|
-
نظرية عدالة
الصحابة - أحمد حسين يعقوب ص 163
: |
|
الفصل الثالث من هو المختص بتعيين المرجعية
قلنا :
إن كل عقيدة إلهية على الاطلاق لا بد لها بالضرورة من
مرجعية شرعية تتلازم معها وتتكامل . ومن المستحيل أن
تكون هنالك عقيدة إلهية بدون مرجعية تتولى بيان هذه
العقيدة الإلهية .
وهذا المرجع يجب أن يكون بالضرورة
هو الأعلم في هذه العقيدة ، والأكثر فهما لها ،
والأكثر إخلاصا لها ، وخير الموجودين وأفضلهم وأنسبهم
لا على سبيل الافتراض والتخمين ، إنما على سبيل الجزم
واليقين . وتلك أمور خفية لا يعلمها العلم اليقيني إلا
الله العالم بالسر وأخفى .
ومن هنا اختص تعالى بتعيين
هذه المرجعية واختيارها ، تلك حقيقة لا يجادل فيها إلا
جاهل . وهذه الصفات مجتمعة أعلنت العناية الإلهية أنها
متوفرة في كل الأنبياء الذين اختارهم الله وحده عبر
التاريخ البشري لتبليغ رسالات ربهم .
ولم يحفل
باعتراضات المعترضين * (
لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا
الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ
عَظِيمٍ ) * *
( هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ
وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ) * لأن هذه
الاعتراضات على الحكم الإلهي تنبع من الافتراض
والتخمين ، بينما الحكم الإلهي باختيار هؤلاء الأنبياء
وتعيينهم مراجع قائم على الجزم واليقين بأنهم الأعلم والأفهم والأكثر إخلاصا ، والأخير والأفضل والأنسب
لبيان العقيدة الإلهية وقيادة سفينة الإسلام والولاية
على الأتباع .
والخلاصة أن الله جلت قدرته هو الذي
اختص بتعيين المراجع التي تولت بيان العقائد الإلهية
طوال التاريخ لأنه هو وحده الذي يعلم من هو المؤهل
لبيان هذه العقائد . ولم يصدف في التاريخ البشري كله
أن ترك أمر تعيينهم واختيارهم إلى أهواء الناس أو
آرائهم
.
ما هي المهام والوظائف المناطة بالمرجع الذي عينه
الله ؟
لا خلاف بأن الأنبياء الكرام مراجع عينهم الله
كلهم بلا استثناء ، واختارهم بنفسه وأعلن هذا الاختيار
.
والسؤال : ما هي المهام والوظائف المناطة بهؤلاء
المراجع الكرام ؟
1 - البيان : من المهام المشتركة بين
كل الأنبياء والموكولة لكل الأنبياء كمراجع بيان قواعد
العقيدة الإلهية ، من صميم مهمة كل مرجع توضيح كامل
العقيدة الإلهية ، توضيحا كاملا على الصعيدين النظري
والعملي من خلال دعوة بالضرورة تتمخض عن دولة ، كما
حدث لمحمد ولدعوة الإسلام .
وقد لا تتمخض هذه الدعوة
عن دولة كما حدث للكثير من الأنبياء ، فالمرجع يبين
القاعدة الإلهية نظريا كما تلقاها من الله بالضبط لا
زيادة ولا نقصان ، ثم يقوم بترجمة هذه القاعدة من عالم
النظر إلى الحركة والتطبيق . فيكون البيان كاملا من
الوجهتين النظرية والتطبيقية . فهو الذي يكيف
النص على الواقعة بنفس
التكييف الإلهي ، وهو الذي يتأكد أن النص الإلهي قد
حقق الغاية من وجوده على هذه الواقعة وعلى كل واقعة .
2 - تحديد دائرة الشرعية والمشروعية : يختص النبي
المرجع ببيان حدود دائرة الشرعية والمشروعية ، وقد
حددها كل نبي مرجع ب : -
1 - عقيدة إلهية تشكل مركز
دائرة الشرعية والمشروعية ، وهي ما أنزله الله على
المرجع سواء باللفظ والمعنى معا كالتوراة والإنجيل
والقرآن ، أو بالمعنى كالحديث القدسي .
2 - بيان النبي
المرجع لهذه العقيدة الإلهية بشقيه النظري والعملي .
3
- وحدة العقيدة مع بيان المرجع ، إذ يتعذر الفصل
بينهما . فالعقيدة الإلهية والبيان وجهان لعملة واحدة
، إذ يتعذر فهم العقيدة بدون بيان ، ويتعذر استيعاب
البيان دون الرجوع لأساسه . فما أنزل الله هو الأساس
وبناء الهدى والبيان هو أبواب هذا البناء .
3 -
الولاية على الأتباع : ومن مهام النبي المرجع أن يكون
الولي والإمام على أتباع
العقيدة يصرف أمورهم ويسوسهم وفق أحكام وقواعد
العقيدة الإلهية . وهذا ما تأكد بالنسبة العملية .
فمحمد ( ص ) هو المرجع الديني لاتباعه وهو الولي
والإمام الزمني لهؤلاء الأتباع . فولاية المرجع دينية
وزمنية معا بالشرع والعقل معا . فهو نفسه الذي قاد
الدعوة ، وهو نفسه الذي ترأس الدولة ، وهو نفسه الذي
أنزل عليه الذكر ، وهو نفسه الذي بين هذا الذكر وطبقه
.
4 - منع حدوث الضلالة : في عهد النبي المرجع يتحقق
الهدى وتختفي الضلالة بتوفر ركنين :
1 - ركن عقائدي
حقوقي وهو اتباع قواعد العقيدة الإلهية ( المنظومة
الحقوقية الإلهية ) وبيان النبي المرجع لهذه المنظومة
.
2 - ركن شخصي وهو الولاية والإمامة للنبي المرجع
بحيث يسوس هذا النبي المرجع أتباعه ويطبق عليهم
العقيدة الإلهية بنفس الفهم والكيفية التي يتلقاها من
الله ، والمحافظة على وحدة هذين الركنين ضمانة لسيادة
الهدى والشرعية وأي خلل تطبيقي فيهما أو بأحدهما يؤدي
حتما إلى الضلالة ، لأن الركن الشخصي تماما كالركن
العقائدي ، وهما معا صفقة واحدة . فغير ممكن لشخص أن
يؤمن بالعقيدة الإلهية ويرفض ولاية محمد ، لأن الولاية
جزء لا يتجزأ من العقيدة ، وأي محاولة للتجزئة تدخل
صاحبها بالضلالة بحجم تلك المحاولة .
5 - سفينة نجاة :
النبي المرجع سفينة نجاة ، من يركب معه فقد نجا ومن
يتخلف عنه أو يركب بأي سفينة أخرى يغرق لا محالة .
6 -
النبي المرجع باب للمغفرة : من دخله غفر الله له ، ومن
أبى دخول هذا الباب بقي حاملا لأوزاره .
7 - النبي
المرجع يقود أتباعه للهدى : فمن يتبع النبي ويطعه
فكأنما أطاع الله ، لأن طاعة النبي طاعة لله ، وطاعة
الله هي الهدى ، ومن يعص الله ويتبع سواه فقد عصى الله
، ومن عصى الله فقد ضل ضلالا بعيدا .
8 - النبي المرجع
أمان للأمة المؤمنة ومانع للخلاف : فعندما تتبع الأمة
المؤمنة النبي
المرجع فإنها تسلك طريق الأمان ، لأنها تسير على
طريق واحد فهمه النبي ووعاه قبل أن يسلكه . فالطريق
التي يسلكها مأمونة تماما ولا يتعثر بها أحد . وبغياب
هذه المرجعية يقع الخلاف ويختفي الأمان ويضيع الناس
فيتبعون ( كل ناعق ) ، ويميلون مع الريح . فوجود مرجع
واحد للأمة يفهم فهما مثاليا القواعد الإلهية عصمة
للأمة من الاختلاف وتذكرة أمان للجميع .
9 - المرجع
ثقل لاتباعه يتمسكون به فلا يسقطون ولا يضيعون .
10 -
المرجع هو القدوة في العلم والتقوى والالتزام والحكم ،
وهو النموذج المتحرك للرباني المتمسك بالعقيدة الإلهية
11 - تكثيف الجهود وتنسيق الطاقات المؤمنة لتعميم
الهداية على الجنس البشري كله .
المرجعية خلال حياة
النبي : طاعة الله تتمثل باتباع أوامره واجتناب نواهيه
. والذي يعرف كنه الأوامر والنواهي هو رسول الله ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) ، فطاعة الرسول عمليا
هي
طاعة الله ، ومعصية الرسول عمليا هي معصية الله . وقد
تأكدت هذه الحقيقة في القرآن الكريم تسع مرات ، لأن
الرسول هو القيم على هذا الدين ، وهو العالم بأسراره
المطلع على خفاياه ، والقادر على تخصيص العام من
أحكامه وبيان المعنى المطلوب إن تعددت المعاني في النص
الواحد ، وبالتالي فإن المرجعية أثناء حياة الرسول
محصورة به وبه وحده ، لأن الله عصمه واصطفاه لهذه
الغاية ، ولا يمكن لأحد من أتباعه أن يفهم أوامر الله
ونواهيه كما فهمهما الرسول بالتمام ، لأن الرسول مميز
ويجب أن يكون الأعلم والأفهم والأفضل ليرجع إليه
أتباعه . فخلال حياته هو المرجع المختص ببيان الإسلام
وبقيادة المسلمين بالإجماع ولا أحد يخالف هذه الحقيقة
لأنها إيمانية وعقلية معا .
المرجعية بعد وفاة النبي
قراءة أولية للواقع حقيقة أنه قبل أن ينتقل الرسول إلى
جوار ربه . اكتمل الدين وتمت النعمة،
وترسخت العقيدة ، وطبعت الأحكام ، وقام نظام الدولة
وترأسها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مدة عشر
سنوات.
لكن طبيعة الإسلام كآخر دين ، وطبيعة قواعده
المتعمقة بالعموم والشمول ، وطبيعة المهمة الملقاة على
عاتق المسلمين والمتمثلة بتقليص رقعة الكفر ، وهداية
الجنس البشري تقتضي بالضرورة وجود مرجعية بعد وفاة
الرسول ( ص ) ، وهذا أمر من البداهة بحيث أنه لا يحتاج
إلى دليل لولا التقليد الأعمى ، والتسليم بالواقع ،
وفطرة أغلبية الناس بإطاعة الغالب .
سيقول البعض -
وخاصة الأحزاب الدينية العربية - إن علماء المسلمين هم
المرجع بالمعنى الذي تقصده . والخليفة هو مرجع المراجع
أيضا .
ونحن نجيبهم بأن قولكم الأول غير عملي ، فماذا
يكون الموقف لو أن علماء المسلمين - على فرض إمكانية
جمعهم في مكان واحد - قد افترقوا على فرقتين أو ثلاثة
أو أكثر ، وكل مجموعة لها وجهة نظر مستندة
إلى ظاهر من الشرعية ،
وكلهم عمالقة بفقههم ، وأصر كل فريق على رأيه ، فأي
فريق نتبع ؟ وأي رأي ننفذ ؟
ستقول الأحزاب الدينية
العربية : إن الحاكم يتبنى الرأي الذي يراه مناسبا من
هذه الآراء خلال فترة حكمه ! ! إذن هم يعترفون أن
الحاكم هو المرجع أو هو الذي يقوم بدور المرجع بوصفه
خليفة النبي ، ولكنكم تعلمون أنه قد توالى على رئاسة
الدولة أعداد لا حصر لها من الخلفاء منهم التقي كعلي
وأبي بكر ، ومنهم أيضا مروان بن الحكم ومعاوية بن أبي
سفيان ويزيد ابنه ، ومنهم ترأس الدولة بالطريقة
الشرعية ، ومنهم ترأس الدولة ودانت له الناس لأنه
الغالب وبحكم الحال والاضطرار . فمروان ليس عالما وغير
مؤهل لاختيار الحكم الأمثل .
الحاجة لمرجعية بعد وفاة
النبي : رأينا أن كل نبي على الاطلاق مرجع بالضرورة ،
كلفه الله تعالى بمهام ووظائف وسيد الأنبياء وخاتمهم
محمد ( صلى الله عليه وآله ) قاد الدعوة إلى الله
فنجحت دعوته ، وأسفرت عن دولة طبقت قواعد العقيدة
الإلهية بيانا كاملا نظريا وعمليا ، وأعلن الله أنه قد
أكمل للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته . وخير النبي
فاختار ما عند الله . ولم يفاجئه الموت ، إنما مرض
ثم انتقل إلى جوار ربه تاركا دعوة قائمة ودولة ماثلة ،
ودينا يباهي به الدنيا ، إنه تبيان لكل شئ * (
تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) * على الاطلاق .
من هو المرجع من بعده ؟
ومن
الذي سيقوم بالوظائف التي كان يقوم بها ؟
من الذي يبين
للناس أحكام العقيدة الإلهية ؟
ومن الذي يحدد دائرة
الشرعية والمشروعية ؟
من هو ولي الأمة وركن مجدها
القائم مقامه ؟
من هو سفينة النجاة ؟
من هو باب
المغفرة ؟
من هو الأمان المخلص لهذه الأمة ؟
من هو
ثقلها ؟
من هو مثلها الأعلى بعده ؟
من الذي يقود موكب
المؤمنين لتحرير سكان العالم وانتشالهم من الظلمات إلى
النور ؟
تساؤلات تحتاج إلى أجوبة فإذا قال المسلمون
إنه لم يعين المرجع من بعده ، ولم يحدد من الذي سيقوم
بوظائفه ، ولا حدد من سيبين للناس أحكام العقيدة ، ولا
من الذي يحدد لهم دائرة الشرعية والمشروعية ولا
بين من هو ولي الأمة من
بعده ، ولا من هو ركن مجدها القائم مقامه ، ولا من هو
ثقلها ؟ ولا من هو مثلها الأعلى ؟ ولا من هو الذي
سيقود معركة تحرير البشرية وإنقاذها .
فإذا قال
المسلمون ذلك ، فإن قولهم هذا يناقض كمال الدين وتمام
النعمة ، لأن هذه الأمور من صلب الدين ومن صميم النعمة
؟ ومن المحال أن تغفلها العقيدة الإلهية ، ثم إنهم لو
أصروا على ذلك لوجدوا أن العقيدة الإلهية تتحدى
إصرارهم هذا وتعيبه ولا تقره ، وأن هذا الاصرار يتعارض
مع المنطق والعقل وأساسيات الحياة فضلا عن تناقضه
الصارخ مع قواعد العقيدة الإلهية
.
|