|
-
نظرية عدالة
الصحابة - أحمد حسين يعقوب ص 127
: |
|
الانقسام
الفقهي :
في غياب المرجعية الشرعية المخصصة لبيان
المقصود الشرعي من النص وتكييف النص على الوقائع انقسم
المسلمون إلى عشرات الشيع والأحزاب الفقهية والتي تحمل
في ثناياها طابعا سياسيا بالضرورة ، وتمركزت هذه
الأقسام بخمسة قوى :
1 - مذهب أهل البيت الكرام : وهو
أول المذاهب الإسلامية على الاطلاق ، وهو مذهب الفئة
الناجية كما سنثبت ذلك ، وقد أطلق عليه المذهب الجعفري
نسبة إلى جعفر الصادق ( عليه السلام ) .
2 - المذهب
الحنفي : نسبة إلى أبي حنيفة ، وقد أخذ أبو حنيفة عن
الإمام جعفر ثم انفرد بمذهب خاص
.
3 - المذهب المالكي : نسبة إلى مالك ، وقد أخذ عن
أبي حنيفة وانفرد بمذهبه أيضا .
4 - المذهب الشافعي :
نسبة إلى الشافعي ، وقد أخذ عن مالك وانفرد بمذهبه
كذلك .
5 - المذهب الحنبلي : نسبة إلى أحمد ، وقد أخذ
عن الشافعي وانفرد بمذهبه . وأنت تلاحظ أن الإمام جعفر
الصادق هو أستاذ أصحاب المذاهب الأربعة ، وهم يفخرون
بذلك . بينما يعتبر العوام أن أتباع المذهب الجعفري
على الضلال ، وأن العوام على الصواب .
جذور
مطاردة أهل البيت :
تمت مطاردة أهل البيت الطاهرين
طوال التاريخ السياسي الإسلامي لغايات :
1 - إصرار
المطاردين - بكسر حرف الراء - على إجبار أهل البيت
للتخلي عن خصوصيتهم التي خصهم الله بها من دون
المسلمين .
2 - وبنفس الوقت تأويل هذه الخصوصية
وإخراجها عن معانيها ووظائفها .
3 - إيجاد خصوصيات
وضعية منافسة للخصوصية الإلهية لسلب معاني ووظائف
خصوصية أهل البيت .
4 - نظرية عدالة كل الصحابة جاءت
كخصوصية وضعية أريد منها أن تقوم بسلب خصوصية أهل
البيت الكرام .
5 - ولو أن أهل البيت الكرام عطلوا
خصوصيتهم وقبلوا الأمر الواقع فإنهم لن يتركوا وهم
بحالة مطاردة مستمرة . لماذا ؟
6 - لأن السلطة فاتنة
جميلة تزوجها الحكام بالإكراه وسلبوها من زوجها الشرعي
، فملكوا الجسد ، أما قلب الزوجة وروحها ، فمع زوجها
الشرعي تحلم بهذا الزوج علنا وهي بقبضة الحكام ، فشبت
في قلوب الحكام طوال التاريخ غيرة
مجنونة ، وقادتهم هذه الغيرة إلى أفاعيل مخزية .
خصوصية القرابة الطاهرة :
البطن الهاشمي خير بطون
الناس عامة ، وخير بطون العرب خاصة بالنص الشرعي .
وبيت عبد المطلب هو أيضا خير بيوت الناس عامة ، وخير
بيوت العرب خاصة ، وبالنص الشرعي أيضا ( 1 ) وهو هاشم
بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ( 2 ) .
وآل محمد هم أفضل
الآل ، وقد افترض الله مودتهم بالكتاب ، وجعل الصلاة
عليهم ركنا من أركان الصلاة ، وهذا معنى قول الشافعي :
يا أهل بيت نبي الله حبكم * فرض من الله في القرآن
أنزله
كفاكم من عظيم الفخر أنكم * من لم يصل عليكم لا
صلاة له ( 3 )
وأهل بيت محمد هم دسمة هذه الأمة ، وهم
الشجرة التي يتداوى بها ، وهم العترة ( وعترة الرجل هم
نسله ورهطه الأقربون ) ( 4 ) .
وقد طهر الله أهل بيت
نبيه وأذهب عنهم الرجس - وآية التطهير لا تخفى على أي
مسلم - وبفضله تعالى وجهادهم في سبيل الله تقدموا على
ما سواهم ، فهم المرجعية الشرعية للمسلمين وللدين ،
ومنهم القيادة السياسية ، وهذا مجد لا يضاهيه مجد ،
وشرف يقصر عنه كل شرف ، وخصوصية لآل محمد .
| |
(
1 ) راجع الطبقات لابن
سعد ، وراجع السيرة الحلبية
، وراجع كنز العمال ،
وقد نقل عن الحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه وعن
الطبراني وعن
ابن عساكر .
( 2 )
راجع الطبقات لابن سعد ج 1 ص 75 ، وراجع
السيرة
الحلبية .
( 3 ) راجع ابن حجر في تفسير آية : * (
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ) * في
صواعقه المحرقة
ص 88 ، وراجع النبهاني ص 99 من الشرف المؤيد وهي مرسلة
عن الشافعي ، إرسال المسلمات كما يقول الإمام شرف
الدين .
( 4 ) راجع مختارات الصحاح ص 31 و 185 و 70 و
ص 410 ، وراجع المعجم الوسيط ص 21 ج 1 و ص 588 ج2
. ( * ) |
|
|
ما هي الغاية من هذه الخصوصية ؟
الغاية الشرعية من
خصوصية القرابة حقيقة أنه تشريف ، ولكنها بجوهرها
تكليف لها معنى ولها وظائف فمعناها : أنها نقطة ارتكاز
للمسلمين ، فبهم تكتمل الدائرة ويتحدد مركزها ،
فيستقطبون الأمة كلما تفرقت ، فتقدم لهم الحل بالتأشير
على نقطة الارتكاز الإلهية ، فلا يذهب المسلمون لا
للشرق ولا للغرب ، ولا للشمال ولا للجنوب ، إنما
يذهبون للقرابة الطاهرة ، ويتجمعون حولها فتجمعهم ،
وهي بنفس الوقت مرجعية للدين ، ومرجعية للمسلمين ،
فتبين الدين للمسلمين ولغير المسلمين ، وتسمع من
المسلمين ثم تقدم الفهم الأمثل لهذا الدين والموافق
تماما للمقصود الإلهي .
وظائف القرابة الطاهرة :
1 -
نقطة ارتكاز واستقطاب .
2 - مرجعية للدين لبيانه للناس
عامة وللمسلمين خاصة .
3 - ثقل أصغر ، والقرآن هو
الثقل الأكبر ، والعترة هم الثقل الأصغر ، والهداية لا
تدرك إلا بالثقلين ، والضلالة لا يمكن تجنبها إلا
بالتمسك بهذين الثقلين معا .
فلو تمسكت الأمة بالقرآن
الكريم وحده وتركت العترة الطاهرة فستضل حتما . لماذا
؟ لأن القرآن هو الدواء ، والعترة هي الطبيب ، والطب
عملية اختصاصية . ( 1 )
| |
(
1 ) راجع ج 1 ص 44 من كنز
العمال ، وقد نقله عن
النسائي والترمذي
عن جابر عن رسول الله
وأخرجه الترمذي عن زيد
بن أرقم ،
وأخرجه الإمام أحمد من
حديث زيد بطريقين صحيحين في أول ص 182 وفي آخر ص 189 ج
5 من مسنده ،
وأخرجه أيضا عن ابن أبي شيبة
وأبو يعلى ، وابن
سعد عن أبي سعيد ، وراجع الحديث 945 ج 1 ص 47 ،
من كنز العمال ،
وأخرجه الحاكم في مستدركه
ج 3 ص 148 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد على طريق
الشيخين ، ولم يخرجاه
وأخرجه الذهبي معترفا بصحته على شرط الشيخين ، راجع
تلخيص المستدرك للذهبي
. ( * ) |
|
|
4 - قيادة سياسية للأمة . فعندما تكون القيادة
السياسية بعترة محمد تطيب نفوسهم جميعا بها لأنها الحل
الجذري الذي يقطع دابر الخلاف ، ويجلب الاستقرار ،
ويميت الطمع والتنافس عليها .
وقد تكفل الشرع الحنيف
ببيان لمن منهم تكون هذه القيادة ، وكيف تنتقل . لماذا
أعطيت القرابة الطاهرة هذه الخصوصية ؟ لماذا اختار
الله محمدا للرسالة ولم يختر أبا سفيان ؟ هذا فضل الله
يؤتيه من يشاء . لماذا فضل الله بعض النبيين على بعض ؟
هذا فضل الله .
لماذا اختار محمدا من بني هاشم ولم
يختره من بني عدي أو بني تيم أو بني أمية ؟ هو الذي
بيده الفضل يؤتي فضله من يشاء . ولكن باستقرائنا
العميق لتاريخ الإسلام يمكن أن نجد بعض التعليلات لهذا
الاختيار .
تعليلات
1 - لقد بين الله سبحانه وتعالى أن
قرابة محمد هم خير الناس وأفضلهم ، ومن مصلحة العباد
أن يقودهم الأفضل والأحسن . وقد وثقنا هذه الناحية
قبل قليل .
2 -
الإنذار
الصادر عن بني هاشم والموجه لبطون قريش كلها عندما همت
بقتل محمد ، إذ أنذرهم أبو طالب قائلا : والله لو
قتلتموه ما أبقيت منكم أحدا حتى نتفانى وإياكم . وأثبت
لهم أنه قد هم بقتل زعماء قريش عند ما أشيع بأن محمدا
قد قتل .
3 - إن كل بطون قريش قررت مقاطعة بني هاشم ،
وكتبوا كتابا بأن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا
يخالطوهم . وتم حصر الهاشميين في شعاب أبي طالب ثلاث
سنوات ، وانحاز بنو عبد المطلب بن عبد مناف إلى أبي
طالب في شعبه.
وقطعت عنهم قريش الميرة والمادة ،
فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم ، وسمعت أصوات
صبيانهم من وراء الشعب ، ولقريش مطلب واحد وهو أن يسلم
الهاشميون محمدا لقريش لقتله ، أو يخلي الهاشميون بين
قريش وبين محمد . ولكن الهاشميين أبوا ذلك ، ودافعوا
عن محمد بأرواحهم وأموالهم
وأولادهم واستقرارهم .
4 - لما فشل الحصار ، وخوفا
من القرابة الطاهرة اضطرت قبائل قريش أن تختار من كل
قبيلة رجلا تعبيرا عن اشتراكها بقتل محمد يضيع دمه بين
القبائل ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه ، وتحرك
مندوبو القبائل فعلا ليقتلوا النبي ، ولكن الله نجاه .
5 - والقرابة الطاهرة في الجاهلية هي ناصية قريش ولا
تقطع الأمور دون مشورتهم .
6 - وهم وسيلة النجاة بالنص
الشرعي ، وهم الأمان بالنص الشرعي لهذه الأسباب مجتمعة
ومنفردة بالإضافة إلى الفضل الإلهي أعطيت القرابة
الطاهرة هذه الخصوصية بالإضافة إلى الإعداد الرباني
لعمدائهم من الناحية العملية والتربوية .
تحولت هذه
الخصوصية إلى حجة سياسية طوال التاريخ :
قال أبو بكر
الصديق مخاطبا الأنصار : الناس تبع لنا ، ونحن عشيرة
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 1 ) .
وقال
عمر الفاروق مخاطبا الأنصار : إنه والله لا ترضى العرب
أن تؤمركم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا ينبغي أن
تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم . لنا بذلك
على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين
، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته
إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة ( 2 )
.
قال بشير بن سعد مخاطبا الأنصار ومعقبا على قول
الفاروق والصديق : " إن محمدا رسول الله ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) رجل من قريش ، وقومه أحق بميراثه
وتولي سلطانه ، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا
الأمر أبدا ، فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم "
( 3 ) .
| |
(
1 ) راجع الإمامة والسياسة
لابن قتيبة ص 84 .
( 2 ) راجع الإمامة والسياسة
لابن قتيبة ص 84 . |
(
3 ) راجع تاريخ الطبري ج
3 ص 197 - 198 . ( * ) |
|
|
فسلم الأنصار وقالوا : لا نبايع إلا عليا ، وعلي
غائب مشغول وأهل البيت بمصابهم . وبايعت الأكثرية
الحاضرة في سقيفة بني ساعدة أبا بكر الصديق وخرج
كخليفة ، وخرج عمر كنائب للخليفة ، وخرج أبو عبيدة
كنائب ثان للخليفة ، وخرج الذين بايعوه كجيش للخليفة (
1 ) .
فوجئ الإمام علي بما جرى ، وطلب منه نائب
الخليفة وولي عهده عمر بن الخطاب أن يبايع أبا بكر
كخليفة للمسلمين ، فقال علي مخاطبا أبا بكر وعمر : "
إنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى
بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم
عليهم بالقرابة من النبي ، وتأخذونه منا أهل البيت
غصبا ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم
لما كان محمد منكم ، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم
الأمارة . وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على
الأنصار . نحن أولى برسول الله حيا وميتا ، فأنصفونا
إن كنتم تؤمنون وإلا
فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون
" .
فقال له عمر : إنك لست متروكا حتى تبايع . فقال له
علي : احلب حلبا له شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده
عليك غدا . الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا
سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس
وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به ،
لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر ما كان فينا
القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله ، العالم بسنن
رسول الله ، المضطلع بأمر الرعية ، المدافع عنهم
الأمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية .
والله إنه
لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا
من الحق بعدا . فقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان
هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي
بكر ما اختلف عليك اثنان ( 2 ) .
ولما ماتت فاطمة (
عليها السلام ) أرسل علي إلى أبي بكر أن
أقبل إلينا ، فأقبل أبو بكر
حتى دخل على علي وعنده بنو هاشم . فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال ، أما بعد
| |
(
1 ) راجع كتابنا النظام السياسي
في الإسلام ص 120 وما فوق .
( 2 ) راجع الإمامة والسياسة
ص 11 - 12 . ( * ) |
|
|
يا أبا بكر ، فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا
لفضيلتك ولا نفاسة عليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا
الأمر حقا ، فاستبددت به علينا ، ثم ذكر قرابته من
رسول الله ، فلم يزل يذكر حتى بكى أبو بكر . فقال أبو
بكر : لقرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي ( 1 ) .
أتى
المغيرة بن شعبة فقال : الرأي يا أبا بكر أن تلقوا
العباس فتجعلوا له في هذه الإمرة نصيبا ، وتكون لكما
الحجة على علي وبني هاشم . فانطلق أبو بكر وعمر وأبو
عبيدة والمغيرة إلى العباس . ومما قاله أبو بكر للعباس
: . . . وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر
نصيبا . . . إلى أن قال : على رسلكم يا بني عبد المطلب
، فإن رسول الله منا ومنكم . فأجابه العباس على كل
النقاط التي أثارها إلى أن قال : وأما قولك إن رسول
الله منا ومنكم ، فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها
وأنتم جيرانها ( 2 ) .
وقد آلت الأمور إلى الفاروق ،
لأن أبا بكر أوصى له ، ولأنه من قريش عشيرة النبي ، ثم
آلت إلى عثمان لنفس الأسباب ، فقد أوصى له عمر عمليا ،
ولأنه أيضا من قريش .
وآلت الأمور إلى علي لأنه الولي
، ولأن الناس بايعوه ، كذلك الحسن ( عليه السلام ) ،
وعندما غصب معاوية الأمر بالقوة كان من مبررات حكمه
أنه من قريش ومن أقارب النبي ، فهاشم وعبد شمس إخوة ،
فسنده الظاهري القربى والغصب ، وهكذا سند الحكم الأموي
كله ، وجاء بنو العباس وقد تسلحوا بالقرابة وضربوا على
وتر الآلام التي لحقت بأهل البيت كمقتل الأئمة علي
والحسن والحسين والذرية الطاهرة ، ثم تسلموا بالقوة
فغلبوا وحكموا .
فالحكم من بعد وفاة الرسول ( صلى الله
عليه وآله ) وحتى سقوط آخر خلفاء بني العباس قام في
جانب منه على قاعدة أن الأئمة من قريش ، وقريش هي
قرابة النبي ، وأنت تلاحظ أن القرابة من النبي يحرم
منها أهل البيت ، ويستفيد منها الأبعدون .
| |
(
1 ) راجع الإمامة والسياسة
ص 14 - 16 . |
(
2 ) راجع الإمامة والسياسة
ص 14 - 16 . ( * ) |
|
|
معاملة الحكام للقرابة الطاهرة من الناحية السياسية
: مشى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في جماعة
وأخرجوا عليا غير عابئين ببكاء فاطمة الزهراء وجاء به
إلى أبي بكر فقالوا له : بايع . فقال علي : إن لم أفعل
فمه ؟ قالوا : إذا نضرب عنقك . قال علي : تقتلون عبد
الله وأخا رسوله ؟ فقال عمر للخليفة أبي بكر : ألا
تأمر فيه بأمرك ؟ فقال أبو بكر : لا أكرهه على شئ ما
كانت فاطمة إلى جانبه . فلحق بقبر رسول الله يصيح
ويبكي وينادي : " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا
يقتلونني " ، ونادت فاطمة بأعلى صوتها : يا أبت ، يا
رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من الخطاب وابن أبي قحافة
.
وتخلف قوم عن بيعة أبي بكر ، وكانوا في بيت علي ،
فبعث أبو بكر إليهم عمر فناداهم وهم في دار علي فأبوا
أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده
لتخرجن أو لأحرقن الدار على من فيها ، فقيل : يا أبا
حفص ، إن فيها فاطمة ، فقال : وإن ( 1 ) .
وخرجوا ولم
يحرق الفاروق بيت فاطمة ، وماتت فاطمة ودفنت ليلا ،
لأنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر . وبعد موتها
بايع علي أبا بكر وأوصى أبو بكر لعمر ، وخلال حياتهما
كانا يقدمان أهل البيت عند توزيع العطايا . فقد بدأ
عمر بمحمد وآله ، ثم أبو بكر وآله ، ثم عمر وآله ، كما
يروي البلاذري في فتوح البلدان ، وكانا يستشيران
الإمام علي ويرجعان إليه ( 2 ) .
وعصر أبي بكر وعمر في
جانب من جوانبه عصر ذهبي لأهل البيت . وجاء الأمويون
فحاربوا عليا ، وسموا الحسن ، وقتلوا الحسين ، وأبادوا
إبادة
| |
(
1 ) راجع الإمامة والسياسة
لابن قتيبة ص 12 ، والعقد
الفريد لابن عبد ربه المالكي ج 4 ص 259 و 260 ،
وشرح النهج لعلامة
المعتزلة ابن أبي الحديد ج 1 ص 134 و ج 2 ص 19 ، وراجع
تاريخ الطبري ج 3 ص 202
،
وراجع أنساب الأشراف
للبلاذري ج 1 ص 586 ، وملحق
المراجعات تحقيق حسين راضي ص 261 .
( 2 ) راجع الإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 39 . وذخائر العقبى ص
81 و 82 ، وتذكرة الخواص للجوزي الحنفي ص 144 - 148 ،
وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 192 ، والمناقب
للخوارزمي ص 38 . . الخ
. ( * ) |
|
|
كاملة من حضر معه من أهل البيت ، ومنعوهم من أن
يشربوا من ماء الفرات .
وتاريخ الأشراف للبلاذري يروي
هذه المحنة ، وصبوا كل غضبهم على من يحب أهل بيت محمد
، وبعد أن استولى معاوية على الحكم كتب إلى جميع عماله
في جميع الآفاق بأن يلعنوا عليا في صلواتهم وعلى
منابرهم كما يقول العقاد في ميزانه ص 16 : ولم يقف
الأمر عند ذلك ، بل كانت مجالس الوعاظ في الشام تختم
بشتم علي ، كما يروي ابن عساكر ( ج 3 ص 407 ) ،
وبالتالي ، فلم يجيزوا لأحد من شيعته وأهل بيته شهادة
، ومحوا من الديوان كل من يظهر حبه لعلي وأولاده ، وأن
يسقطوا عطاءه ورزقه ( 1 ) .
وجاء بعدهم العباسيون .
يقول أبو بكر الخوارزمي : " والجملة أن هارون مات وقد
حصد شجرة النبوة واقتلع غرس الإمامة " ( 2 ) . ثم ها
هو المنصور في ثورة غضبه يقول وقد عزم على قتل الإمام
جعفر الصادق : قتلت من ذرية فاطمة ألفا أو يزيدون ،
وتركت سيدهم ومولاهم جعفر بن محمد ( 3 ) .
ثم قال
مشافهة للإمام الصادق : لأقتلنك ولأقتلن أهلك حتى لا
أبقي على الأرض منك قامة سيف ، ولأضربن المدينة حتى لا
أترك فيها جدارا قائما ( 4 ) .
ويقول الطبري في تاريخه
: إن المنصور هذا ترك خزانة رؤوس ميراثا لولده المهدي
كلها من العلويين ، وقد علق بكل رأس ورقة كتب فيها ما
يستدل به على صاحبه ، ومن بينها رؤوس شيوخ وشبان
وأطفال ( 5 ) .
والمنصور هو الذي كان يضع
| |
(
1 ) راجع معاوية بن أبي سفيان
في الميزان لعباس العقاد ص 16 ، وراجع
شيخ المضيرة للشيخ محمود أبو رية ص 180 .
( 2 ) راجع معاوية بن أبي سفيان
في الميزان لعباس العقاد ص 16 ، وراجع
شيخ المضيرة للشيخ محمود
أبو رية ص 180 .
( 3 ) رسائل أبي بكر الخوارزمي
ص 178 .
( 4 ) الحياة السياسية
للإمام الرضا ص 87 .
( 5 ) راجع مناقب ابن شهر آشوب
ج 3 ص 357 ، والبحار ج
47 ص 178 . ( * ) |
|
|
العلويين في الإسطوانات ويسمرهم في الحيطان ، كما
ذكر اليعقوبي في تاريخه ، ويتركهم يموتون في المطبق
جوعا ، وتقتلهم الروائح الكريهة ، حتى لم يكن لهم مكان
يخرجون إليه لإزالة الضرورة . وكان يموت أحدهم ويترك
حتى يبلى من غير دفن ثم يهدم المطبق على من تبقى منهم
أحياء وهم في أغلالهم ( 1 ) .
وأما الرشيد فقد أقسم
على استئصالهم وكل من تشيع لهم ، واشتهر عنه قوله : حتام أصبر على آل بني أبي طالب والله لأقتلنهم ولأقتلن
شيعتهم ولأملقن ولأملغن ( 2 ) ، وكان شديد الوطأة على
العلويين يتبع خطواتهم ويقتلهم ( 3 ) .
كتب المنصور
يوما إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) : لم لا
تغشاني كما تغشاني الناس ؟ فأجابه الصادق : ليس لنا ما
نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ،
ولا أنت في نعمة فنمنيك ، ولا تراها نقمة فنعزيك ، فما
نصنع عندك ؟ " فكتب المنصور إليه ، تصحبنا لتنصحنا .
فأجابه الإمام من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد
الآخرة لا يصحبك ( 4 ) .
نوعا القرابة
1 - القرابة
القريبة لمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهم فاطمة
وعلي وحسن وحسين ونسلهم لاحقتهم خصوصية القرابة وجرت
عليه كل الويلات والمآسي ، وتلك مكافأة على موقف أبي
طالب نحو الإسلام ونبي الإسلام وعلى موقف علي في حروب
الإسلام مع أعدائه ، فعليهم الغرم كله والغنم لسواهم .
| |
(
1 ) راجع تاريخ الطبري ج
10 ص 446 وراجع النزاع والتخاصم
للمقريزي ص 52 .
( 2 ) الحياة السياسية
للإمام الرضى ص 88 .
( 3 ) الأغاني للأصفهاني
ج 5 ص 225 .
( 4 ) العقد الفريد ج 2 ص 80 وراجع
كشف
الغمة في أموال الصادق لابن حمدون ج 2 ص 208 وراجع
المحاضرة التي ألقاها الشيخ محمد باقر بمناسبة مولد
الإمام الصادق في المؤتمر الدولي المنعقد في دمشق
بتاريخ 26 / 9 / 91 - 28 / 9 / 91 وقد نشرت البحوث في
كتاب يقع على 494 صفحة
. ( * ) |
|
|
2 - القرابة البعيدة من رسول الله ، فقد حكموا لأنهم
من عائلة النبي ( قريش ) فأخذوا الغنم كله وخصوا
القرابة القريبة بالغرم كله .
عزل العترة الطاهرة
النتيجة المنطقية أن عزل الإمام بعد وفاة فاطمة ،
وتجلت رغبة عزل الإمام عن بني هاشم بمحاولة اجتذاب
العباس إلى السلطة وإغرائه ببعض الأمر له ولعقبه . لكن
العباس رفض ذلك رفضا قاطعا ، ورد ردا حاسما على السلطة
الراشدة .
ومع الأيام عزلت القرابة القريبة الطاهرة عن
بني هاشم وعن آل البيت وعن الناس لأنه وبالمعيار
الموضوعي فإذا قدر للشخص العادي أن يختار بين السلطة
وبين خصومها فإنه سيختار جانب السلطة لأنها هي الجانب
القوي المالك لزمام الأمور . فكانت أغلبية الأمة مع
الحكام ، وأقليتها مع أهل البيت ، أو كما عبر الشاعر :
القلوب مع أهل البيت والسيوف عليهم ومع أعدائهم .
فعمر بن سعد بن أبي وقاص الذي قاد جيش الخليفة ضد
الحسين وأهل البيت في كربلاء صلى الصبح وقال : اللهم
صل على محمد وآل محمد وبعد أن أنهى الصلاة قام بقتل
الموجودين من أهل بيت محمد ، ولم يكتف بقتلهم بل قطع
رؤوسهم كلهم ، كما يجمع على ذلك ثقات المؤرخين ،
وسلبوا أهل البيت حتى لباسهم وهم أموات . وتحركت
الخيول فوطئت جثة الحسين وجثث من معه من أهل البيت
تقربا إلى ابن زياد وإلى يزيد بن معاوية . ولله في
خلقه شؤون .
وتلك ثمرة من ثمرات المقولة " لا ينبغي أن
يجمع الهاشميون النبوة مع الملك " .
تأويل الخصوصية ما
ثبته الله لن يهزه البشر ، وما وضعه الخالق لن يغيره
المخلوق ، أدرك الحكام أن خصوصية أهل البيت لن تتغير
مهما فعلوا بهم .
فالصلاة عليهم مفروضة وطهارتهم واردة
في القرآن الكريم ، وولايتهم على الأمة ثابتة ،
والنصوص بفضلهم آخذة بالأعناق . وحتى لو تم إبادة أهل
البيت إبادة تامة فإن هذه الخصوصية ستبقى شبحا يلاحق
الحكام ليلا نهارا
. ومن هنا لا بديل عن تأويل
هذه الخصوصية
.
|