-  نظرية عدالة الصحابة - أحمد حسين يعقوب  ص 211 :

الباب الرابع القيادة والسياسة
 

- ص 213 -

الفصل الأول القيادة السياسية


 1 - ضوابط حركة المجتمع حركة المجتمع - أي مجتمع سياسي على الاطلاق - تسير وفق ضابطين رئيسيين ، والمجتمع المسلم كواحد من المجتمعات السياسية الإنسانية لا يشذ عن هذه القاعدة ، فحركته أيضا محكومة بضابطين :

 1 - الضابط الأول : وهو العقيدة أو المنظومة الحقوقية الإلهية ، وهي بمثابة القانون النافذ في المجتمع الإسلامي وهي عبارة عن مخططات عامة وتفصيلية تعطي بالكامل حركة المجتمع الإسلامي في كل مجالات الحياة بالحال والمآل وإن شئت فقل إنها الصيدلية الكبرى التي تحوي العلاج الشافي من كل داء قد أصاب المجتمع الإسلامي أو سيصيبه .

وتحتوي هذه المنظومة على التجذير النظري والعملي والتنظير لكل داء ودواء وتقدم ضمانة مؤكدة لفاعلية هذا العلاج ونتائجه . وهذه المنظومة معدة ومصاغة لتغطي حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والعالم كله وتنظيم علاقات المجتمع وقيادتهم إلى التعاون والانسجام وإشباع حاجاتهم المادية والروحية أيضا .


 2 - الضابط الثاني : وهو القيادة السياسية المنبثقة عن هذه العقيدة فهي الجهة المخولة وفق أحكام هذه المنظومة الإلهية بإبقاء حركة المجتمع الإسلامي دائما وفق أحكام هذه المنظومة الحقوقية الإلهية وتوضيحا هو بمثابة المهندس الذي استوعب المخططات العامة والتفصيلية للعقيدة الإلهية ، وهو بمثابة الطبيب والصيدلاني الذي يشخص المرض ويصف العلاج ويقدمه لك ويصف كيفية استعماله ، ويتابعك وأنت

- ص 214 -

تتناوله حتى يتم الشفاء . وهو المنظر للمنظومة الحقوقية الإلهية وهو المشرف العام على تطبيقها والمرجع العام لفهم أحكامها ومراميها ، لأنه هو الأعلم بها والأفهم لقواعدها وغاياتها والأفضل من بين أتباعها والأنسب من بين كل الموجودين لقيادة أتباع هذه العقيدة وهو المبين لها من خلال نقلها وتبليغها بالضبط كما تلقاها من ربه ، ومن خلال ترجمتها من النص إلى الحركة بعد عملية النقل والتبليغ .

وهو الشاهد على عملية البيان بشقيها النظري والعملي ، وهو المبشر للمخلصين للعقيدة والمنذر للمعاندين لها وهو الداعية إلى الله وهو السراج المنير الذي ينير درب المجتمع أثناء حركة هذا المجتمع الحياتية .


 2 - الترابط والتكامل بين العقيدة الإلهية والقيادة السياسية العقيدة الإلهية الإسلامية بكليتها وأساسها قائمة على ركنين أساسيين ، أولهما كتاب الله المنزل وهو القرآن الكريم ، وثانيهما نبي الله المرسل وهو محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

محمد هو القيادة السياسية المخولة إلهيا بقيادة الدعوة إلى العقيدة والمعينة إلهيا لتقود الدولة بعد أن تسفر الدعوة عن الدولة بمعنى أن القيادة السياسية لدعوة العقيدة ودولتها هي جزء لا يتجزأ من هذه العقيدة وهي أصل من أصولها ، فالإيمان بقيادة محمد السياسية وولايته هي جزء من الإيمان بالعقيدة الإلهية ، كذلك فإن الإيمان بقيادة طالوت السياسية كان جزءا لا يتجزأ من العقيدة الإلهية الناقدة آنذاك ، وكذلك الإيمان بقيادة داود ، وسليمان ( عليهما السلام ) .

لأنه ليس بالإمكان وفق نواميس الحياة تبليغ العقيدة الإلهية وبيان أحكامها وتطبيق هذه الأحكام دون القيادة السياسية لمحمد بالذات ، فهو نفسه المخول بترجمة نصوصها من الكلمات إلى الحركات وهكذا فعل عبر دعوة قادها بنفسه ، وعبر دولة ترأسها بنفسه ، لأنه هو بالذات محور وأسس القيادة السياسية التي أسندت إليها مهمة قيادة الدعوة والدولة معا .

ويؤكد هذا الترابط العضوي والتكامل المحتوم بالضرورة أن الله سبحانه وتعالى وطوال التاريخ البشري لم يرسل رسالة إلى بني البشر بدون رسول ولم ينزل كتابا إلا

- ص 215 -

على عبد ليقود المؤمنين وفق أحكام هذا الكتاب بعد أن بين لهم تلك الأحكام ، ولو كان مجديا فك الترابط بين العقيدة الإلهية والقيادة السياسية ، وبين الرسالة والرسول وبين الكتاب والعبد لكان يسيرا على الله أن يرسل نسخا من كل الكتب السماوية إلى كل إنسان بالغ وأن يكلفه بفهمها والعمل بها ، ولما كانت هنالك حاجة لإرسال عشرات الآلاف من الرسل والأنبياء والمهديين .

ففك الارتباط والتكامل بين العقيدة الإلهية وبين القيادة السياسية غير وارد بكل المقاييس العقلية والمنطقية والدينية والفطرية ، ويخرج عن دائرة المعقول تماما التمسك بالقرآن وحده وتجاهل القيادة السياسية الإلهية ، فمن يقول إنه يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بمحمد كقائد له وكولي هو ليس مؤمنا بالإجماع .

ومن يقول أنه يوالي محمدا كقيادة سياسية ولا يؤمن بالقرآن هو أيضا ليس مؤمنا بالإجماع لأن من مستلزمات الإيمان الإيمان بالعقيدة الإلهية كقانون نافذ ، والإيمان بمحمد كقائد وكولي يقود حياة المؤمنين ضمن هذا القانون النافذ .

فالقيادة السياسية هي بمثابة الهيئة التأسيسية فهي المختصة ببيان العقيدة وبقيادة الأتباع وفق أحكام هذه العقيدة . وعمليات البيان وعمليات القيادة عمليات فنية تماما كالطب أو علم الذرة أو علم الهندسة ، ومن المستحيل أن نترك لأهوائنا واجتهاداتنا . مؤهلات القيادة السياسية الإسلامية الشرعية .

أول ولي وقائد سياسي للأمة الإسلامية هو محمد ( صلى الله عليه وآله ) فهو القدوة وهو المثال الذي يقاس عليه ، والذين تولوا الولاية والقيادة والمرجعية من بعده تولوها بوصفهم خلفاء للنبي ، فالمؤهلات العلمية للنبي كولي وكقائد سياسي وكمرجع للأمة هي أنه أعلم أهل زمانه بالعقيدة الإلهية وأفهم أهل زمانه بأحكامها وأفضل الموجودين من أتباعها وأنسبهم لقيادة ولايتها ومرجعيتها ، بالإجماع .

ودليلا على ذلك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي عينه وجمع له الولاية والقيادة والمرجعية ، ولا يعارض بذلك أحد من أبناء الملة . وأي قيادة وولاية ومرجعية تأتي من بعده يجب أن تكون لها نفس المؤهلات

- ص 216 -

فالولي القائد المرجع بعده يجب بالضرورة أن يكون :
 1 - الأعلم بالعقيدة
 2 - الأفهم بأحكامها
 3 - أفضل الموجودين من أتباعها
 4 - أنسب هؤلاء الأتباع لقيادة الأمة .

وهذه معايير موضوعية ، وأمنيات مجردة ، وغايات محددة لكل من أراد الحق وجانب الهوى .

فمن مصلحة كل المؤمنين أن يتولاهم ويقودهم الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب ولا مصلحة شرعية لأي واحد منهم بأن يتولى غير من كانت هذه صفاته .

من هو المختص بالتأكد من توافر المؤهلات لا يوجد في الدنيا فرد أو جماعة أو أمة تستطيع أن تؤكد لنا على وجه الجزم واليقين أن هذا أو ذاك هو : الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب ، لأن الأفراد والجماعات والأمم لا يعرفون ذلك على وجه الجزم واليقين ، لأن إمكانياتهم وطاقاتهم العقلية والفطرية والعلمية لا تمكنهم من ذلك ، ولأنهم لا يعرفون إلا الظاهر ، أما البواطن فهم يجهلونها ، وإذا اجتهدوا وحاولوا أن يبحثوا عن الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب فإن النتائج التي سيتوصلون إليها قائمة على الفرض والتخمين فقد تكون وقد لا تكون ، ولكن المؤكد أن هذه النتائج هي ثمرة مبلغهم من العلم مشبعة بكل نوازع النفس الإنسانية .


والمطلب الحقيقي للجميع ليس الفرض والتخمين إنما الجزم واليقين . إذا ، فإن المؤهل والمختص بإعطاء المعلومات اليقينية القائمة على الجزم واليقين هو الله جل وعلا ، فهو نفسه الذي قدم لنا محمدا وأكد لنا أنه الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب وهو نفسه صاحب العقيدة والأحرص على مصلحتها ، وهو المعني تماما بأن يقدم لنا من تتوفر فيه هذه الصفات على وجه اليقين وفي كل زمن من الأزمان من بعد وفاة النبي وحتى تقوم الساعة .

فمنذ اليوم الذي شرع فيه محمد بالدعوة شرع بأمر من ربه بإعداد هذا الذي سيتولى الولاية والقيادة والمرجعية من بعده ، وبين الطريقة التي ستتم بها عملية استكشاف من كانت هذه صفاته .

- ص 217 -

والخلاصة أن المختص بالتأكد من توافر هذه الصفات هو الله تبارك وتعالى .

القبول بالتكييف الإلهي إذا قبلت الأمة بالتكييف الإلهي ووافقت على أن فلانا هو الأعلم وهو الأفضل وهو الأفهم وهو الأنسب ، فإنها تعبر عن هذا القبول بالمبايعة فتتفق إرادة الأمة مع إرادة الله ، وغاية الأمة مع غاية الله فيكون فلان هذا معين من الله ومقبول من الأمة فيستمد شرعية وجوده كولي وكقائد من مصدرين :

الأول الله الذي كيف صفاته وعينه على أساسها ، والمصدر الثاني الأمة التي قبلت بالتكييف الإلهي بأن فلانا هذا هو الأعلم والأفهم بالعقيدة وأفضل أتباعها لقيادتها فبايعته على هذا الأساس وقبلت به وليا وقائدا ومرجعا .

وبهذه الحالة تستقيم أمور الأمة وعقيدتها وقيادتها السياسية ويقطف الجميع أحلى الثمرات وأطيبها وتشق الدعوة والدولة طريقهما إلى الله بيسر ورخاء وريح مواتية ويتفيأ الجميع في ظلال النعمة الإلهية .

رفض التكييف الإلهي إذا لم تقبل الأمة التكييف الإلهي بأن فلانا هو الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب لقيادتها على وجه الجزم واليقين ، واجتهدت الأمة أو هكذا خيل إليها بأن فلانا هو الأنسب لخلافة النبي من فلان .

فمعنى ذلك هو رفض التكييف الإلهي القائم على الجزم واليقين واستبداله بتكييف بشري قائم على الفرض والتخمين .

وهذه العملية " الرفض والاستبدال " لا تغير من الحقيقة شيئا ، ولا تجعل فلانا أنسب من فلان لكن تحدث عملية انفكاك واقعية فيتولى الولاية والقيادة والمرجعية شخص آخر غير الشخص الذي عينه الله ، وبما أن الولاية والقيادة والمرجعية اختصاص ، وحيث أن الشخص البديل غير مؤهل لهذا الاختصاص فتحدث تبعا لذلك انهيارات متلاحقة ، وما تزال تتوالى حتى تعصف بالأمة وتفرقها بعد وحدة وتذلها بعد عزة ، وتخرج رويدا رويدا من دائرة المنظومة الحقوقية الإلهية إلى دائرة العقل أو دائرة الفرض ، أو دائرة الشهوة أو مزيج من هذه الدوائر مجتمعة ، وتتوقف

- ص 218 -

العقيدة عن العطاء ويحل غضب الله بالأمة ولا يزول إلا بإعادة الأمور إلى نصابها ووضع القيادة التي كيفها الله وعينها .

ومن الطبيعي أن الله لا يكره المريض على تناول العلاج ، ولا يجبر الضال على سلوك طريق الهدى ، فما على الله إلا أن يقدم العلاج ويرغب المريض فيه ، ويبين طريق الهدى للضال ويشجعه على السير فيه ، فإذا رفض المريض العلاج مع سبق الإصرار فهو المفرط بحق نفسه ، وإذا رفض الضال طريق الهدى فجنايته على نفسه وعلى الذين ساروا خلفه .

وهذه حال الذين رفضوا العقائد الإلهية ورفضوا موالاة الرسل ، أو كانوا على استعداد للنظر في العقائد الإلهية لكنهم غير مستعدين لموالاة الرسل .


أشكال رفض التكييف الإلهي

 1 - الشكل الأول : القبول بالعقيدة الإلهية وعدم القبول بولاية القيادة السياسية كالإيمان بنبي بني إسرائيل ورفض موالاة طالوت لأنه ليس الأحق بالقيادة حسب رأيهم ، فبين الله سبحانه وتعالى لهم أنه زاده بسطة في العلم والجسم ودعمه بالبينات فقبلوه مكرهين وانتهى الرفض إلى القبول .


 2 - الشكل الثاني : الإيمان بالعقيدة الإلهية وعدم القبول بولاية القيادة السياسية من بعد النبي بتأويل مفاده أن الله لم يعين هذه القيادة إنما عينها النبي حسب اجتهاده كبشر ، وأنه لا حرج من مخالفة هذا الاجتهاد واختبار شخص آخر بدلا من الذي اختاره النبي ، لأن الذي اختاره النبي من بني هاشم ، والله قد أعطى الهاشميين النبوة والأفضل لمصلحة الجميع أن يهنأ الهاشميون بالنبوة وأن يتولى الخلافة غيرهم ، أضف إلى ذلك أن هذا الذي اختاره النبي به دعابة ، وعنده زهو بنفسه ، وما زال فتى ، وهنالك من هو أسن منه ، وهم مشيخة قريش .

لكل هذه الأسباب آمنوا بالعقيدة الإلهية ورفضوا موالاة الرجل الذي كيفه الله وأعده رسوله وعينه خليفة من بعده . وهذا ما حدث لعلي بن أبي طالب .
 

 3 - الشكل الثالث : رفض العقيدة الإلهية كقانون نافذ للأمة ، ورفض موالاة الذي عينه الله ، وهذا الرفض يدخل صاحبه الكفر من أوسع الأبواب والعياذ بالله .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب