- نظرية عدالة الصحابة - أحمد حسين يعقوب  ص 26 :

طبقات الصحابة

إن الصحابة شرعا وعقلا وواقعا ليسوا بدرجة واحدة . فمنهم الصادقون وهم طبقات في صدقهم ، ومنهم الأقوياء وهم طبقات في قوتهم ، ومنهم الضعفاء وهم أيضا طبقات في درجات ضعفهم ، ومنهم المنافقون وهم أيضا طبقات في نفاقهم . أنظر إلى قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمن أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي رأس النفاق في المدينة : " لعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا " ( 1 ) فزعيم المنافقين حسب هذا النص صحابي ، وهو صحابي بالموازين المتفق عليها عند أهل السنة . ولو جارينا أهل السنة بحرفية فهمهم لتجمدت الحياة ولتجمد الفكر تماما .


وبالرغم من أن أهل السنة قد أجمعوا أو أشاعوا الاجماع على أن الصحابة كلهم عدول ، إلا أن هذا لم يمنعهم من أن يعترفوا ضمنا بأن هذا التعميم غير واقعي وغير منطقي ويتعارض مع المقصود الشرعي .

ولعل تقسيمهم الصحابة الكرام إلى طبقات أكبر شاهد على

  ( 1 ) راجع الطبقات لابن سعد ج 6 ص 65 وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص 103  . ( * )  
 

- ص 27 -

هذا الاعتراف حيث أن انتماء الصحابة لطبقة من الطبقات يحدد شرعا دوره في الأمور السياسية والحقوق ( 1 ) وهذه ليست مسألة اجتهادية لأن الشرع الحنيف بقرآنه وسنته قد وضع معالم تلك الطبقات .

ومن هنا فإن ابن سعد تصدى لهذه الناحية فجمع الصحابة في خمس طبقات ( 2 ) .

وكذلك فإن الحاكم في مستدركه قسم الصحابة إلى اثنتي عشرة طبقة .

طبقات الصحابة كما ذكرهم الحاكم في مستدركه ( 3 )

الطبقة الأولى : الذين أسلموا بمكة قبل الهجرة كالخلفاء الراشدين .
الطبقة الثانية : أصحاب دار الندوة .
الطبقة الثالثة : مهاجروا الحبشة .
الطبقة الرابعة : أصحاب العقبة الأولى .
الطبقة الخامسة : أصحاب العقبة الثانية .
الطبقة السادسة : أول المهاجرين الذين وصلوا بعد هجرة الرسول للمدينة .
الطبقة السابعة : أهل بدر .
الطبقة الثامنة : الذين هاجروا بين بدر والحديبية .
الطبقة التاسعة : أهل بيعة الرضوان
.
الطبقة العاشرة : من هاجر بين الحديبية وفتح مكة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص .
الطبقة الحادية عشرة : الطلقاء وهم الذين أسلموا يوم فتح مكة كأبي سفيان ومعاوية .
الطبقة الثانية عشرة : صبيان وأطفال رأوه يوم الفتح .

فأول الناس إسلاما خديجة ثم علي عليه السلام : تنبأ رسول الله

  ( 1 ) راجع فتوح البلدان للبلاذري وانظر إلى طريقة عمر بن الخطاب بتسلسل العطايا ومقدارها .
( 2 ) ويمكن لمن أراد التوسع أن يراجع طبقات ابن سعد .
( 3 ) راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 227 - 228 وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص 108
 . ( * )
 
 

- ص 28 -

( صلى الله عليه وآله ) يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء ثم زيد بن حارثة ثم أبو بكر ( 1 ) .

وتقسيم الصحابة إلى طبقات دخول واقعي في باب التفاضل ، فمن غير المنطقي أن يكون أول من أسلم بنفس الدرجة من العدالة التي يتمتع بها طليق أسلم يوم الفتح .

وقد تنبه إلى هذه الناحية الفاروق عند توزيع العطايا ، فأخذ بعين الاعتبار توزيع العطايا حسب الطبقة ، ولم يساو بين أول من أسلم وآخر من أسلم ، ولا ساوى بين من قاتل الإسلام بكل فنون القتال حتى حوصر بجزيرة الشرك مع الرجل الذي قاتل مع الإسلام كل معاركه حتى أعز الله دينه .

وفي اجتماع السقيفة كانت حجة المهاجرين على الأنصار : هي أنهم أول من عبد الله في الأرض ( السابقة في الإيمان ) وأنهم أولياء الرسول وعشيرته وأحق الناس بالأمر من بعده ، ولا ينازعهم إلا ظالم ، ولأن العرب تأبى أن تؤمر الأنصار ونبيها من غيرهم ، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم .

وانظر إلى قول عمر : " من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أهله وعشيرته " هذا بالحرف ملخص ما قاله أبو بكر وعمر في السقيفة ( 2 ) .

ألا ترى أن هذا تطبيق نظري دقيق لعملية التفاضل الشرعية وبالتالي نسف لكامل المقولة إن الصحابة كلهم بلا استثناء عدول ؟ فأذعن الأنصار لتلك الحجج القوية وقالوا : طالما أن الأمر هكذا فإننا لا نبايع إلا عليا ( 3 ) .

وعند ما واجه الإمام علي القوم بحجته بعد البيعة قال بشير بن سعد الذي شق إجماع الأنصار وبايع أبا بكر مخاطبا عليا : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان ، وما كان بالإمكان الوصول إلى هذه القناعات لولا إعمال نظام التفاضل كوسيلة لتقديم الأعلم والأفضل والأنسب لكل أمر تحتاجه الأمة .

ونظام التفاضل يتعارض بطبيعته مع مقولة " كل الصحابة عدول : لأنه لو

  ( 1 ) راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 227 .
( 2 ) راجع تاريخ الطبري ج 7 ص 198 وراجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة وراجع ج 2 ص 326 من شرح النهج وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص 126 و 133 .
( 3 ) راجع تاريخ الطبري ج 7 ص 198 وراجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة وراجع ج 2 ص 326 من شرح النهج وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص 126 و 133
 . ( * )
 
 

- ص 29 -

صحت هذه المقولة لما كانت هنالك دواعي لوجود هذا النظام ولا لسلوك منهج التفاضل باعتبار أن الجميع متساوون بالعدالة .

نظام التفاضل في الإسلام تجنبا للخلاف والاختلاف ، واستبعادا لدور المزاج والهوى ، وتقزيما لأي واقع متجبر سيفرض على الأمة ، فقد حدد الإسلام بنصوص قاطعة لا تحتمل الانكار والتأويل الأركان الأساسية لنظام التفاضل في الإسلام وحصرها في خمسة أركان ، لتكون مسارب للفضل والعدالة وطرفا لمنازل الخير ، وهي التي تحدد موقع الإنسان المسلم وتبين دوره وتحدد حجم اعتباره .

وهي مجتمعة تقدم الجواب الشرعي الأمثل لكل سؤال يتعلق بالمنازل والكرامات ، وهي بالتالي الطريق الأوحد لمعرفة الأعلم والأفضل والأنسب في كل أمر من الأمور .

فإذا كان الصحابة كلهم بلا استثناء عدول لا فرق بين واحد وآخر ، فما الداعي لإيجاد نظام التفاضل في الإسلام ؟

وما الداعي لتشريع الحدود ووضع الأحكام ؟


أركان التفاضل أو مسارب العدالة باستقراء أحكام العقيدة الإلهية الإسلامية ، يتبين لنا أن التفاضل يقوم على خمسة أركان ، وهذه الأركان بمثابة موازين أو معايير شرعية تحدد حجم الاعتبار لكل مسلم وتبين منزلته .

الركن الأول والأهم : القرابة الطاهرة ، فهم قيادة الأمة السياسية والروحية بعد نبيه الكريم بالنص الشرعي القاطع .
أما لماذا هم بالذات ؟
هذا فضل الله يؤتيه من يشاء لماذا أنزل الله الوحي على محمد واختاره للرسالة ؟
لماذا محمد بالذات ؟
لماذا موسى بالذات ؟ هذا أمر بيد الله تعالى .

هذه القرابة هي مركز الدائرة بالنص وهي سفينة النجاة بالنص ، وهم باب حطة بالنص ، وهم نجوم الهدى بالنص ، وهم الأسبق بالإيمان بالنص ، وهم الأتقى بالنص ، وهم الأعلم بالنص ، وهم الأكثر بلاء بالنص ، ومحبتهم مفروضة على الجميع بالنص ، وعميدهم في كل زمان هو الإمام الشرعي للأمة وهو مرجعها فالنبي أولا والكتاب ثانيا ، والهادي أولا والهداية ثانيا

- ص 30 -

فمتى بعث الله رسالة بدون رسول ؟
ومتى أنزل الله كتابا إلا على عبد ؟ وسأثبت ذلك في حينه ، فهم محط الولاية ومحورها .

الركن الثاني : السابقة في الإيمان .
الركن الثالث : التقوى .
الركن الرابع : العلم .
الركن الخامس : تقييم الرسول القائد أو الإمام الشرعي ( المعين شرعا ) ليقوم مقامه والذي بايعته الأمة المسلمة بالرضى وبمحض اختيارها بدون إكراه ولا إغراء ولا لف ولا دوران ( بدون غلبة ) .

الحكم على هذه الموازين تلك موازين شرعية موضوعية مستمدة من الشريعة ومن الشريعة وحدها ، وهي تبين معالم العدالة لدى كل فرد - وما سواها - مع عميق الاحترام إلا مواءمة بين واقع مفروض ومثال إلهي آخذ بالأعناق ، وهذه الموازين معترف بها ، وكانت حجة لا تعلوها حجة في نظام الخلافة التاريخي .

فعلى سبيل المثال أرجع حجة أبي بكر على الأنصار في سقيفة بني ساعدة ( 1 ) ، وارجع إلى حجة عمر في السقيفة ( 2 ) ، وارجع إلى حجة أبي عبيدة ( 3 ) . فقد قالوا إنهم الأولى بمحمد :

 1 - لأن العرب تأبى أن تولي الخلافة إلا من كانت النبوة فيهم .

 2 - إن أهل محمد وعشيرته هم أولى بميراثه وسلطانه ( وهذا معيار القرابة بعينه ) وقالوا : إنهم أول من عبد الله في الأرض ، وهذا معيار السابقة في الإيمان والتقوى . . . . الخ .

ثم طريقة عمر بتوزيع الأعطيات . لقد أخذ بأكثر هذه المعايير ( 4 ) .

  ( 1 ) راجع الإمامة والسياسة ص 5 - 7 .
( 2 ) راجع الإمامة والسياسة ص 7 - 8 .
( 3 ) راجع الإمامة والسياسة ص 8 .
( 4 ) راجع فتوح البلدان للبلاذري
. ( * )
 
 

- ص 31 -

تساؤلات فإذا كان الصحابة كلهم عدول وكلهم في الجنة ولا يدخل أحد منهم النار ، وأن الله ساوى بينهم ، فما الذي منع الأنصار من أن يتولوا الخلافة ؟

ولماذا اقتنعت أكثريتهم وأعطوا القيادة للمهاجرين الثلاثة عن قناعة ؟

لماذا فرق الخليفة العادل عمر ولم يساو بينهم بالعطايا مع أنهم صحابة وكلهم عدول ولا فرق بين واحد وآخر ؟

لماذا أقيمت الحدود على بعضهم ؟

وهل يسرق العادل النزيه المضمون دخوله في الجنة ؟

أنتم لستم أفقه من الشيخين في الدين ، وكفى بفقههما عندكم حجة ، ليجب كل واحد منكم على هذه التساؤلات أو ليحاول ، فمتى كان التقليد الأعمى طريقا للهدى ؟

لقد أنبأنا الله أنه طريق إلى النار ، وقد أنعم الله علينا بالعقل لنستثمره في طاعة ومعرفة مقاصد الشريعة ( 1 ) .

  ( 1 ) راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص 101 وما فوق فقد فصلنا هذه الموازين بالقدر الذي يفهم . ( * )  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب