ما هو أكثر مما ذكرناه .

وفي ( الطراز المذهب ) أن شؤنات زينب الباطنية ومقاماتها المعنوية كما قيل فيها أن فضائلها وفواضلها ، وخصالها ، وجلالها ، وعلمها ، وعملها ، وعصمتها ، وعفتها ، ونورها ، وضياءها ، وشرفها ، وبهاءها ، تالية أمها وثانيتها ،


وقال ابن عنبة في ( أنساب الطالبين ) زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين ( ع ) كنيتها أم الحسن ، تروي عن أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله ( ص ) وقد أمتازت بمحاسنها الكثيرة وأوصافها الجليلة وخصالها الحميدة وشيمها السعيدة ومفاخرها البارزة وفضائلها الطاهرة .


وقال العلامة الفاضل السيد نور الدين الجزائري في كتابه الفارسي المسمى ب‍ ( الخصائص الزينبية ) ما ترجمته عن بعض الكتب : أن زينب كان لها مجلس في بيتها أيام إقامة أبيها ( ع ) في الكوفة ، وكانت تفسر القرآن للنساء ، ففي بعض الايام

كانت تفسر ( كهيعص ) للنساء إذ دخل أمير المؤمنين ( ع ) ، فقال لها : يا نور عيني سمعتك تفسيرين ( كهيعص ) للنساء ، فقالت : نعم فقال ( ع ) : هذا رمز لمصيبة تصيبكم عترة رسول الله ( ص ) ثم شرح لها المصائب فبكت بكاء عاليا صلوات

الله عليها . وفي كتاب ( بلاغات النساء ) لابي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور قال : حدثني أحمد بن جعفر سليمان الهاشمي قال : كانت زينب بنت علي ( ع ) تقول : من أراد أن لا يكون الخلق شفعاؤه إلى الله فليحمده ، ألم تسمع إلى قولهم

سمع الله لمن حمده فخف الله لقدرته عليك واستح منه لقربه منك . وقال الطبرسي أن زينب روت أخبارا كثيرة عن أمها الزهراء ( ع ) . وعن عماد المحدثين أن زينب الكبرى كانت تروي عن أمها وأبيها
 

- ص 440 -

وأخويها وعن أم مسلمة وأم هانئ وغيرهما من النساء ، وممن روى عنها ابن عباس وعلي بن الحسين ( ع ) وعبد الله بن جعفر وفاطمة بنت الحسين ( ع ) الصغرى وغيرهم .


وفي ( مقاتل الطالبيين ) لابي الفرج الاصبهاني : زينب العقيلة بنت علي بن أبي طالب ( ع ) وأمها فاطمة بنت رسول الله ( ص ) ، والعقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة ( ع ) في فدك فقال : حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي ( ع ) .


وقال الفاضل العلامة الاجل المولى محمد حسن القزويني في كتابه المسمى ب‍ ( رياض الاحزان وحدائق الاشجان ) : يستفاد من آثار أهل البيت جلالة شأن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين ( ع ) ووقارها وقرارها بما لا مزيد عليه ، حتى أوصى

إليها أخوها ما أوصى قبل شهادته ، وأنها من كمال معرفتها ووفور علمها وحسن أعراقها وطيب أخلاقها كانت تشبه أمها سيدة النساء فاطمة الزهراء في جميع ذلك والخفارة والحياء ، وأباها ( ع ) في قوة القلب في الشدة والثبات عند النائبات

والصبر على الملمات والشجاعة الموروثة من صفاتها والمهابة المأثورة من سماتها ، وقد يستند في جميع ما ذكرناه إلى ما رواه في ( كامل الزيارات ) من موعظتها لابن أخيها الامام السجاد زين العابدين ( ع ) حين المرور بمصارع الشهداء ،

ثم ساق حديث أم أيمن الآتي ذكره ، وعن الصدوق محمد بن بابويه طاب ثراه : كانت زينب ( ع ) لها نيابة خاصة عن الحسين ( ع ) وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتى برئ زين العابدين ( ع ) من مرضه .



وأما عبادتها : فهي تالية أمها الزهراء ( ع ) وكانت تقضي عامة لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن ، ففي ( مثير الاحزان ) للعلامة الشيخ شريف الجواهري ( قدس سره ) : قالت فاطمة بنت الحسين ( ع ) وأما عمتي زينب فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة أي العاشرة من المحرم في محرابها ، تستغيث إلى ربها ،
 

- ص 441 -

فما هدأت لنا عين ولا سكنت لنا رنة .

وعن الفاضل النائيني البرجردي : أن الحسين لما ودع أخته زينب وداعه الاخير قال لها : يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل ، وهذا الخبر رواه هذا الفاضل عن بعض المقاتل المعتبرة .


وقال بعض ذوي الفضل : أنها ( صلوات الله عليها ) ما تركت تهجدها لله تعالى طول دهرها حتى ليلة الحادي عشر من المحرم .

وروي عن زين العابدين ( ع ) أنه قال : رأيتها تلك الليلة تصلي من جلوس ،
 

وروى بعض المتبقين عن الامام زين العابدين ( ع ) أنه قال : إن عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها من الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام من قيام ، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت :

أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال ، لانها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الاطفال لان القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفا واحدا من الخبز في اليوم والليلة .


وعن الفاضل النائيني البرجردي المتقدم ذكره عن بعض المقاتل المعتبرة عن مولانا السجاد ( ع ) أنه قال : إن عمتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت [ تهجدها ] لليلة انتهى كلامه .


فإذا تأمل المتأمل إلى ما كانت عليه هذه الطاهرة من العبادة لله تعالى والانقطاع إليه، يكاد يتيقن بعصمتها ( صلوات الله عليها ) وأنها كانت من القانتات اللواتي وقفن حركاتهن وسكناتهن وأنفاسهن للباري تعالى ، وبذلك حصلن على المنازل الرفيعة

والدرجات العالية التي حكت رفعتها منازل المرسلين ودرجات الاوصياء ( عليهم الصلاة والسلام ) .


وأما زهدها ( ع ) : فيكفي في إثباته ما روي عن الامام السجاد من أنها ( ع ) ما أدخرت شيئا من يومها لغدها أبدا .
 

- ص 442 -

وفي كتاب ( جنات الخلود ) ما معناه : وكانت زينب الكبرى في البلاغة ، والزهد ، والتدبير ، والشجاعة ، قرينة أبيها وأمها ، فإن انتظام أمور أهل البيت بل الهاشميين بعد شهادة الحسين ( ع ) كان برأيها وتدبيرها . وعن النيسابوري في رسالته العلوية : كانت زينب بنت علي في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى ( ع ) ، وأمها الزهراء ( ع ) .


ولله درالمؤلف النقدي حيث يقول :

[ عقيلة أهل بيت الوحي بنت * الوصي المرتضى مولى الموالي ]
[ شقيقة سبطي المختار من قد * سمت شرفا على هام الهلال ]

[ حكت خير الانام علا وفخرا * وحيدر في الفصيح من المقال ]
[ وفاطم عفة وتقى ومجدا * وأخلاقا وفي كرم الخلال ]

[ ربيبة عصمة طهرت وطابت * وفاقت في الصفات وفي الفعال ]
[ فكانت كالائمة في هداها * وإنقاذ الانام من الضلال ]

[ وكان جهادها بالليل أمضى * من البيض الصوارم والنصال ]
[ وكانت في المصلى إذ تناجي * وتدعو الله بالدمع المذال ]

[ ملائكة السماء على دعاها * تؤمن في خضوع وابتهال ]
[ روت عن أمها الزهراء علوما * بها وصلت إلى حد الكمال ]

[ مقاما لم يكن تحتاج فيه * إلى تعليم علم أو سؤال ]
[ ونالت رتبة في الفخر عنها * تأخرت الاواخر والاوالي ]

[ فلولا أمها الزهراء سادت * نساء العالمين بلا جدال ]


 

 

الصفحة الرئيسية

 

أهل البيت (ع)

 

فهرس الكتاب