|
-
نظرية عدالة
الصحابة - أحمد حسين يعقوب ص 9
: |
|
الباب الأول مفهوم الصحبة والصحابة
الفصل
الأول مفهوم الصحبة والصحابة
1 - معنى الصحابة لغة
أ -
في قواميس اللغة الأصحاب ، الصحابة ، صحب ، يصحب صحبة
" بالضم " وصحابة " بالفتح " ، صاحب أي عاشر ، رافق ،
جالس ، انقاد ، شايع . والصاحب هو المعاشر أو المنقاد
، أو المجالس أو المشايع ، أو المرافق ، أو القائم على الشئ ، أو الحافظ له . ويطلق أيضا على كل من تقلد
مذهبا ، فيقال : أصحاب الإمام جعفر ( عليه السلام ) ،
وأصحاب أبي حنيفة . وأصحاب الشافعي . . . . الخ . يقال
: اصطحب القوم أي صحب بعضهم بعضا ، واصطحب البعير أي
انقاد له ( 1 ) .
ب - في القرآن الكريم الله تبارك
وتعالى أنزل الكتاب قرآنا عربيا ، وهو بوجه من وجوهه
المرجع اليقيني الأوحد للغة العربية ، لأنه كلام الله
العالم علما يقينا بأدق خفايا هذه اللغة
| |
(
1 ) ويمكن لمن أراد التفصيل أن يراجع
على سبيل المثال : لسان
العرب لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور ج 1 ص 915 .
وتاج اللغة لإسماعيل بن حماد الجوهري ص 161 - 162 .
وتاج العروس لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي ج 3 ص 186 .
والمعجم الوسيط لإبراهيم مصطفى ورفقاه ج 1 ص 509 - 510
. والقاموس المحيط للفيروز آبادي مجدي بن محمد يعقوب .
ومختارات الصحاح لأبي بكر الرازي ص
356 . ( * ) |
|
|
وأعمق أسرارها . وبتلاوتنا للقرآن الكريم ، نجد أنه
قد اشتمل على كلمات : " تصاحبني ، وصاحبهما وصاحبه ،
وصاحبته ، وأصحاب ، وأصحابهم " . وأن هذه الكلمات
تكررت بمجموعها في القرآن الكريم ( 97 ) مرة . ومن
المثير للانتباه ، أننا لم نعثر في القرآن الكريم كله
على لفظ لكلمتي ( صحابة / بالفتح / أو صحبة / بالضم )
.
ج -
استقراء الآيات لصالح المعنى اللغوي وباستقرائنا
لتلك الكلمات نجد أنها تشكل تغطية كاملة للمعاني
اللغوية التي أشرت إليها في الفقرة السابقة ( أ ) .
فالصحبة يمكن أن تأخذ وجها أو صورة واحدة ويمكن أن
تأخذ وجوها أو صورا متعددة ، ويمكن أن يكون لها وجه
أمثل يشمل كل نواحي الخير ، وقد يكون لها وجه أبشع
يشمل كل نواحي الشر .
د - وجوه أو صور الصحبة فقد تكون
بين مؤمن ومؤمن ( 1 ) ، وقد تكون بين ولد ووالدين
مختلفين بالاعتقاد ( 2 ) وقد تكون بين رفيقي سفر ( 3 )
وقد
تكون بين تابع ومتبوع ( 4 )
وقد تكون بين مؤمن وكافر ( 5 ) وقد تكون شمولية على
الشر بين كافر وكافرين ( 6 ) وقد تكون بين نبي وقومه
الكافرين النبي يحاول أن يشدهم نحو الخير وهم يحاولون
إعادته إلى
| |
(
1 ) راجع الآية 26 من سورة
الكهف ، و ج 3 ص 92 - 93 من
تفسير ابن كثير على سبيل
المثال .
( 2 ) راجع الآية 15 من سورة
لقمان و ج 3 ص 444 من
تفسير ابن كثير .
( 3 ) راجع الآية 36 من سورة
النساء و ج 1 ص 494 من
تفسير ابن كثير .
( 4 ) راجع الآية 40 من سورة
التوبة ج 2 ص 358 من
تفسير ابن كثير .
( 5 ) راجع الآيتين 34 و 37 من
سورة الكهف و ج 3 ص 83 من
تفسير ابن كثير .
( 6 ) راجع الآية 29 من سورة
القمر و ج 4 ص 265 من
تفسير ابن كثير
. ( * ) |
|
|
حظيرة الشر ( 1 ) وقد تكون الصحبة اضطرارية ( 2 )
وقد تكون صحبة أثر فيقتدي فاسد بفعل فاسد وينسج على
منواله ( 3 ) وقد تكون الصحبة انقيادا لعقيدة إلهية
وولاء مطلق لقيادتها السياسية كانقياد الآل الكرام
للعقيدة الإلهية وولائهم المطلق لقيادة النبي السياسية
وتضحياتهم الجسام ، وكانقياد وولاء الصفوة الصادقة من
أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
فمحور الصحبة (
بالضم ) محور شمولي يرتكز على عقيدة وقيادة وأهداف
ومثل عليا يسعى القائد وأصحابه لتحقيقها وسيادتها على
مجتمع معين ( 4 ) .
2 - معنى الصحابة اصطلاحا
يقول ابن
حجر العسقلاني الشافعي بالحرف : " الصحابي من لقي
النبي ( صلى الله عليه وآله ) مؤمنا به ومات على
الإسلام " ( 5 ) .
أ - توضيح ابن حجر لهذا التعريف
1 -
فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت .
2 - من
روى عنه أو لم يرو .
3 - من غزا معه أو لم يغز .
4
- من رآه ولو لم يجالسه .
5
- من لم يره لعارض كالعمى .
ويخرج بقيد الإيمان "
مؤمنا به "
| |
(
1 ) راجع الآية 2 من سورة النجم
والآية 41 من سورة سبأ و
ج 3 ص 543 و ج 4 ص 246 لابن
كثير .
( 2 ) راجع الآية 31 من سورة
يوسف ج 2 ص 479 لابن
كثير .
( 3 ) راجع الآية 59 من سورة الذاريات
و ج 2 ص 238 لابن كثير .
( 4 ) راجع سلسلة مقالاتنا
المنشورة تباعا في جريدة اللواء الأردنية عام 91 - 92
.
( 5 ) راجع الإصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن علي
بن محمد بن علي الكناني العسقلاني الشافعي المعروف
بابن حجر ص 10 . |
|
|
1 - من لقيه مؤمنا بغيره كمن لقيه من مؤمني أهل
الكتاب قبل البعثة .
2 - وهل يدخل من لقيه منهم وآمن
بأنه سيبعث ، أو لا يدخل محل احتمال ، ومن هؤلاء بحيرة
الراهب ونظراؤه .
3 - ويدخل في قولنا مؤمنا به كل مكلف
من الجن والإنس .
4 - وإنكار ابن الأثير على أبي موسى
تخريجه لبعض الجن الذين عرفوا في كتاب الصحابة فليس
بمنكر .
5 - وقال ابن حزم : من ادعى الإجماع فقد كذب
على الأمة فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفرا من الجن
آمنوا وسمعوا القرآن من النبي ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) فهم صحابة ( 1 ) .
6 - الملائكة محل نظر ، وقد
نقل الإمام فخر الدين الرازي في " أسرار التنزيل " الاجماع على أنه ( صلى الله عليه وآله ) لم يكن مرسلا
إلى الملائكة ، ونوزع في هذا النقل بل رجح الشيخ تقي
الدين السبكي أنه كان مرسلا إليهم واحتج بأشياء .
7 -
وخرج بقولنا " ومات على الإسلام " من لقيه مؤمنا به ثم
ارتد ومات على دينه والعياذ بالله من ذلك عدد يسير
كعبيد الله بن جحش الذي كان زوجا لأم حبيبة ، فإنه
أسلم معها وهاجر إلى الحبشة فتنصر ومات على نصرانيته ،
وكعبد الله بن خطل الذي قتل وهو متعلق بأستار الكعبة .
8 - ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت
سواء اجتمع به ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مرة أخرى
أم لا . وهذا هو الصحيح المعتمد والشق الأول لا خلاف
في دخوله . وأبدى بعضهم في الشق الثاني احتمالا وهو
مردود لإطباق أهل الحديث على أن ابن قيس من الصحابة
وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد وهو من ارتد
ثم عاد للإسلام في خلافة أبي بكر .
| |
(
1 ) راجع ص 11 وما فوق من المرجع السابق
( * ) |
|
|
ب - تقييم ابن حجر لهذا التعريف هذا التعريف مبني
على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد
بن حنبل ومن تبعهما . ووراء ذلك أقوال آخرين شاذة كقول
من قال : لا يعد صحابيا إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة :
1 - من طالت صحبته .
2 - أو حفظت روايته .
3 - أو ضبط
أنه قد غزا معه .
4 - أو استشهد بين يديه .
وكذلك من
اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلم أو المجالسة ولو قصرت
. وأطلق جماعة أن من رأى النبي ( صلى الله عليه وآله )
فهو صحابي ، وهو محمول على من بلغ سن التمييز ، إذ من
لم يميز لا تصح نسبة الرؤية إليه ، وعندما يراه النبي
( ص ) فيكون صحابيا من هذه الحيثية ومن حيث الرؤية
يكون تابعيا .
وهل يدخل من رآه ميتا قبل أن يدفن كما
وقع لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر إن صح محل نظر والراجح
عدم الدخول .
ج - وسائل معرفة الصحابة أن يثبت بطريق
التواتر أنه صحابي ثم بالإستفاضة والشهرة
، ثم أن يروي عن أحد من
الصحابة أن فلانا له صحبة مثلا ، وكذلك عن آحاد
التابعين بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح ،
ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة : أنا صحابي .
أما الشرط الأول وهو العدالة فجزم به الآمدي وغيره
لأنه قوله قبل أن تثبت عدالته : أنا صحابي ، أو ما
يقوم مقام ذلك يلزم من قبوله قوله إثبات عدالته ، لأن
الصحابة كلهم عدول فيكون بمنزلة القائل أنا عدل وذلك
لا يقبل .
وفوق ذلك المعاصرة فيعتبر بمضي مائة سنة
وعشر سنين من هجرة النبي ( ص ) . ومن هنا لم تصدق
الأئمة من ادعى الصحبة بعد الغاية المذكورة ، وقد
ادعاها جماعة فكذبوا لأن الظاهر كذبهم في دعواهم ، ومن
لا تعرف حاله إلا من نفسه فمقتضى كلام الآمدي أن لا
تثبت صحبته .
د - كل الشعب صحابة من المجمع عليه أن
الدعوة المحمدية تمخضت عن الدولة المحمدية التي قادها
النبي ( ص ) بنفسه قرابة عشر سنين ، أرسى خلالها
قواعد النظام السياسي الإسلامي وبين عقيدة الإسلام
بيانا كاملا من خلال نقل النص من النظر إلى التطبيق
على كل صعيد ، ومن خلال إبراز روحها العامة .
ومن
المتفق عليه دستوريا أن مقومات الدولة - أية دولة -
على الاطلاق تتكون من :
1 - شعب
2 - إقليم يستقر فوقه
هذا الشعب
3 - سلطة تسوس هذا الشعب .
وإذا أخذنا
بالتعريف الذي أورده ابن حجر العسقلاني للصحابة فإن
المعول لينال شرف الصحبة ويكون صحابيا هو :
1 -
الالتقاء بالنبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) سواء
أكان هذا الالتقاء عن طريق المجالسة أو المحادثة أو
المشاهدة . فمن شاهد النبي أو شاهده النبي فهو صحابي
حتى ولو كان طفلا رضيعا لأن المشاهدة لا تنسب له إنما
تنسب للنبي نفسه .
2 - الإيمان بالنبي أنه نبي ، فلو
أخذنا برأي ابن حجر العسقلاني لوجب علينا أن نتأكد من
حقيقة هذا الإيمان ، وهذا أمر خارج عن قدرة البشر ،
وكان على ابن حجر العسقلاني أن يقول : مؤمنا به أو
متظاهرا بالإيمان به . فعبد الله بن أبي زعيم
المنافقين قولا واحدا هو من الصحابة بالإجماع . فقد
قال النبي ( ص ) لمن أشار بقتله : " فلعمري لنحسنن
صحبته ما دام بين أظهرنا " ( 1 ) .
وعبد الله بن أبي
سرح كان يكتب لرسول الله ثم افترى على الله الكذب ،
وأباح الرسول ( ص ) دمه ولو تعلق بأستار الكعبة .
وعند
فتح مكة تشفع له عثمان ودخل في الإسلام لينجو بروحه .
. . . وهو صحابي شاء الناس أم أبوا ( 2 ) .
ومثله
الحكم بن العاص طريد رسول الله ( ص ) إذ طرده الرسول
وحرم عليه دخول المدينة ، وبوفاة الرسول راجع عثمان
أبا بكر ليدخله لكن أبا بكر رفض ، ولما مات أبو بكر
راجع عثمان عمر ليدخل ولكن عمر رفض أيضا أن يدخله
المدينة في عهده ،
| |
(
1 ) راجع الطبقات لابن
سعد ج 2 ص 56 على سبيل المثال وراجع كتابنا
النظام السياسي في الإسلام
ص 103 .
( 2 ) راجع المعارف لابن
قتيبة ص 131 و 141 . ( * ) |
|
|
ولما تولى عثمان الخلافة أدخله معززا مكرما وأعطاه
مئة ألف درهم لأنه صحابي ( 1 ) .
وباختصار فلا يشترط
بالشخص حتى يكون صحابيا أن يكون مؤمنا حقيقة بالنبي بل
يكفي أن يتظاهر بالإيمان وأن يموت على هذا الإيمان أو
على هذا التظاهر به ، لأن النبي لا يعنى بالبواطن إنما
يكلها إلى الله .
ومن هنا ، ومن خلال دعوة النبي ومن
خلال دولته وغزواته ( 2 ) ، ومن خلال بيعة الناس له ،
والحج والعمرة وفتح مكة وحجة الوداع خاصة ، وسيطرة
دولته الكاملة على الجزيرة العربية أتيحت الفرصة
للجميع للإلتقاء به لم يبق في مكة ولا الطائف أحد في
السنة العاشرة إلا أسلم وشهد مع النبي حجة الوداع ،
ومثل ذلك قول بعضهم في الأوس والخزرج أنه لم يبق منهم
أحد في آخر عهد النبي إلا ودخل في الإسلام ، وما مات
النبي وواحد منهم يظهر الكفر ( 3 ) " حتى الأطفال
صاروا صحابة " على سبيل الالحاق لغلبة الظن على أنه
( صلى الله عليه وآله وسلم
) رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده
عند ولايتهم ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم .
والأخبار
بذلك كثيرة : " كان النبي يؤتي بالصبيان فيبرك عليهم "
" ما كان يولد مولود إلا أتي به النبي " ( 4 ) .
فإذا
أخذنا بعين الاعتبار أن الفوارق قد أزيلت تماما بين
الحاكم والمحكوم في دولة النبي ، وأنه كان يمشي في
الشارع وحده . ويقضي حاجته بنفسه ، فكان بإمكان أي
مواطن في الدولة الإسلامية أن يراه وأن يتكلم معه أو
أن يحضر مجلسه مما جعل شعب دولة النبي كله صحابة بهذا
المفهوم ، بمعنى أن كل مواطني الدولة قد التقوا
بإمامهم ورئيس دولتهم أو شاهدوه أو سمعوه فيه أو
جالسوه .
الفرق الإسلامية الأخرى تتفق مع أهل السنة من
حيث المعنيين اللغوي والاصطلاحي ، ولكنهم يختلفون من
حيث صفة العدالة ، فبينما يعمم أهل السنة
| |
(
1 ) راجع المعارف لابن
قتيبة ص 54
و 131 وراجع كتابنا
النظام
السياسي في الإسلام ص 103 .
( 2 ) راجع كتابنا النظام
السياسي في الإسلام ص 232 وما فوق .
( 3 ) راجع
الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ص 16 .
(
4 ) الإصابة في تمييز الصحابة ص 7 لابن حجر العسقلاني
. ( * ) |
|
|
ويرون أن كل الصحابة بلا استثناء عدول ترى الفرق
الإسلامية الأخرى أن العدالة لها مستلزمات شرعية
ومواصفات موضوعية .
فمن توفرت فيه تلك المستلزمات
والمواصفات فهو العدل ، ومن لم تتوفر فيه فليس بعدل ،
ولديهم أدلة من الكتاب والسنة والمنطق كما سنرى
.
|