|
-
نظرية عدالة الصحابة -
أحمد حسين يعقوب ص 3
: |
|
المقدمة
أحمدك
اللهم حمدا كثيرا ، بمدى علمك ، وبسعة رحمتك ، طيبا
يليق بربوبيتك لي وبعبوديتي لك ، وبنفس الكم والكيف
أستغفرك من كل ذنوبي وآثامي كما أمرت ، وأتوسل إليك أن
تجود علي بالمغفرة كما وعدت ، إنك يا مولاي لا تخلف
الميعاد .
وأسألك
باسمك العظيم الأعظم ، وجدك الأعلى ، وكلماتك التامة ،
أن تصلي وتسلم على رسولك محمد الذي أرسلته بالإسلام ،
فميزه وبينه ، وسلك بمعتنقيه الصراط السوي إليك ،
فعبده ، اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله الطيبين
الطاهرين ، أهل الثقل والتقى ، ونجوم الأمان والهدى ،
وسفين النجا ، خصهم الله بالفضل ، وقدمهم على أهل
الملة ، وجعل الصلاة عليهم ركنا من أركان الصلاة
المفروضة على العباد ، لتكون تذكرة دائمة بتلك المنزلة
، ( إن نفعت الذكرى ) ( إن الذكرى تنفع المؤمنين ) ،
أما بعد :
فإن
المنظومة الحقوقية الإلهية التي جاء بها الإسلام ، ما
هي في مجملها وحقيقتها ، وبكل جوانبها إلا خطة إلهية
متكاملة ، أعدت بإحكام ، ووضعت خصيصا لترشيد الجنس
البشري للأقوم ، ولإسعاده في الدارين ، وهي بطبيعتها
وبحكم تكوينها الإلهي قائمة على الجزم واليقين ، بعكس
المنظومات الحقوقية الوضعية المبنية أصلا على الافتراض
والتخمين .
ومما يؤكد الثقة المطلقة بهذه المنظومة
أنها لم تبق مجرد قواعد نظرية ، إنما شقت طريقها إلى
عالم التطبيق ، ونقلت من النظر إلى العمل ، ومن الكلمة
إلى الحركة ، وبالتصوير الفني البطئ ، عبر دعوة قادها
النبي ( ص ) بنفسه ، تمخضت عن دولة ترأسها النبي ( ص )
نفسه ، ونتيجة تطبيق هذه المنظومة ،
تكونت خير أمة أخرجت للناس
، وقامت أعظم دولة عرفتها البشرية ، وهي دولة النبي (
ص ) .
والنبي الكريم على فراش الموت ، وبعيد انتقاله
إلى جوار ربه بدأت سلسلة من
التداعيات والإنهيارات السياسية واقعيا ، وبدأت معها
عمليات التعتيم والتظاهر بالسلامة ، والتستر على هذه
الإنهيارات ، ظنا من أرباب تلك العمليات أنها قد تعطي
الفرصة لإيقاف تلك الإنهيارات ، فلا يسمع بها أحد ،
ولا يشمت بالدين وأهله شامت ، ولكن الإنهيارات لم
تتوقف ، بل توالت عبر التاريخ ، ومهد الانهيار إلى
انهيار ، حتى تحول النظام السياسي في الإسلام إلى هيكل
عظمي لم يبق له من الإسلام إلا الاسم ، حيث اختفى
وانهار نهائيا بسقوط آخر سلاطين بني عثمان ، واستفاق
المسلمون من ذهولهم ، فإذا بالأمة الواحدة أمم ممزقة ،
تحيا الحيرة والضياع ، فلو أرادت أن تتحد لما عرفت ،
كيف تتحد - كما يقول العقاد في ميزانه ، وإذا بدولة
الإسلام الواحدة دول ، وإذا بحمى الإسلام يتحول إلى
مائدة تتداعى فيها الأمم ، والعالم من حولنا تتحكم به
شريعة الغاب ، وقد أنشبت المادية أظافرها في ذاته
فأدمتها ، يجري وراء السراب ، يتوهم أنه اكتشف العلاج
الذي يوقف النزيف ، ويحاول أن يجر إليه البشرية جرا ،
تحت شعار الرحمة وإكراه المريض على تناول العلاج .
وبينما الطبول تصدر أنغام الفرح والمسرة ، يكتشف
العالم أن الذي تصوره علاجا كان وهما ، وليس انهيار
العقيدة الشيوعية ببعيد .
لماذا حدثت الإنهيارات ؟
لماذا توالت ؟
حتى حولت النظام السياسي الإسلامي إلى
هيكل عظمي وأخرجته عن معناه وصورته ، ثم أتت عليه
ورفعته من واقع الحياة بعد أن أبطلت مفعول المنظومة
الحقوقية الإلهية وحرمت الجنس البشري من التداوي بعلاج
الإسلام ومن الانتفاع بمنظومته ؟
أين يكمن سبب ذلك كله
؟
من المحال عقلا أن يكون سبب كل هذه البلايا والمحن
من المنظومة الحقوقية ذاتها ، لأنها من صنع الله الذي
أتقن كل شئ خلقه ! إذن ، فمن المؤكد أن السبب في كل
ذلك يكمن في الذين قادوا التاريخ السياسي الإسلامي
وصنعوه ، أو في
الأمة التي اشتركت معهم في
صناعة هذا التاريخ وإخراجه ، أو بالاثنين معا !
الأحزاب الدينية العربية التي تولت قيادة موكب التقليد
الأعمى ، وتاجرت بالآلام ، وخلطت كل الأوراق لغاية في
نفس يعقوب ، تحاول بكل قواها أن تلقي بروع الناس ، أن
فهم هذه الأحزاب للإسلام هو الإسلام بعينه ، وأنه لا
فرق بين
فهمها للإسلام وبين الإسلام ، فهما وجهان لعملة واحدة
، مع أن الإسلام من صنع الله ، وفهم الأحزاب للإسلام
من إنتاجها ، كما تحاول بكل قواها أن تثبت للناس بأن
التاريخ السياسي الإسلامي الذي صنعه البشر من بعد وفاة
النبي ( ص ) وحتى سقوط آخر سلاطين بني عثمان هو عينه
النظام السياسي الإسلامي الذي أنزله الله على عبده
لترشيد الحركة السياسية للمجتمع البشري ، وهي جادة في
ما تقول وجادة فيه ، مع أنها بعملها هذا قد خلطت الفهم
بالمفهوم ، وقدمت التابع على المتبوع ، والفرع على
الأصل ، واستبدلت المنظومة الحقوقية الإلهية
بالاجتهادات التي نشأت في ظلالها ، ولم تتكلف الأحزاب
الدينية العربية بذلك ، إنما ضاق صدرها بالرأي
الإسلامي المخالف ، وحاولت بكل الوسائل أن تخنقه ، وهي
مع ذلك تدعي الانفتاح على الفكر العالمي ، وتعد بإعطاء
الحرية له ولأربابه ليعرضوا فكرهم في الوقت الذي تخنق
فيه هذه الأحزاب الرأي
الإسلامي المعارض لها ، وتمنع أصحابه من التصريح به ،
فكيف يصدق بربك العالم ادعاءات هذه الأحزاب بالانفتاح
؟
هكذا قدمت الأحزاب الدينية العربية الإسلام للعالم
الحديث ، فالإسلام الذي جاء لينقذ الجنس البشري كله ،
ويتسع به كله ، ويشبع حاجاته وآماله كلها ، يضيق على
أبنائه ويضيق حتى بهم ! ! ذلك مبلغهم من العلم وهم
يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
وبهذا البحث المتواضع حاولت
جهدي إثبات أن ما أنزله الله شئ ، وأن فهمنا له شئ آخر
، وأن الإنهيارات التي بدأت بعد وفاة النبي ( ص ) ،
وتوالت حتى اقتلعت النظام السياسي الإسلامي من واقع
الحياة ، لم تكن بسبب علة في الدين ، ولا لنقص أو خطأ
في منظومته الحقوقية الخالدة ، إنما بسبب المسلمين
الذين بدلوا نعمة الله وأعمالهم لما تهوى الأنفس ،
بدلا من حكم الله ، وهنا يكمن جذر البلاء ، ومن هنا
المنطلق نحو الله .
وتأصيلا وتجذيرا وتسهيلا لاستيعاب
هذا البحث ، فقد قسمته إلى أربعة أبواب ، عالجت في
الباب الأول مفهوم الصحبة ، وفي الباب الثاني كشفت
الجذور التاريخية لهذا المفهوم ، أما الباب الثالث فقد
وضحت فيه المرجعية في الإسلام ، ونظرا لارتباط مبدأ
المرجعية بالقيادة السياسية ، فقد تناولت في الباب
الرابع القيادة
السياسية في الإسلام ، وسيكتشف القارئ المتمعن أن هذه
المواضيع الأربعة تتشابك مع بعضها تشابكا عضويا يتعذر
فصله ، وفي كل موضوع من هذه المواضيع سقت رأي أهل
السنة باعتباره رأيا إسلاميا ، قاد أصحابه الأمة
الإسلامية طوال التاريخ ، بعد أن استخرجته من مصادر
أهل السنة المعتبرة ، ثم سقت رأي أهل الشيعة ،
باعتباره رأيا إسلاميا تولى مهمة المعارضة طوال
التاريخ الإسلامي ، بعد أن استمزجت هذا الرأي من مصادر
أهل الشيعة .
وبعد ذلك وضعت تحت تصرف عشاق الحقيقة
الشرعية المجردة حكم الشرع في كل موضوع من تلك
المواضيع .
فجاء البحث وحيد زمانه شكلا وموضوعا
ومنهجية ، وحسب علمي القاصر ، فإنه لأول مرة في العصر
الحديث يتم تناول هذا الموضوع من قبل عربي من أهل
السنة بهذا الشمول والتكامل والموضوعية ، وبهذا الحجم
من المعلومات والمراجع .
ولم أخف ولائي لآل محمد خاصة
، ولبني هاشم عامة ، ومن يلمني بولائي لهم وهم الثقل
الأصغر والقرآن هو الثقل الأكبر ، والهداية لا تدرك
إلا بهما معا ، والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بهما معا
كما هو ثابت في النصوص الشرعية القاطعة ، وكيف يلمني
لائم وهم سفن النجا ، ونجوم الأمان والهدي في كل ليل
كما هو ثابت في النص ، وهم الحل ، فالنبي هو القاسم
المشترك بين المسلمين ، وحصر القيادة والولاية في
أولاده تطييب لنفوس الجميع ، وانتزاع لجذور الطمع بها
من نفوس الجميع ، ونبذ التنافس عليها مما يؤدي إلى
الاستقرار ، ناهيك عن فضل القرابة الطاهرة على الإسلام
، فهم الذي حموا النبي ومنعوه ، وهم الذين حاصرتهم كل
قبائل العرب مجتمعة وبلا استثناء ثلاث سنين في شعاب
أبي طالب ، وللعرب مطلب واحد وهو أن يسلم الهاشميون
محمدا ، أو أن يخلوا بينه وبين العرب ليقتلوه ، ولو
استجاب الهاشميون لأحد هذين المطلبين لما قامت للإسلام
قائمة ، ولقتل النبي ( ص ) كما قتل غيره من الأنبياء ،
فضلا عن جهاد الهاشميين الذي لا ينكره أحد ، وتضحياتهم
التي لا تخفى على أحد .
هذا غيض من فيض من مبررات
ولائي وشغفي ، فمن يلمني بعد ذلك ؟
إلهي ومولاي ، أنت
تعلم سري وعلانيتي ، وتعلم أنني ما قصدت إلا رضاك ،
فإن أصبت فمنك ، إنك نعم المولى ونعم النصير ، وإن
أخطأت فمن نفسي ، وثانية
أقول : اللهم اجعل عملي هذا خالصا لوجهك وهدية لمحمد
ولآل محمد ولكل هاشمي أو مطلبي دب على وجه الأرض أو
سيدب إلى يوم الدين ، وليكن عملي صدقة تطفئ بها خطاياي
، وتقربني منك ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
.
المؤلف
|