- نظرية عدالة الصحابة - أحمد حسين يعقوب  ص 157 :

الفصل الثاني العقيدة
الرابطة بين العقيدة وبين المرجعية رابطة عضوية .


فحيثما وجدت العقيدة يستتبع بالضرورة وجود مرجعية لأن التلازم والتكامل حاصل وبالضرورة بين العقيدة والمرجعية ، ولتوضيح المرجعية توضيحا كافيا لا بد من بحث موضوع العقيدة إذ يتعذر فهم إحداهما دون فهم الآخر .

ما معنى العقيدة ؟ تعني العقيدة عموما مجموعة الأفكار والقواعد والمبادئ والقيم المترابطة والمتكاملة والتي تقدم تصورا للوجود لما هو كائن ، ولما ينبغي أن يكون أو تصورا للحال وللمآل بغض النظر عن صحة هذا التصور أو فساده ، عن شموليته أو محدوديته ، عن كماله أو قصوره .

فتجتذب هذه العقيدة جماعة معينة تقتنع بهذا التصور ، فتحدد هذه الجماعة قناعاتها وأهدافها وطرق بلوغ تلك الأهداف وفق مقاييس تلك العقيدة ، فتكون هذه العقيدة هي القائدة وهي الموجهة ومنبع الشرعية والمشروعية في حياة تلك الجماعة وهي منبع خيرها العام .

ومن الطبيعي أن كل عقيدة بهذا المفهوم تدعي القدرة على سياسة حياة معتنقيها ، والقدرة على تقديم الحلول الناجعة لمشكلاتهم ، واستشراق المستقبل الأفضل لهم ، وتزعم أنها تمتلك الوسيلة لتحقيق الخير العام لهذه الجماعة .

وما تزال تلك العقيدة تعتمل في نفوس معتنقيها وتحرك إرادتهم حتى يقدموها كمذهب سياسي له الجاهزية على إثبات دعوى القدرة تلك أو عدم إثباتها من خلال سلطة تسوس الجماعة وفق تصورات تلك العقيدة ، لأن المذهب السياسي هو بمثابة

- ص 158 -

البرنامج السياسي المتكامل الذي تقدمه تلك العقيدة ، وهو بمثابة الاعلان عن جاهزية فكر وفلسفة ومبادئ هذه العقيدة لتوضع كلها موضع المحك والتطبيق وهو يتناول الأهداف والوسائل اللازمة لتحقيق تلك الأهداف ، وكل ذلك يرتبط عمليا بوجود سلطة دولة أو حكم لينقل هذا البرنامج من عالم النظر القانوني إلى عالم الواقع القانوني . وبهذا المفهوم فإن الرأسمالية التحررية عقيدة وإن الماركسية الشيوعية عقيدة .


نوعا العقائد

عرفت البشرية نوعين من العقائد :
 1 - عقائد إلهية من صنع الله
 2 - عقائد وضعية من صنع فرد أو مجموعة من الأفراد أو إن شئت فقل من تجميع فرد أو مجموعة من الأفراد .

صناعة العقائد ولوازم إيجادها ومن يتعمق بالموضوع يكتشف أن بإمكان الإنسان أن يفهم عقيدة - أي عقيدة صالحة كانت أم طالحة - ولكن الإنسان عاجز عن صنع وإيجاد عقيدة صحيحة ، وهو بطبعه غير مؤهل لإيجادها ، بل ويمكنك القول بكل ارتياح أن الجنس البشري لو اجتمع كله على صعيد واحد لما استطاع أن يصنع عقيدة صحيحة ويقينية ، مع أن اجتماع الجنس البشري كله على صعيد واحد غير وارد وغير ممكن ، وبالتالي فإيجاد العقيدة الصحيحة أمر فوق مستوى البشر ، وفوق طاقتهم لأن هذا يتطلب معرفة يقينية بماضي الجنس البشري وبتفاصيل تجاربه ، وهذا ركن أساسي يبنى فوقه ، ويتطلب إيجاد العقيدة الصحيحة معرفة يقينية بالفطرة الإنسانية وحاجات الإنسان ودوافعه وميوله ، بالإضافة إلى معرفة يقينية بالمستقبل لأنه هو الذي سيشهد زمنيا نجاح أو فشل هذه العقيدة أو تلك ، ويتطلب أخيرا معرفة بالكون المحيط بالإنسان معرفة يقينية وهذه المعارف لا يدعيها فرد ولا تدعيها جماعة ولا يدعيها الجنس البشري كله . فالعقيدة التي يضعها بشر ستنهار عاجلا أم آجلا لسبب بسيط هو أن الإنسان غير مؤهل بطبعه لإيجاد عقيدة . والعقيدة اليقينية التي تصلح أن تكون أساسا دائما للسلطة

- ص 159 -

هي العقيدة التي وضعها الله الخالق وهي عقيدة الإسلام التي كانت بالفعل هي أساس السلطة لدولة الرسول محمد ( صلى الله عليه وآله ) .


ملامح عقيدة الإسلام

 1 - على الصعيد العملي : الإسلام هو الانقياد التام لله جل وعلا في كل شأن من شؤون الحياتين الدنيا والآخرة ، بحيث يكون عمل الإنسان وعمل الجماعة المسلمة وعمل الدولة المسلمة - وعلى كافة الأصعدة - خاضعا لموازين الأوامر والنواهي الإلهية المحددة بالرسالة الإلهية ( العقيدة ) النافذة المفعول وهي رسالة الإسلام ، ومتجها لتحقيق غاياتها الشرعية ، ونعني بالعمل : الحركة المضبوطة بالفكرة الشريعة والنية الشرعية .
 

 2 - على الصعيد النظري : تعني العقيدة الإسلامية مجموعة القواعد والأحكام والمبادئ والأوامر والنواهي والمعلومات العامة والتفصيلية التي أنزلها الله تبارك وتعالى على نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقام هذا النبي ببيانها للناس نظريا عبر دعوة وعبر دولة . ثم وضعها موضع التطبيق من خلال دعوة قادها بنفسه ومن خلال دولة ترأسها بنفسه .

فالعقيدة تشمل ما أنزله الله وأوحاه إلى نبيه ، وتشمل قول النبي وفعله وتقريره . وهذه العقيدة بمجموعها تبين كيف وجدت الحياة ؟ ولماذا ؟ وكيف تنتهي ؟ ومتى ؟ ، وما هي مآلاتها ؟ وتنظم العلاقات بين الأحياء على الاطلاق ، علاقات الكائنات الحية مع الخالق ومع بعضها ومع الكون الضروري لوجودها والمسخر لخدمتها ، وتبين كيفية انتهاء دورة الحياة كلها ، وكيف تنتهي الدورة الحياتية لكل كائن حي مخلوق ، وتكشف عن وجود حياة أخرى هي بمثابة قاعة محاكمة لكل الذين مروا بدورة الحياة الدنيا على ما قدموه ، وهي بمثابة نتيجة فيأخذ المصيب أجره كاملا ويلقى المخطئ عقابه .

وهذه العقيدة سجل حافل لتاريخ الخلق عامة والجنس البشري خاصة حفظت تجاربهم بصدق وموضوعية تصل إلى درجة التصوير الفني المشاهد صوتا وشكلا وحركة ، ظاهرا وباطنا .

- ص 160 -

وهي نظام للفرد كفرد ، وللمجتمع كمجتمع ، وللسلطة كسلطة ، وللجنس البشري كله ، تنظم حياة كل واحد منهم على انفراد ، وتنظم علاقاتهم مع بعضهم وعلاقاتهم مع خالقهم ، وعلاقاتهم مع العالم المحيط بهم ، وترفدهم جميعا بدعوة ، وتعزز الدعوة بدولة ، وتعزز الدولة بأهداف ومثل عليا .

وهذه العقيدة غائية ، بمعنى أنها تحدد الأهداف . فلكل قاعدة من قواعدها هدف وجدت من أجله ورصدت عليه ، وللفرد هدف وللمجتمع هدف ، وللسلطة هدف ، وللجنس البشري هدف .

وهذه الأهداف كلها تصب في مكان واحد هو نفس الهدف العام للإسلام . وهذه الأهداف محددة و ( معيرة ) بشكل تعكس طوعيا كامل الطاقة الكامنة في ذات الفرد وذات الجماعة وذات السلطة وذات الجنس البشري وذات الكائنات المحيطة بهم والمسخرة لخدمتهم ، كامل الطاقة لا زيادة ولا نقصان ، لأن الشئ لا يملك إلا طاقته ولم تكتف العقيدة الإسلامية بتحديد الأهداف ، إنما حددت الوسائل والسبل والطرق اللازمة لتحقيق هذه الأهداف وبينتها على وجه يزيل كل غموض .

التصور اليقيني بمعنى أن الإسلام كعقيدة يقدم تصورا يقينيا شاملا وكاملا ويقينا يقوم على الجزم واليقين . وهذا التصور اليقيني يغطي بالكامل ساحة الأهداف والوسائل العامة والخاصة وفي كافة نواحي الحياة وعلى كافة الأصعدة الفردية والجماعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية . . . الخ .

وهذا التصور اليقيني هو بمثابة مخططات عامة وتفصيلية دقيقة لواقع ما هو كائن ومستقبل هذا الكائن في دائرة الواقع ، وما ينبغي أن يكون عليه هذا الكائن في دائرة المنى الذي سيتحول إلى واقع بحيث تقودك هذه المخططات درجة درجة وخطوة خطوة حتى تصل بك إلى الغاية الشرعية من أقصر الطرق وبأقل التكاليف ، وفي كل أمر من الأمور .

عندئذ تكون العقيدة هي القائدة والموجهة ، وهي منبع الشرعية ، وتستقر كبنية فكرية كاملة ، وتدعم هذا الاستقرار القناعة الذاتية والرضى بهذه العقيدة القائمة على الجزم واليقين ، بعكس العقائد الوضعية التي تقوم على الافتراض والتخمين والتي ستنهار في النهاية عاجلا أم آجلا .

- ص 161 -

المنظومة الحقوقية الإلهية بمعنى أن العقيدة الإسلامية هي مجموعة القواعد والأحكام والمبادئ والأوامر والنواهي والمعلومات العامة والتفصيلية التي أنزلها الله تبارك وتعالى على عبده محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وقام هذا النبي ببيانها للناس عبر دعوة قادها بنفسه ، وعبر دولة ترأسها بنفسه .

فالمنزل من عند الله والمبين من رسول الله بالقول والفعل والتقرير يشكل منظومة حقوقية إلهية هي بمثابة القانون النافذ ، الصالح لكل زمان .

ومنظر هذه المجموعة ومبينها بعد وفاة النبي هو المرجع الشرعي .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب