|
-
نظرية عدالة
الصحابة - أحمد حسين يعقوب ص 115
: |
|
الفصل الرابع الجذور الفقهية لنظرية عدالة كل
الصحابة
الذين أوجدوا نظرية عدالة كل الصحابة صاغوها
ونظروها بصورة تضمن الحماية التامة لماضيهم وحاضرهم
ومستقبلهم ، وتضفي على أحوالهم في الأزمان الثلاثة
رداء الشرعية والمشروعية ، وفصلوا لها من الأثواب ما
يضمن حضورها الفعال في كل أمر من الأمور يمكن :
1 - أن
يمسهم من قريب أو بعيد .
2 - أو يؤثر على قربهم أو
بعدهم من الشرعية .
3 - أو يوصل ويجذر مواقع الخلاف في
معسكر خصومهم .
4 - أو يفرق الخصوم في بحار من الشك
والحيرة والاضطراب .
والمثير حقا أن النظرية ترمز عند
عشاقها ومؤيديها اليوم لحبهم لمحمد ولأصحابه ، وهم
يتولون الدفاع عن هذا الرمز ويصارعون نيابة عن مخترعي
هذه النظرية الذين وقفوا خارج الحلبة كأنهم لا علاقة
لهم بما يجري .
أما الذين يطالبون بتعديل هذه النظرية
فهم لا يقلون حبا لمحمد وأصحابه المخلصين عن أولئك
المؤيدين لنظرية عدالة كل الصحابة ، ولكنهم يطالبون
باعتماد القواعد الشرعية والعقلية لترشيد هذا الحب
ليبقى دائما في إطار الإسلام ، وترك التقليد والتعصب
الأعمى الذي يعطل العقل ونعمة الحوار الهادف الذي خص
به الصفوة من عباده الصالحين .
المرجعية الفقهية في
فصل الجذور السياسية لنظرية عدالة الصحابة أثبتنا أن
الأكثرية الساحقة من
الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام
بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون أنوف بني
هاشم ، كما روى ابن عرفة وهو من أكابر المحدثين ،
وتبين لنا أيضا أن الباحثين قد أجمعوا على أن نشأة
الاختراع في الرواية ووضع الحديث على رسول الله ، إنما
كان في أواخر عهد عثمان وبعد الفتنة التي أودت بحياته
، ثم اتسع الاختراع واستفاض حتى مبايعة علي ( عليه
السلام ) ، فما كاد المسلمون يبايعونه بيعة صحيحة حتى
ذر قرن الشيطان الأموي ليغصب الحق من صاحبه وبأيلولة
الأمر إلى بني أمية تشذب فن الاختراع ووضع الحديث ،
حتى جعلت الدولة الأموية لمن يتعاطون فن الاختراع ووضع
الحديث جعلا يرغب في مثله - على حد تعبير الإمام محمد
عبده ( 1 ) .
هذه المرويات من المخترعات والموضوعات
بقيت إلى جانب غيرها من مرويات عدول الصحابة مرجعا
للجمهور على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم الفقهية في
التشريع وغيره من الأمور ( 2 ) .
المرجعيتان
1 - كل الصحابة مرجعية لأهل السنة الذين
اعتبروا كل الصحابة - بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي -
عدولا ، أخذوا كافة مروياتهم عن الصحابة الصادقين
العدول بالإضافة إلى المرويات الأخرى والتي وضعت في
زمن الفتنة وأخذت صورتها النهائية في العهد الأموي ،
ولم يفرقوا بين صحابي وصحابي لأنهم كلهم عدول ، وكلهم
في الجنة ومن المحال عقلا أن يتعمد الكذب رجل من أهل
الجنة .
فمرجعية هؤلاء هم الصحابة وقد غلب عليهم اسم
أهل السنة ، فأهل السنة هؤلاء عرفوا الدين وفهموه عن
طريق الصحابة بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي .
| |
(
1 ) تاريخ محمد عبده ج 2
ص 347 راجع شيخ المضيرة
للشيخ محمود أبو رية ص 201 - 202 .
( 2 ) راجع آراء
علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن
الكريم للسيد مرتضى الرضوي ص 86 . ( * ) |
|
|
والصحابة الذين نالوا حظوة في البلاط الأموي كانوا
من أكثر الصحابة حديثا .
فقد ذكر أبو محمد بن حزم أن
مسند أبي عبد الرحمن بن مخلد الأندلسي قد احتوى من
حديث أبي هريرة على ( 5374 ) حديثا ، روى البخاري منها
( 446 ) حديثا . وغني عن البيان أن أبا هريرة من أقرب
المقربين إلى معاوية وأن مدة صحبة أبي هريرة للنبي لا
تتجاوز السنة وبضعة أشهر .
والخلاصة أن أي حديث يرويه
أي صحابي بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي محترم ومصان ،
وهو جزء من الدين عند أهل السنة طالما ثبت أنه صحابي ،
لأن الصحابة كلهم عدول وكلهم في الجنة ولا يجوز عليهم
تعمد الكذب .
وحتى يكون الراوية أهل للثقة يجب أن لا
يكون متهما بالتشيع لعلي ( عليه السلام ) أو لأهل
البيت ، فإذا ثبت ذلك فهو ليس بثقة من حيث المبدأ .
قال يحيى بن معين : وقيل له في سعيد بن خالد البجلي
حين وثقه : هذا شيعي . قال شيعي وثقة
! ! ! . ولم يعرف الجمهور
بهذا الوصف ( أهل السنة ) قبل أواخر القرن الأول لأن
التسنن من الأحداث الطارئة ( 1 ) .
ما هو السند الشرعي
لأهل السنة بمرجعيتهم للصحابة ؟
يقول أهل السنة : إن
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قد قال : " أصحابي
كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم " وفي رواية فأيهم
أخذتم بقوله . . . . . يقول ابن تيمية شيخ الحنابلة ،
ويلقب عند الجمهور بشيخ الإسلام : وحديث أصحابي
كالنجوم ضعفه أئمة الحديث فلا حجة فيه . - راجع ص 551
من كتاب حجة المنتقى للذهبي . وهذا الحديث باطل
بالإجماع ( 2 ) .
| |
(
1 ) راجع آراء علماء المسلمين
في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم ص 92
وراجع أضواء على السنة المحمدية
ص 341 - 344 و ص 89 .
( 2 ) راجع آراء علماء المسلمين
في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم ص 92
وراجع أضواء على السنة المحمدية
ص 341 - 344 و ص 89 . ( * ) |
|
|
2 - أئمة أهل البيت وثقات الصحابة هم مرجعية أهل
الشيعة : أهل السنة اتخذوا مرجعا فقهيا لهم الصحابة كلهم
بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي في مقابل الشيعة الذين
رجعوا إلى الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) ،
وإلى ما رواه ثقات الصحابة عن النبي ( صلى الله عليه
وآله وسلم ) بالإضافة إلى كتاب الله في جميع ما جاء به
الإسلام من أصول وفروع .
وقد ورثوا فقههم وأصولهم
وجميع تعاليمهم في جميع مراحله وفصوله عن جدهم أمير
المؤمنين الذي وصفه رسول الله بأنه باب مدينة العلم (
أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد المدينة فليأت
الباب ) .
وكان لهذه المرجعية ضوابط ثابتة ، فقد كان
الأئمة ( عليهم السلام ) يقولون : " إنا إذا حدثنا لا
نحدث إلا بما يوافق كتاب الله ، وكل حديث ينسب إلينا
لا يوافق كتاب الله فاطرحوه " . كما كان الإمام الصادق
( عليه السلام ) يقول : " حديثي حديث أبي ، وحديث
أبي حديث جدي ، وحديث جدي
حديث رسول الله ، وحديث رسول الله قول الله " ( 1 )
ما
هو السند الشرعي لأهل الشيعة بمرجعيتهم لأئمة أهل
البيت ؟
السند الشرعي هو النصوص الشرعية القاطعة
الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة بفروعها
الثلاثة ، وهي موضع اتفاق بين أهل السنة وأهل الشيعة .
فأئمة أهل البيت الكرام هم من الذين أذهب الله عنهم
الرجس وطهرهم تطهيرا ( 2 ) بالنص القرآني والقرآن هو
الثقل الأكبر وهم الثقل الأصغر بالنص الشرعي ، والهداية لا يمكن أن تدرك إلا بالتمسك بالثقلين ،
والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالثقلين ( 3 )
وهم لهذه الأمة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها
غرق ، بالنص الشرعي
| |
(
1 ) آراء علماء المسلمين في
التقية والصحابة وصيانة القرآن ص 89 .
( 2 ) ارجع إلى آية التطهير واقرأ تفسيرها في
تفسير فتح القدير للشوكاني وتفسير ابن كثير وتفسير الطبري
وتفسير
الخازن وأي تفسير ترغب به .
( 3 ) راجع صحيح الترمذي ج
5 ص 328 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 232
وتفسير ابن
كثير ج 4 ص 113
وينابيع
المودة للقندوزي الحنفي ص 33 و 45 و 445 وكنز
العمال للمتقي الهندي ج 1 ص 153 ومصابيح السنة للبغوي ص 206
وجامع
الأصول لابن الأثير ص 137 ومشكاة المصابيح ج 3 ص 258
وإحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف ص 114
والفتح
الكبير للنبهاني ج 1 ص 503 و ج 3 ص 385 والدر
المنثور للسيوطي ج 6 ص 7 و 306
والصواعق المحرقة ص 147
لابن حجر والمعجم الصغير
للطبراني ج 1 ص 135 ومنتخب
تاريخ ابن عساكر ج 5 ص 436
ومقتل الحسين للخوارزمي
ج 1 ص 104 والطبقات الكبرى
لابن سعد ج 2 ص 194 . . . الخ .
|
|
|
أيضا ( 1 ) ، وهم أمان لأمة محمد ، من الاختلاف
بالنص الشرعي أيضا ( 2 ) ونسوق بأدناه طائفة من الأدلة
على كل نص ثم نوردها مجتمعة في باب الميزان .
دور
المرجعيتين
1 - دور المرجعية عند أهل السنة : قلنا إن
مرجعية أهل السنة لفهم البيان القرآني هم الصحابة
بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي ، كل الصحابة لا فرق بين
واحد وآخر لأنهم كلهم عدول وكلهم في الجنة . وكانت
رواياتهم في الدرجة الأولى لا تتعدى أقوال الرسول (
صلى الله عليه وآله ) وأفعاله عند المتقدمين .
وعند ما
تعددت المذاهب وتوزعت في الأمصار شملت الروايات أقوال
الرسول وأفعاله وأقوال الصحابي وأفعاله ، وأصبحت آراء
الصحابة في الحوادث المصدر الثالث من مصادر التشريع :
القرآن ، السنة ، رأي الصحابي .
والمذاهب الثلاثة :
الأحناف والمالكية والحنابلة أكثر تعصبا لآراء الصحابة
من الشوافع . ومع أن أبا حنيفة كان متحمسا للقياس ،
ويراه من أفضل المصادر بعد القرآن ، إلا أنه كان يقدم
رأي الصحابة عليه إذا تعارضت في مورد من الموارد . وقد
جاء عن أبي حنيفة : " إن لم أجد نصا في كتاب الله ولا
في سنة رسوله ، أخذت بقول أصحابه ، فإن اختلفت آراؤهم
في حكم
| |
( 1 )
تلخيص المستدرك للذهبي الصواعق المحرقة لابن حجر ص 184
و 234 وتاريخ الخلفاء للسيوطي وإسعاف الراغبين للصبان
الشافعي ص 109 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 235
وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 378 . . . الخ .
( 2 )
راجع الصواعق المحرقة ص 91 و 140 وإحياء الميت للسيوطي
بهامش الإتحاف ص 114
ومنتخب الكنز بهامش مسند الإمام
أحمد ج 5 ص 93 . . . الخ
. ( * ) |
|
|
الواقعة آخذ بقول من شئت وأدع من شئت ولا أخرج من
قولهم إلى قول غيرهم من التابعين ( 1 ) .
وجاء في
أعلام الموقعين لابن القيم : " إن أصول الأحكام عند
الإمام أحمد خمسة : الأول النص والثاني فتوى الصحابة ،
وإن الأحناف والحنابلة قد ذهبوا إلى تخصيص كتاب الله
بعمل الصحابي ، لأن الصحابي العالم لا يترك العمل
بعموم الكتاب إلا لدليل ، فيكون عمله على خلاف عموم
الكتاب دليلا على التخصيص وقوله بمنزلة عمله " ( 2 ) .
فأنت تلاحظ أن أهل السنة قد أمعنوا بالغلو في تقديس
الصحابة ، هذا التقديس الذي لا يختلف عن العصمة في شئ
( 3 ) . وعندما انتشرت المذاهب الفقهية ، استغل هذا
الغلو المفرط في محاربة التشيع لأئمة أهل البيت ( 4 )
وأقوال الصحابة تعامل كأنها وحي من السماء فيخصصون بها
عموم الكتاب ويقيدون بها مطلقاته .
2 - دور المرجعية
عند أهل الشيعة : القرآن الكريم قد جاء تبيانا لكل
شئ ، وما ثبت عن النبي
ثبوتا قطعيا لا يرقى إليه شك هو بمثابة النص ، وما عدا
ذلك لا يجوز الاعتماد على السنة في مقام التشريع إلا
إذا تأيدت بآية من القرآن لأنه فيه تبيان كل شئ ، وقد
نزل بلغة العرب وبأسلوب يفهمه كل عربي ، وذلك لأن
السنة رواها عن الرسول جماعة يجوز عليهم الخطأ والكذب
، وكانوا لا يقبلون مرويات بعضهم
| |
(
1 ) راجع أبا حنيفة لأبي
زهرة ص 304 والإمام زيد
ص 418 وراجع آراء علماء
المسلمين ص 87 - و 88 للسيد مرتضى الرضوي .
( 2 ) راجع المدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف الدواليبي ص 217 وراجع كتاب السيد مرتضى الرضوي ص 88 .
( 3 ) راجع المدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف الدواليبي ص 217 وراجع كتاب السيد مرتضى الرضوي ص 88 .
( 4 ) راجع المدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف الدواليبي ص 217 وراجع كتاب السيد مرتضى الرضوي ص
88 . ( * ) |
|
|
أحيانا ويعمل كل واحد منهم بما يوحيه إليه اجتهاده .
وقد تراشقوا بأسوء التهم واستحل بعضهم دماء البعض
الآخر ( 1 ) . وباختصار فإن القول الفصل عند الشيعة هو
القرآن الكريم المبين لكل شئ وما ثبت من البيان ( سنة
الرسول القولية والفعلية والتقريرية ) ثبوتا يقينيا لا
يرقى إليه الشك .
اختلاف المنطلقين يؤدي لاختلاف
النتائج :
1 - انطلق أهل السنة من منطلق مفاده أن
الصحابة - كل الصحابة بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي بما
فيه الأطفال الذين شاهدوا النبي أو شاهدهم النبي -
هؤلاء كلهم عدول ، لا يجوز عليهم الكذب ولا يجوز عليهم
التزوير ، فهم جميعا من أهل الجنة ، ولا يدخل أحد منهم
النار كلهم بلا استثناء بما فيهم الحكم بن العاص طريد
رسول الله وطريد صاحبيه ، وبما فيهم عبد الله بن أبي
سرح الذي افترى على الله الكذب ، وبما فيهم معاوية .
فكانت النتيجة من جنس المنطلق ، فما يقوله الصحابي
الذي ثبتت صحبته صحيح لا يأتيه الباطل لأنه من العدول
، فإذا تعددت أقوال الصحابة في المسألة الواحدة
فالمجتهد حر ليأخذ بقول أي صحابي شاء ولا حرج عليه ،
ويدع من يشاء ولا حرج عليه ( 2 ) .
فلو قال الحكم بن
العاص قولا في مسألة ، وقال أبو هريرة قولا آخر في ذات
المسألة ، وقال حذيفة بن اليمان قولا ثالثا في ذات
المسألة ، وقال أبو بكر قولا رابعا في ذات المسألة ،
فالمجتهد مخير ليأخذ بأي قول من هذه الأقوال ، لماذا ؟
لأنهم صحابة ، وكل الصحابة عدول ، ولا يجوز جرحهم أو
الطعن فيهم كما يفعل أهل السنة بالرواة من غيرهم .
والأهم من ذلك أن الأحناف والحنابلة قد ذهبوا إلى
تخصيص القرآن نفسه بعمل الصحابي وقوله ، لأنه - حسب
رأيهم - لا يمكن أن يترك الصحابي العمل بعموم
| |
(
1 ) أنظر تاريخ الفقه الإسلامي
للدكتور محمد يوسف موسى عن كتاب
الأمة للشافعي ص 228 وراجع كتاب السيد مرتضى الرضوي ص 88 .
( 2 ) أنظر : أبا حنيفة
لأبي زهرة ص 304 304 |
|
|
النص إلا لدليل ، فيكون عمل الصحابي على خلاف عموم
النص دليلا على التخصيص وقول الصحابي بمنزلة عمله ( 1
) .
وما يثير الدهشة حقا هو أنهم يقصدون بالصحابي - أي
صحابي - على الاطلاق المعنيين اللغوي والاصطلاحي .
وهذه مرتبة ترقى بالصحابي إلى درجة العصمة ، وتجعل منه
مشرعا حقيقيا أو شريكا بالتشريع .
2 - أما أهل الشيعة
فالأمر مختلف جدا عندهم من هذه الناحية ، فالشيعة
يوالون أصحاب محمد الذين أبلوا البلاء الحسن في نصرة
الدين ، وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم .
والدعاء الذي
تردده الشيعة لأصحاب محمد لهو دليل قاطع على حسن
الولاء وإخلاص المودة ، وقد جاء فيه : " . . . وأصحاب
محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة ، والذين أبلوا البلاء
الحسن في نصره ، وكاتفوه وأسرعوا إلى قيادته ، وسابقوا
إلى دعوته ، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته ،
وفارقوا الأرواح والأولاد في إظهار كلمته ، وقاتلوا
الآباء في تثبيت نبوته ، والذين هجرتهم العشائر إذ
تعلقوا بعروته ، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل
قرابته اللهم ما تركوا لك وفيك وارضهم من رضوانك وبما
حاشوا الحق عليك ، وكانوا من ذلك لك وإليك ، واشكرهم
على هجرتهم فيك . . . " ( 2 )
هؤلاء هم أصحاب محمد
الذين تعظمهم شيعة آل محمد ويدينون بموالاتهم ،
ويأخذون تعاليم الإسلام فيما صح وروده عنهم ( 3 ) .
والخلاصة
: إن الشيعة لا يثبتون العدالة إلا لمن اتصف بها ،
وكانت فيه تلك الملكة . وأصالة العدالة لكل صحابي لا
دليل عليه ولا يمكن إثباته .
فالشيعة تناقش أعمال ذوي
الشذوذ منهم بحرية فكر وتزن كل واحد منهم بميزان عمله
، فلا يوادون
| |
(
1 ) وقد ورد دعاء طويل في
الصحيفة السجادية وثقناه ، وراجع كتاب السيد مرتضى ص
93 - 94 .
( 2 ) وقد ورد دعاء طويل في الصحيفة
السجادية وثقناه ، وراجع كتاب السيد مرتضى الرضوي
93 - 94 .
( 3 ) وقد ورد دعاء
طويل في الصحيفة السجادية وثقناه ، وراجع كتاب السيد
مرتضى الرضوي ص 93 - 94 . ( * ) |
|
|
من حاد الله ورسوله ، ويتبرأون ممن اتخذوا أيمانهم
جنة فصدوا عن سبيل الله . والشيعة بهذا لا يخالفون
كتاب الله وسنة رسوله وعمل السلف الصالح في تمييز
الصحابة ومن هو مصداق هذا الاسم حقيقة .
ومن هنا فتحت
على الشيعة باب الاتهامات الكاذبة ( 1 ) ولأن الشيعة
انطلقوا من هذا المنطلق المختلف عن منطلق أهل السنة ،
فإنهم قد توصلوا لنتائج مختلفة عن النتائج التي توصل
لها أهل السنة .
تعدد
المرجعيات :
في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ،
كثيرا ما كانت تختلف الآراء حول المسألة الواحدة
وتتعدد ، فيسمعها النبي كلها ولا يضيق بها صدره ، ثم
يبسط حكم الشرع في هذه المسألة سواء أكانت نصا قرآنيا
أم سنة محمدية ، فيقبل الصادقون هذا الحكم فيوحدهم بعد
اختلاف ، ويدخلهم حظيرة اليقين بعد شك في هذه المسألة
.
وتتكرر الحادثات ، وتتكرر أحكام الحلول مما يجعل
الخلاف بوجهات النظر وتعدد هذه
الوجهات مظهرا من مظاهر
إثراء الفكر ، ولونا من ألوانه ، لماذا ؟ لأن للناس
مرجعية واحدة قولها الفصل وحكمها العدل .
فوحدة
المرجعية هي الأساس الذي تقوم عليه وحدة المجتمع ووحدة
العقيدة ، فإذا تعددت المرجعيات يقع الخلاف المحظور . والاختلاف والوحدة نقيضان فيضطر الحاكم لمصادرة حق
الناس بطرح أفكارهم ليضمن وحدتهم .
ونتيجة نظرية عدالة
كل الصحابة تعددت من الناحية العملية المراجع . فكان
في المجتمع الإسلامي عشرات الألوف من المراجع ، كل
مرجع له رأيه وتصوره وفهمه . وبتعدد هذه المراجع
انقسمت هذه الأمة إلى شيع وأحزاب ، كل شيعة تؤيد
مرجعها وتعتقد أنه المصيب والموصل إلى رضوان الله
تعالى .
ولكن عمليا ، وبما أن السلطة الحاكمة خاصة
عندما تخرج من إطار الشرعية هي المسيطرة على وسائل
الأعلام ، فإن بإمكانها أن تسلط الأضواء على المرجع أو
تلك المراجع المتحدة وتصورها على أنها وحدها هي الفئة
الناجية ، وأنها على الحق المبين ، فتنشر فتاوى هذه
المرجعية وتحيطها بهالة من الإنبهار ، وبعملها هذا
تدعو الناس بطريقة غير
| |
(
1 ) راجع آراء علماء المسلمين
في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم ص 100 . ( * ) |
|
|
مباشرة للوثوق بهذه المرجعية بغض النظر عن أهلية تلك
المرجعية أو عدم أهليتها .
فأبو هريرة صحابي مغمور لم
يكن له دور في عهد الخلفاء الراشدين ، وكان يخدم الناس
مقابل قوت بطنه ، ولم تتجاوز صحبته للنبي ( صلى الله
عليه وآله ) سنة وبضعة أشهر ، لكن نتيجة لقربه من
البلاط الأموي وحظوته فيه تحول إلى مرجعية هائلة ،
وتحولت أقواله على كثرتها إلى الحق الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وروى من الأحاديث ما ينوف على سبعمائة ضعف ما رواه كبار الصحابة ، لماذا ؟
لأن الدولة تبنته ورشحته ليكون مندوبها في مرجعية
تستقطب كل المرجعيات .
حكم
الشرع في تعدد المرجعيات :
ما من دين على الاطلاق إلا
وله مرجعية . وما من عقيدة إلا ولها مرجعية . فمحمد هو
المرجعية الوحيدة لدين الإسلام ولعقيدته ، فقوله الفصل
، وإذا وجدت مرجعية ثانية بأمر الله ، فإنها مرتبطة به
بالدرجة الأولى
بوصفه الأعلم والأفهم بالعقيدة ومرتبطة بالعقيدة .
والديانة اليهودية لها مرجعية واحدة .
فموسى ( عليه
السلام ) هو المرجع ، وهارون تابع له ، وإذا انفرد
موسى عن هارون فهو خليفته ، فإذا عاد موسى عادت تبعية
هارون له . والديانة المسيحية لها مرجع وهو عيسى (
عليه السلام ) ، والحواريون مرتبطون به ومسخرون لخدمة
الدين تحت إمرته .
فإذا انتقل محمد وموسى وهارون وعيسى
إلى الرفيق الأعلى ، فيستتبع بالضرورة وجود مرجعية
واحدة لكل عقيدة من هذه العقائد الثلاث معينة من قبل
المرجعية الأولى بأمر ربها ، وترك الدين والعقيدة بلا
مرجعية ، تفريط تترفع عنه ملكات الأنبياء ، ويتناقض مع
كمال الديانات .
وفي الإسلام ، فإن مرجعية المسلمين
بالنصوص الشرعية القاطعة هم أهل بيت محمد ، وبالتحديد
عميد هذا البيت الطاهر في كل زمان .
أما لماذا أهل بيت
النبوة ؟ فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء ، ومن جهة ثانية
فقد أعدهم الرسول إعدادا علميا ، وقد احتضنوا الرسول
واحتضنوا دعوته . وقد بين لنا الله أنهم هم الأفضل في
كل زمان ،
وتلك من لوازم المرجعية .
وكان واضحا بعد وفاة النبي
أن مرجعية المسلمين هو عميد أهل بيت النبوة وهو علي بن
أبي طالب ( عليه السلام ) . فكل مسلم قد تبلغ بأن عليا
هو مولاه ومولى كل مسلم ومسلمة . أنظر إلى قول الفاروق
: " هذا مولاي ومولاك ومولى كل مؤمن ومؤمنة " . تلك هي
المرجعية الشرعية .
إلغاء
المرجعية الشرعية
يستتبع بالضرورة إيجاد مرجعية بديلة
: تلاحظ أن المرجعية الشرعية في الإسلام قد عطلت بعد
موت نبيه ، فصار المرجع الرسمي ، أو القائم مقام
المرجع الشرعي هو الخليفة .
ودارت الأيام ، فعاد
المرجع الشرعي ليقوم بعمله ووظيفة كولي للأمة ومرجع
شرعي لها . فقامت الدنيا ولم تقعد إلا بعد أن قتل ،
وجاء الحسن فأدرك أن الدنيا ما زالت قائمة وأنها لن
تقعد إلا بقتله ، فترك الأمر ، وأحيط بالحسين في
كربلاء فقتل وأبيد من حضر معه من أهل بيته الطاهرين ،
فأصبحت الأمة بغير مرجعية شرعية .
وبما أن المرجعية
ضرورة من ضرورات وحدة المجتمع ، ركز الحاكمون الأمويون
ليكونوا هم المرجعية وليقنعوا الأمة أنهم المرجعية
الشرعية ، ومن الطبيعي أن يكون للكثير من طلاب الدنيا
مصلحة بالتعاون معه لتحقيق هذه الغاية.
نظرية عدالة
كل الصحابة هي الطريق الفرد لإيجاد المرجعية البديلة :
فصلت نظرية عدالة كل الصحابة لغة واصطلاحا بحيث تتسع
بالحاكمين الأمويين ، ثم أضيفت صفة العدالة على
الصحابي - أي صحابي على الاطلاق - وبما أن المرجع
الشرعي عادل ولا يجوز عليه الكذب ، وبما أن الصحابي
عادل ولا يجوز عليه الكذب وهو من أهل الجنة ، فمعنى
ذلك أن الحاكم الأموي عادل ومؤهل ليكون المرجع الشرعي
لأمة محمد ، وهذا هو مفتاح سير الأحداث .
لو جاءت
النظرية عن طريق غير الحاكمين لفشلت : لو نادى بنظرية
عدالة كل الصحابة أشخاص عاديون لفشلت تماما . ولكن
نادى بها صحابة بتأييد مادي ومعنوي من
الحكام ، فقد خصصوا جعلا
لمن يضع الأحاديث
للطعن بالمرجعية الشرعية بعد وفاة النبي ، وقربوا
القائلين بنظرية عدالة كل الصحابة ، وبذلوا لهم المال
والجاه ، وسخروا كل وسائل إعلام الدولة للترويج لهذه
النظرية .
ومن الطبيعي أن لا تخفى هذه الأساليب على
ذوي البصيرة من الصحابة الكرام ، لكن أياديهم مغلولة ،
والأمة متفرقة ، وقد غلبت على أمرها ، فاستنكرها كبار
الصحابة بالقول والفعل ، لكن هذا الاستنكار كان يموت
لحظة ولادته في زوايا البيوت ، بينما كان تأييد هذه
النظرية يعمم بكل وسائل الإعلام ، وبدعم الدولة نفسها
.
فعمليات التنقيص من ولي الأمة ومرجعها الشرعي ولعنه
وشتمه كانت أمورا يومية تمارسها الأمة بقوة السلاح ،
وعنفا عن إرادتها ، ومن يعارض ذلك فمصيره مصير حجر بن
عدي ، وهو القتل وحرمانه من العطايا الشهرية أو لقمة
العيش . وبنفس الوقت ، كانت عملية إيجاد المرجعية
البديلة تشق طريقها بريح ملائمة .
المرجعية
البديلة أصبحت شرعية :
مات جيل الصحابة الكرام ، ومات
التابعون الصادقون ، وماتت المعارضة ، واختفت حجة
هؤلاء جميعا ، ولم يبق منها إلا النزر اليسير .
وبقيت
كافة المعلومات الضرورية لإضفاء الشرعية على المرجعية
المزيفة والبديلة موجودة بكامل تفاصيلها ، لأنها جزء
من وثائق الدولة المحفوظة ، وبالتالي أصبحت شرعية
حقيقية من حيث الظاهر بعد أن مات كل الذين يعرفون
الحقيقة ، وأخفيت حجتهم ومعارضتهم ، ولم يبق منها إلا
اليسير ، فاعتقد اللاحقون أن المرجعية الشرعية التي
أمر الله بها وأوجدها هي عينها التي نقلت إليهم عن
طريق الدولة من أسلافهم ، فأصبحت معارضة هذه النظرية
معارضة للدين نفسه لا معارضة للذين أوجدوها ، وأصبحت
تقليدا لا تقبل المناقشة ، ومن يناقشها أو يعارضها أو
ينتقص من الذين وضعوها فهو زنديق لا يواكل ولا يشارب .
. . الخ ، ولأن الشيعة بزعامة أهل البيت يعارضون ذلك
ولا يقبلون
به ، فمن الطبيعي أن تصب
عليهم كل اللعنات وأن يصوروا كأنهم أعداء للدين وكفار
مجرمون .
وهذا ما استقر بذهن العامة ، وبذهن العلماء
الذين تخرجوا من جامعات هذه النظرية ، ورووا التاريخ
من خلالها
.
الحل :
إنه لا بديل عن الصبر ، ولا بديل عن الاقتداء
بمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقد قاومه كل
الناس ولم يركع ، بل استطاع بالحكمة والموعظة الحسنة ،
وبالأساليب الشرعية ، وبالحجة القاطعة والبراهين
الساطعة أن يهتك حجب التقليد ، وأن يزيح عن وجه
الحقيقة كل ما علق بها . واقتنع الناس في النهاية ،
وتلك هي الوسيلة الوحيدة أمام عشاق الحقيقة الشرعية .
في غياب المرجعية الشرعية :
انقسم الناس إلى شيع
وأحزاب متنافرة متعارضة كل حزب يدعي أنه على الحق ،
وأن غيره على الباطل ، وهم جميعا يعلمون أن الأمة في
غياب المرجعية الشرعية ستنقسم إلى ثلاث وسبعين فرقة
كلها في النار إلا واحدة ، وهم يعلمون أنه لا يوجد إلا
حق واحد وهو الذي تسير عليه هذه الفرقة الناجية ،
والفرقة الناجية هي التي تتبع المرجعية الشرعية ، وهذا
الانقسام كان واحدا من المبررات التي وجدت من أجلها
نظرية عدالة كل الصحابة .
لمتابعة الموضوع اضغط على
الصفحة التالية أدناه
|