-  نظرية عدالة الصحابة - أحمد حسين يعقوب  ص 33 :

الفصل الثالث نقض النظرية من حيث الشكل


حجة أهل السنة منقوضة شكلا من وجهين :

الوجه الأول : حول الشهادة والشهود . إن القرآن الكريم هو الذكر ، وما جاء به النبي هو بيان لهذا الذكر وترجمة له وهو من مستلزماته ، وقد تكفل الله جلت قدرته بحفظه على مر الأزمان * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) *

فحفظ الذكر مضمون بضمانة إلهية ولا علاقة للصحابة الكرام بهذا الحفظ .

فالدين محفوظ وثابت وبدون شهود لأن الله هو الشاهد والمتكفل بإثباته ، ولأن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة . فالشاهد على المسلمين هو محمد والمسلمون في كل زمان هم شهداء على الناس .

ثم إن كتاب الله منزل من عند الله وليس بإمكان أحد كائنا من كان أن يزيد فيه حرفا أو ينقص منه حرفا أو أن يبدل فيه حرفا لأنه ترتيب إلهي .

فقد كانت الكوكبة من آيات القرآن الكريم تتنزل على رسول الله مع التوجيه الإلهي بأي سورة توضع ، وعند ما انتقل الرسول إلى جوار ربه ، كان القرآن كله مرتبا بالصورة التي بين أيدينا ومكتوبا كاملا وليس في صدور الرجال فحسب كما يزعم بعض إخواننا .

فالقول بأن الصحابة كلهم عدول لا يزيد الثابت ثباتا ولا المحفوظ حفظا ، والقول بأن المخلصين من الصحابة فقط هم العدول لا يهز هذا الثابت ولا يؤثر على هذا المحفوظ ، وإقحامهم للقرآن وحفظه لإثبات عدالة كل الصحابة لا مبرر له ، لأن الفضل في ذلك كله والمنة والشكر لله تعالى ، والفخر لمحمد ولآل محمد وللصادقين من الصحابة الذين التفوا حولهم . ( فلو أن الآل

- ص 34 -

الكرام سلموا محمدا لزعامة قريش أو خلوا بينها وبينه لقتلوه كما قتل كثير من الأنبياء من قبل ) ، ولما تحمل الآل الكرام كل سني الحصار والعذاب والألم .

وبالمناسبة فإنني أتسأل : أين كان كل الصحابة والهاشميون محصورون في شعاب أبي طالب يأكلون ورق الشجر من الجوع ويمص أطفالهم الرمال من العطش ؟

هل من العدالة الوضعية أو السماوية أن يتساوى المحاصر مع المحاصر ، * ( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * .


الوجه الثاني : أما القول بأن هؤلاء الذين ينقصون أحدا من الصحابة ( زنادقة ) فلا يستقيم لعدة وجوه ، لأن الإسلام بوصفه آخر الأديان السماوية ، وبوصفه الصيغة النهائية لدين الله معد ومصاغ ليفهم منه كل إنسان على قدر فهمه ، والفهم الأمثل هو ما يتطابق مع المقصود الشرعي أو الغاية الشرعية من النص بحيث يكون الفهم هو عين ما أراد الله وتلك مهمة عسيرة بل واختصاص فني تماما ، وإلا فما الداعي لإرسال الرسل مع الكتب وابتعاث الهادي مع الهداية ؟

وما هي الغاية إذن من وجود الأئمة ومن رئاسات الأنبياء لدول الإيمان ؟

ومن هنا فإن الإسلام شئ وفهمنا له شئ آخر يختلف حسب ثقافاتنا .

فاختلاف الرأي وتباين الأفهام ليس زندقة ، وهنالك من الصحابة من عاب النبي نفسه وطعن في عدالته .

أنظر إلى قول ابن الخويصرة : " إعدل يا محمد والله ما أردت بهذه القسمة وجه الله " لم يقل له النبي : أنت زنديق أو منافق ، قال له : ويحك من يعدل إن لم أعدل .

فهل للصحابي مكانة أعظم من مكانة النبوة ؟

فإذا كان سيد البشر محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " أنا بشر أصيب وأخطئ " فكيف تعممون العدالة على جميع الصحابة وتعتبرون من يناقشكم بالأمر زنديقا ؟


نقض حجة أهل السنة

يجمع أهل السنة أو يتظاهرون بالإجماع على القول وبالحرف " إن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به النبي حق ، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة ، فهم الشهود وهؤلاء الذين ينقصون أحدا من الصحابة - أي واحد - يريدون أن يخرجوا شهودنا

- ص 35 -

 ليبطلوا الكتاب والسنة وهؤلاء زنادقة ( 1 ) ، فمن عابهم أو انتقص منهم فلا تواكلوه ولا تشاربوه ولا تصلوا عليه " ( 2 ) .

قراءة أولية
أولا : الخلط :
القول بأن النبي حق والقرآن حق وما جاء به النبي حق ، هذا قول لا غبار عليه ولا اختلاف فيه ، وهو قدر مشترك بين كل المسلمين من سنة بمختلف فرقهم ومن شيعته بمختلف فرقها ، وهم يتساوون بالإنتماء لهذا الدين ولحمل هويته الخالدة .

والدين يتكون من مقطعين :
 1 - نبي الله بذاته وقوله وفعله وتقريره ، و 2 - كتاب الله المنزل من عند الله .

هذا إجماع كل المسلمين ، والخلاف منحصر بفهم المقصود الشرعي لهذا الدين ، فلا ينبغي الخلط بين الدين وبين مفاهيمنا له .

فالدين هو المركز الثابت ومفاهيمنا هي المتحركات والمتغيرات من حوله . فالدين شئ ومفاهيمنا له شئ آخر ، هذه المفاهيم عمليا تختلف من فرد إلى فرد ، ومن جماعة إلى جماعة حسب درجة العلم وقدرة الفهم والطاقة والتجرد من الهوى . ولو كان مجديا فرض فهم واحد للنص لفرضه الله تعالى ولما كان هنالك داع للإجماع ولما كان هنالك داع للفهم أصلا .

فعندما نفهم نصا معينا بفهم ما ، ويفهم الآخر النص نفسه بفهم آخر ثم يدعي كل واحد منهما أن فهمه هو المقصود الشرعي ، فمعنى ذلك أنه لا بد للاثنين من دراسة النص دراسة ثانية وثالثة . . . الخ حتى يصلا إلى مفهوم واحد للنص لأن النص الشرعي الواحد له مقصد شرعي واحد وهو عين المقصود الإلهي ، إذ لو قلنا بغير ذلك لأضفينا طابع الشرعية على الفرقة والاختلاف ، ولذهبت كل جماعة باتجاه مع أن مصلحة الأمة تتحقق بوحدتها لا بفرقتها ، ثم إنه لا مصلحة لك ولا مصلحة لي إذا كانت النفوس خالصة لله أن يصح هذا الفهم أو ذاك ، إنما مصلحتنا تتحقق بفهم المقصود الإلهي الأمثل والعمل به .

  ( 1 ) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ص 17 - 19  .
( 2 )
كتاب الكبائر للحافظ الذهبي ص 238  . ( * )
 
 

- ص 36 -

فمن غير الجائز أن نخلط أفهامنا بالدين وبنوايا مختلفة حسنت أم ساءت ، نقول : إن هذه الأفهام هي الدين ، ثم نضع عقوبة لمن يخالفنا بهذه الأفهام متجاوزة دائرة الاتباع إلى دائرة التشريع المخصصة لله تعالى . فحكم الزندقة وقرار عدم المواكلة والمشاربة وعدم الصلاة على من يخالفك الرأي هو قرار لا يقره الدين ، وهو عقوبة بغير نص وتصرف ممن لا يملك في ملك الغير ، وهو باطل من أساسه ولا يعادل شروى نقير .


ثانيا : كلمات للتلقين :
 1 - الإسلام كلمة محددة ولفظ يدل على معنى بعينه وهو يعني : نبي الله محمدا بذاته وقوله وفعله وتقريره ، ويعني القرآن الكريم على الصعيدين النظري والعملي ، وهو مجموعة البنى الحقوقية المتكاملة التي أوحاها الله لنبيه وبينها النبي للناس ، إنه العقيدة الإلهية التي أرادها الله أن تكون دينه ودين المطيعين من خلقه . وهو شئ ومعنى قائم بذاته ومستقل عن غيره
.

 2 - الصحابة الكرام اتبعوا هذا الدين ووالوا نبيه على صعيدي الدعوة والدولة هم أتباع للدين وليسوا دينا أو جزءا من الدين .

 3 - المسلمون كلهم هم الذين اتبعوا الإسلام وآمنوا به ، لكنهم ليسوا هم الإسلام ، إنهم أتباع وشتان ما بين العقيدة والمعتقد وما بين القانون والشعب ، وما بين القضاة والمتقاضين .


ثالثا : الحماية والتستر :
قلنا : إن مصلحة الإسلام والمسلمين تتحقق بفهم المقصود الشرعي بالذات وهو عين المقصود الذي قصده الله تبارك وتعالى ، والوقوف على هذا المقصود يحتاج إلى اختصاص وملكات خاصة والوقوف عليه مطلب الجميع وغايتهم ، ولكن أناسا أنزلوا أنفسهم منازل ليست لهم واجتهدوا ، وهذا حق لهم ، ثم حاولوا رغبة أو رهبة أن يفرضوا هذا الاجتهاد على أبناء الملة وأغلقوا طريق البحث عن الحقيقة الشرعية وأوصدوا مسالك التحري عن المقصود الشرعي وأعلنوا بأن رأيهم هو الدين ومن

- ص 37 -

يعارضهم زنديق . . . الخ وهذا ليس من حقهم لأنهم شئ والدين شئ آخر ، ومخالفتهم بالرأي أو بالاجتهاد أو بالفهم ليس مخالفة للدين لأن القول بغير ذلك ترجيح بغير مرجح ووصاية من إذن شرعي بالوصاية مما يحول العملية كلها إلى تستر بالدين واحتماء به لنصرة رأي على رأي أو مذهب على مذهب .

فاختلافك معي بفهم نص من النصوص الشرعية لا يجعل منك زنديقا ولا يجعل مني مرجعا وقديسا ، فذلك ترجيح بغير مرجح وتقبيح بغير سند وخدمة لأولئك الذين غلبوا هذه الأمة وفرقوها إلى شيع وأحزاب بأحابيلهم السياسية الملتوية ، وبمساعدة السذج من علماء السوء الذين يقفون في كل زمان ضد تفاهم هذه الأمة ووحدتها ، فيقولون : هذا زنديق ، وهذا رافضي ، وهذا شيعي ، وهذا سني ، وهذا جعفري وهذا مالكي ، وذلك كفر وتلك زندقة . . . الخ .

وتلك ألفاظ يعافها الذوق السليم ، وتنفر منها الفطرة النقية ، وقد ترفع عن مثل هذه الأمور حتى الكفرة من أهل الكتاب ، وبالتالي هي تعبر عن ضيق الصدر وتتعارض مع مبادئ الأخوة الإسلامية وروح الإسلام العامة . الله وحده يعلم كم هو مؤذ التعصب ومثير للقرف .


يقول الذهبي في رسالته التي ألفها في الرواة الثقات : " قال أبو عمر بن عبد البر : روينا عن محمد بن وضاح قال : سألت يحيى بن معين - يحيى بن معين هذا من كبار أئمة الجرح والتعديل الذي جعلوا قوله في الرجال حجة قاطعة - سألته عن الشافعي فقال : ليس ثقة ، وجعفر بن محمد الصادق وثقه أبو حاتم والنسائي إلا أن البخاري لم يحتج به " ( 1 ) .

أنت تلاحظ أن يحيى بن معين وهو العملاق الشهير يزعم أن الشافعي ليس ثقة ، مثلما تلاحظ أن البخاري لم يحتج بالإمام جعفر الصادق واحتج بمن هو أقل من الإمام جعفر ، وجعفر عليه السلام هو صاحب مذهب أهل البيت الكرام ، وهو أستاذ أصحاب المذاهب الأربعة ، وهو العالم الألمعي الذي لا يشق له غبار والذي تخرج على يديه أربعة آلاف فقيه ومحدث ، وفوق ذلك كله هو الإمام السادس من أئمة أهل البيت الكرام ، فهو جعفر بن محمد بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ومع هذا لم يحتج به البخاري ولم يوثقه وتجافى عن روايات أهل البيت مع أنهم صحابة بالمعنى الذي يقصده أهل السنة والصحابة كلهم عدول .

  ( 1 ) راجع آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن للسيد مرتضى الرضوي ص 97 - 98 . ( * )  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب