- نظرية عدالة الصحابة - أحمد حسين يعقوب  ص 38 :

نقض نظرية كل الصحابة عدول من حيث الموضوع


يؤمن أهل السنة بالنظرية القائلة " بأن كل الصحابة بلا استثناء عدول " ، تلك النظرية التي ابتدعها رجال السياسة الغالبون ، كما سنثبت ذلك ، ولغاية في نفس يعقوب ، وألقوا في روع الغافلين الذين يحبون هذا الدين ، بأن هذه النظرية جزء لا يتجزأ من دين الإسلام وفصل ثابت من فصول العقيدة الإلهية من شك فيها أو خرج عليها أو ناقشها فهو زنديق لا ينبغي أن يواكل أو يشارب أو يصلي عليه إذا مات .


حقيقة أن الصحبة شرف عظيم ومراتبها عالية ، ولكنها بالمعنى اللغوي وبالمعنى الاصطلاحي المتفق عليه عند أهل الملة ، هذه الصحبة تشمل كل المسلمين الذين عاصروا رسول الله . بمعنى أن كل شعب دولة النبي كانوا صحابة ، لأن العبرة والمعول عليه هو :
 1 - الالتقاء بالنبي .
 2 - الإيمان الصادق به كحال الصحابة الصادقين أو التظاهر بهذا الإيمان ، وكحال المنافقين وكحال الذين حاربوا الإسلام بكل وسائل الحرب ثم أحيطوا واضطروا للإسلام لأن كل الأبواب قد أوصدت في وجوههم إلا باب الإسلام فولجوه ، الله وحده أعلم بنواياهم .
 3 - الموت وهو على هذه الحال .

إن هؤلاء المؤمنين الصادقين ، والمنافقين المتظاهرين ، ومن لم يدخل الإيمان في قلوبهم ، لم يكونوا بدرجة واحدة حتى يقال بأنهم جميعا عدول ، بل إن منهم من كان يظهر الإيمان ويبطن الكفر والعصيان ، وهم الفئة المنافقة من المسلمين الذين عاصروا النبي ومات النبي وهم على قيد الحياة .

وقد كشف القرآن الكريم بأن أفراد هذه الفئة مردوا على النفاق وخانوا ، وغدروا ، ووعدوا فأخلفوا ، وحدثوا فكذبوا ، وابتغوا الفتنة وآذوا النبي ، وقلبوا الأمور .

- ص 39 -

وكانت راية الإسلام ترتفع كل يوم حتى بسطت دولة النبي سلطانها المبارك على الجزيرة ، وأضفت هيبتها على الجميع وأكمل الله الدين ، وأتم النعمة ، وانتقل النبي إلى جوار ربه ، وتلك الفئة المنافقة على حالها ، والمسلمون متفاوتون بإيمانهم وتضحياتهم ومنازلهم .

العجب العجاب وبدون مقدمات أو بمقدمات سياسية أصبح كل رعايا دولة النبي عدول بحجة أنهم كلهم صحابة شاهدهم النبي أو شاهدوه ، وآمنوا به أو تظاهروا بالإيمان وأنهم ماتوا على هذا الإيمان مع أن النظرية قد ابتدعت في العصر الأموي ( عصر خلافة الطلقاء ) وقبل أن يموت جيل الصحابة بالمفهوم الآنف الذكر ، أي أنهم قد حكموا بالعدالة قبل أن يتأكدوا من حسن الخاتمة ، وهذه النظرية منقوضة من أساسها .


وجوه النقض
 1 - أنها تتعارض مع النصوص القرآنية القاطعة .
 2 - أنها تتعارض مع السنة النبوية بفروعها الثلاثة : القول والفعل والتقرير
.
 3 - نظرية عدالة كل الصحابة ينقضها واقع الحال .
 4 - أنها تتعارض مع روح الإسلام العامة ومع حسن الخاتمة ومع الغاية من الحياة نفسها .
 

تفصيل وإثبات وجوه النقض
 

 1 - نظرية عدالة كل الصحابة تتعارض مع النصوص القرآنية القاطعة - ظاهرة النفاق شاعت ظاهرة النفاق في زمن النبي ، وبرز المنافقون كقوة حقيقية يحسب حسابها ، والمنافقون هم فئة آمنت بالظاهر ، فهم بأفواههم يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ويرددون نفس الألفاظ والمصطلحات التي يرددها

- ص 40 -

المسلمون خداعا واستهزاء * ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . ) *
وهم يجاهرون بذلك ويحرصون على أن يسمعه النبي والذين آمنوا : * ( وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا . . . ) *

ولا تقتصر ظاهرة النفاق على القول بل تتعداها إلى العمل ، فقد كانوا يصلون وينفقون ويقدمون الأعذار إذا تخلفوا عن الخروج مع النبي ، ويكررون مزاعمهم بالإيمان . سلوك الإنسان يعكس عاجلا أم آجلا حقيقة اعتقاده ، لكن النوايا لله ، والنبي يعنى بالظاهر والسلوك ويكل البواطن لله ، وهو بطبيعته رؤوف رحيم خلوق ونموذج فرد للإنسان الكامل . ولكنهم تجاوزوا الحدود فبدأت الآيات القرآنية تتنزل وتكشف حقائق هذه الفئة .

من ذلك : * ( . . . وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . . ) * .
* ( . . . وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ . . . ) * .
* ( . . . وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ . . . ) *
* ( . . . وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ . . . . ) * .
* ( . . . لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ . . . ) * .
* ( . . . وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ . . . ) * .
* ( . . . وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ . . . ) * . ( قرآن كريم ) .


الحكم الإلهي القاطع بعد أن كشف حقيقتهم ، وعرى بواطنهم ، أصدر حكمه العادل الذي يتلاءم وجريمتهم بالكذب على الناس وعلى الله ، وكلف نبيه أن يبلغهم مضمون هذا القرار الإلهي وحيثياته وأسباب صدوره * ( قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ) * . لماذا ؟ لأنهم يخادعون الله والذين آمنوا ومزاعمهم بالإيمان غير صحيحة واستهزاء ، وبالتالي فإنهم قد كفروا بالله ورسوله بالرغم من كل مزاعمهم .

- ص 41 -

وأذاع النبي القرار الإلهي وأسبابه وحيثياته ووضع كل الحقائق أمام الجميع .

ومع هذا لطبيعته الفذة ( صلى الله عليه وآله ) كان يستغفر لهم ويسأل الله الهداية فجاءه الرد الإلهي واضحا * ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) * .
 

أمثلة على تعارض نظرية عدالة كل الصحابة مع القرآن الكريم المثال الأول قال تعالى : * ( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ) * ( سورة التوبة ) .

إنها قصة ثعلبة ، ذلك الصحابي المعدم الذي سأل الرسول أن يدعو الله له حتى يرزقه المال ، فقال له الرسول : " ويحك يا ثعلبة ، قليل تشكره خير من كثير لا تطيقه " فقال ثعلبة : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فيرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه . فقال الرسول : " اللهم ارزق ثعلبة مالا " ، فرزقه الله ونماه له ، وعندما طلب منه الرسول زكاة أمواله بخل ثعلبة معللا بخله بأن هذه الزكاة جزية وامتنع عن دفعها ومات النبي وثعلبة على قيد الحياة ، فأرسل زكاة أمواله إلى أبي بكر الصديق فرفضها ، وأرسلها إلى عمر فرفضها ، وهلك ثعلبة في زمن عثمان ( 1 ) .


المثال الثاني قال تعالى : * ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ * أما الذين آمنوا

  ( 1 ) راجع على سبيل المثال تفسير فتح القدير للشوكاني علي بن محمد مجلد 2 ص 185 وراجع تفسير ابن كثير لإسماعيل بن كثير الدمشقي مجلد 2 ص 373 . وراجع تفسير الخازن لعلاء الدين علي بن إبراهيم البغدادي مجلد 2 ص 125 . وراجع تفسير البغوي محمد بن الحسن بن مسعود الفرا مجلد 2 ص 125 بهامش تفسير الخازن . وراجع تفسير الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري مجلد 6 ص 131  . ( * )  
 

- ص 42 -

أوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ * تُكَذِّبُونَ ) * ( سورة السجدة ) . المؤمن هو علي بن أبي طالب ، والفاسق هو الوليد بن عقبة ، وقد تولى الكوفة لعثمان ، وتولى المدينة لمعاوية ولابنه يزيد ( 1 ) .


المثال الثالث قال تعالى : * ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * ( سورة الصف ) .

نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي سرح وهو والي عثمان على مصر ، فهو

  ( 1 ) راجع شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي ح 445 و 453 ، 610 ، 626
وراجع مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي ص 324 و 370 و 371 وراجع تفسير الطبري ج 21 ص 107
وراجع الكشاف للزمخشري ج 3 ص 514 وراجع فتح القدير للشوكاني ج 4 ص 255
وراجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 462 وراجع أسباب النزول للواحدي ص 200
وراجع أسباب النزول للسيوطي مطبوع بهامش تفسير الجلالين ص 550 ،
وراجع أحكام القرآن لابن عربي ج 3 ص 1489 وراجع شرح النهج لابن أبي الحديد ج 4 ص 80 و ج 6 ص 292
وراجع كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 140 وراجع الدر المنثور للسيوطي ج 5 ص 178
وراجع ذخائر العقبى للطبري الشافعي ص 88 وراجع المناقب للخوارزمي الحنفي ص 197
وراجع نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 92 ، وراجع تذكرة الخواص للسبط الجوزي الحنفي ص 207
وراجع مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي وراجع ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 250
وراجع زاد المسير لابن الجوزي الحنبلي ج 6 ص 340 وراجع أنساب الأشراف للبلاذري ج 2 ص 148 ح 150 ،
وراجع تفسير الخازن ج 3 ص 470 و ج 5 ص 187 وراجع معالم التنزيل للبغوي الشافعي بهامش الخازن ج 5 ص 187
وراجع السيرة الحلبية للحلبي الشافعي ج 2 ص 85
وراجع تخريج الكشاف لابن حجر العسقلاني مطبوع بذيل الكشاف ج 3 ص 514
وراجع الانتصاف في ما تضمنه الكشاف بذيل الكشاف ج 3 ص 244 وراجع إحقاق الحق ج 3 ص 273
وراجع فضائل الخمسة ج 1 ص 268 وراجع المراجعات ص 64 حسين الراضي
. ( * )
 
 

- ص 43 -

الذي افترى على الله الكذب ، وأباح الرسول دمه ولو تعلق بأستار الكعبة كما يروي صاحب السيرة الحلبية الشافعي في باب فتح مكة ، وجاء به عثمان يوم الفتح يطلب الأمان له كما يروي صاحب السيرة ، وسكت الرسول على أمل أن يقتل خلال سكوته كما أوضح رسول الله ، ولما لم يقتل أعطاه الأمان ( 1 ) .


تحليل الأمثلة الثلاث

 1 - حكم الله في الثلاث في المثال الأول : حكم الله بنفاق قلب ثعلبة وأنه من الكاذبين . وفي المثال الثاني : بين الله أن الوليد بن عقبة فاسق وأنه من أهل النار وأنه لا محيد له عنها ولا مخرج له منها . وفي المثال الثالث : بين الله أن عبد الله بن أبي سرح افترى على الله الكذب ، وحاول أن يحرف كتاب الله وهو من أكثر الخلق ظلما وبين أن من المحال أن يهتدي لأن الله لا يهدي القوم الظالمين .


 2 - حكم أهل السنة في الثلاث هؤلاء الثلاثة من الصحابة ، فشروط الصحبة قد توفرت فيهم بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي وبما أنهم صحابة فهم عدول لا يجوز عليهم الكذب ومحكوم بنزاهتهم وهم من أهل الجنة ولا يدخل أحد منهم النار ، كيف لا و عبد الله بن أبي سرح وهو والي مصر لعثمان وأحد وزرائه ، وكذلك الوليد بن عقبة فهو والي الكوفة والذي صلى الصبح أربعا ولو طلبوا الزيادة لزادهم وهو وزير عثمان ووالي معاوية على المدينة .

ومن ينتقص من هؤلاء الثلاثة فهو زنديق ولا يواكل ولا يشارب ولا يصلى عليه إذا مات .

  ( 1 ) راجع السيرة الحلبية باب فتح مكة . ( * )  
 

- ص 44 -

 3 - الأولى بالتصديق أيهما الأولى بالتصديق : كتاب الله وحكمه أم التقليد الأعمى ؟ ومن هنا فإن نظرية عدالة كل الصحابة منقوضة من حيث الموضوع لأنها تتعارض مع النصوص القرآنية القاطعة وهذا التعميم - كل الصحابة عدول - يتعارض مع الأحكام الإلهية ويخالفها ( 1 ) .


 2 - نظرية عدالة كل الصحابة تتعارض مع السنة النبوية

المثال الأول ذو الثدية فقد كان من الصحابة المتنسكين وكان يعجب الناس تعبده واجتهاده ، وكان رسول الله يقول : إنه لرجل في وجهه لسعة من الشيطان . وأرسل أبا بكر ، ليقتله فلما رآه يصلي رجع ، وأرسل عمر فلم يقتله ثم أرسل عليا عليه السلام فلم يدركه ( 2 ) . وهو الذي ترأس الخوارج وقتله علي عليه السلام يوم النهروان ( 3 ) .


المثال الثاني كانت مجموعة من الصحابة يجتمعون في بيت أحدهم يثبطون الناس عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأمر من أحرق عليهم هذا البيت ( 4 ) .


المثال الثالث قزمان بن الحرث قاتل رسول الله في أحد قتال الأبطال ، فقال أصحاب النبي : ما أجزأ عنا أحد كما أجزأ عنا فلان . فقال النبي : أما إنه من أهل النار ، ولما أصابته الجراح وسقط قيل له هنيئا لك بالجنة يا أبا الفيداق . قال جنة من حرمل والله

  ( 1 ) أرجع للمراجع السابقة .
( 2 ) راجع الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص 439 .
( 3 ) راجع آراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي .
( 4 ) راجع سيرة ابن هشام ج 3 ص 235
 . ( * )
 
 

- ص 45 -

ما قاتلنا إلا على الأحساب ( 1 ) .

المثال الرابع الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس عم عثمان بن عفان ووالد مروان بن الحكم لعنه رسول الله ( 2 ) ولعن ما في صلبه وقال ويل لأمتي مما في صلب هذا .

ومن حديث عائشة أنها قالت لمروان أشهد أن رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه فنفاه النبي إلى مرج قرب الطائف وحرم عليه أن يدخل المدينة ، ولما مات رسول الله راجع عثمان أبا بكر ليدخله فرفض أبو بكر ، ولما مات أبو بكر راجع عثمان عمر ليدخله المدينة فأبى عمر ، ولما تولى عثمان الخلافة أدخله معززا مكرما وأعطاه مئة ألف درهم واتخذ مروان ابنه بطانة له وتسبب فيما بعد بقتل الخليفة وخراب الخلافة الراشدة .

وكان مروان يلقب بخيط باطل ثم خليفة المسلمين . يقول الشاعر :

لي الله قوما أمروا خيط باطل على * الناس يعطي من يشاء ويمنع ( 3 )


المثال الخامس وهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وقالوا : إنهم بنوا هذا المسجد تقربا لله تعالى وكانوا اثني عشر رجلا من الصحابة المنافقين ( 4 ) .


المثال السادس : لعن الرسول لبعض الصحابة قال الحلبي في رواية : صار ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " اللهم العن فلانا وفلانا " ( 5 ) .

وأخرج البخاري قال : حدثني سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله

  ( 1 ) راجع الإصابة ج 3 ص 235 وراجع آراء علماء المسلمين للسيد مرتضى ص 127 وما فوق .
( 2 ) راجع كنز العمال .
( 3 ) راجع مروج الذهب للمسعودي .
( 4 ) راجع سيرة بن هشام .
( 5 ) السيرة الحلبية ج 2 ص 234
 . ( * )
 
 

- ص 46 -

( صلى الله عليه وآله ) إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول : " اللهم العن فلانا وفلانا " بعد ما يقول : سمع الله لمن حمده .


وقال السيوطي وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم أحد : " اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحرث بن هشام ، اللهم العن سهيل بن عمرو واللهم العن صفوان بن أمية " .


قال السيوطي وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : كان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يدعو على أربعة نفر وكان يقول في صلاة الفجر : " اللهم العن فلانا وفلانا " ( 1 ) .


وأخرج نصر بن مزاحم المنقري عن عبد الغفار بن القاسم عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال : أقبل أبو سفيان ومعه معاوية ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " اللهم العن التابع والمتبوع ، اللهم عليك بالأقيص " فقال ابن براء لأبيه : من الأقيص قال : معاوية ( 2 ) .


وأخرج نصر عن علي بن الأقمر في آخر حديثه قال : فنظر رسول الله إلى أبي سفيان وهو راكب ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق ، فلما نظر إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " اللهم العن القائد والسائق والراكب " ، قلنا أنت سمعت رسول الله ؟ قال : نعم وإلا قصمت أذناي ( 3 ) .


وانظر إلى رسالة محمد بن أبي بكر الصديق التي وجهها لمعاوية فقد جاء فيها : وقد رأيتك تساميه وأنت أنت وهو هو أصدق الناس نية وأفضل الناس ذرية ، وخير الناس زوجة ، وأفضل الناس ابن عم أخوه الشاري بنفسه يوم مؤتة وعمه سيد الشهداء يوم أحد وأبوه الذاب عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ونحن حوزته . وأنت اللعين ابن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الغوائل وتجهدان في إطفاء نور الله تجمعان على ذلك الجموع وتبذلان فيه المال وتؤلبان عليه القبائل وعلى ذلك مات أبوك وعليه خلفته ( 4 ) .

ولم ينف معاوية لعنه ولا

  ( 1 ) الدر المنثور في التفسير المأثور ج د ص 71 .
( 2 ) وقعة صفين ص 217 تحقيق وشرح الأستاذ عبد السلام محمد هارون
( 3 ) وقعة صفين ص 220 .
( 4 ) راجع مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 14 وقد نقلت هذا المقتطف حرفيا
. ( * )
 
 

- ص 47 -

لعن أبيه مع أنه قد رد ردا بليغا على هذه الرسالة ( 1 ) .


دعوة لتحليل هذه الأمثلة

الأمثلة الست التي سقناها عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تنقض نقضا كاملا القول ( بأن كل الصحابة عدول ) . فمن يأمر الرسول بقتله ليس من العدول ومن يحرق عليهم رسول الله البيت ليسوا من العدول . ومن يقل عن الجنة جنة من ( حرمل ) ويقاتل على الأحساب ليس من العدول .

ومن يلعنه الرسول ويلعن ما في صلبه ليس من العدول . والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ليسوا من العدول . لأن القول بعدالتهم يتعارض مع السنة المطهرة . فالسنة المطهرة تنفي هذه العدالة ، والمقلدون تقليدا أعمى بعزلة عن التفكير يثبتونها فأيهما أولى بالتصديق سنة المصطفى أم تقليد المقلدين ؟


فلا خلاف بعدالة أفاضل الصحابة ، ولكن الخلاف يكمن في التعميم بالقول ( بأن كل الصحابة عدول ) والقول بالتعميم تنقضه السنة المطهرة لأنه يتعارض معها تعارضا كاملا .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب