- عدم تحريف القرآن - السيد علي الميلاني ص 26 :

البحث في سند الروايات :


حينئذ تصل النوبة إلى البحث عن سند تلك الروايات ، لأن الرواية إنما يصح الاستناد إليها في مسألة من المسائل ، في أي باب من الأبواب ، إنما يصح التمسك برواية إذا ما تم سندها ، وتمت دلالتها على المدعى .


فلو فرضنا أن الرواية لا تقبل الحمل على وجه من الوجوه المذكورة وغيرها من الوجوه ، فحينئذ تبقى الرواية ظاهرة في الدلالة على نقصان القرآن ، فتصل النوبة إلى البحث عن سندها . هنا نقطة الخلاف بيننا وبين أهل السنة ، ومع الأسف فإننا

وجدنا الروايات التي تدل دلالة واضحة على نقصان القرآن ولا تقبل الحمل على شئ من الوجوه الصحيحة أبدا ، وجدنا تلك الروايات كثيرة عددا وصحيحة سندا في كتب أهل السنة .


اللهم ، إلا أن نجد في المعاصرين - كما نجد من يقول بما نقول - بأن لا كتاب صحيح عند السنة من أوله إلى آخره أبدا ، ونحن أيضا منذ اليوم الأول قلنا بالنسبة إلى كتبهم : إنهم تورطوا عندما قالوا بصحة الكتب الستة ولا سيما الصحيحين ، ولا سيما البخاري ، بناءا على المشهور بينهم حيث قدموه على كتاب مسلم ، وقالوا بأنه
 

- ص 27 -

أصح الكتب بعد القرآن المجيد ، تورطوا في هذا . نعم ، نجد الآن في ثنايا كتب المعاصرين ، وفي بعض المحاضرات التي تبلغنا عن بعضهم ، أنهم ينكرون أو ينفون القول بصحة الكتابين أيضا ، وهذا يفتح بابا لهم ، كما يفتح بابا لنا .


وأما بناءا على المشهور بينهم من صحة الصحيحين والكتب الأربعة الأخرى ، بالإضافة إلى كتب وإن لم تسم بالصحاح إلا أنهم يرون صحتها ككتاب المختارة للضياء المقدسي ، الذي يرون صحته ، والمستدرك على الصحيحين ، حيث الحاكم يراه

صحيحا ، وغيره أيضا ، ومسند أحمد بن حنبل الذي يصر بعض علمائهم على صحته من أوله إلى آخره ، وهكذا كتب أخرى . فماذا يفعلون مع هذه الروايات ؟ وماذا يقولون ؟ روايات لا ريب في دلالتها على التحريف ، يعني كلما حاولنا أن نحملها على

بعض المحامل الصحيحة ونوجهها التوجيه الصحيح ، لا نتمكن . . . أما نحن ، فقد تقرر عندنا منذ اليوم الأول ، أن لا كتاب صحيح من أوله إلى آخره سوى القرآن ، هذا أولا .


وثانيا : تقرر عندنا أن كل رواية خالفت القرآن الكريم فإنها تطرح . . . نعم ، كل خبر خالف الكتاب بالتباين فإنه يطرح ، إن لم يمكن تأويله ، وفرضنا أن هذا القسم الأخير لا يمكن تأويله .

- ص 28 -

نعم في رواياتنا - ونحن لا ننكر - توجد روايات شاذة ، قليلة جدا ، هذه لا يمكن حملها على بعض المحامل . لكن هذه الروايات أعرض عنها الأصحاب ، السيد المرتضى رحمة الله عليه المتوفى قبل ألف سنة تقريبا يدعي الإجماع على عدم

نقصان القرآن ، مع وجود هذه الروايات الشاذة ، يدعي الإجماع على ذلك ، فيدل على إعراضهم عن هذه الروايات وعدم الاعتناء بها ، وكذلك الطبرسي في مجمع البيان ، والشيخ الطوسي في التبيان ، وهكذا كبار علمائنا ( 1 ) .

 

والأهم من ذلك كله ، لو أنكم لاحظتم كتاب الإعتقادات للشيخ الصدوق ( 2 ) ، فنص عبارته : ومن نسب إلينا أنا نقول بأن القرآن أكثر من هذا الموجود بين أيدينا فهو كاذب علينا . مع العلم بأن الصدوق نفسه يروي بعض الروايات الدالة على

التحريف في بعض كتبه ، وقد تقرر عندنا في الكتب العلمية أن الرواية أعم من الاعتقاد ، ليس كل راو لحديث يعتقد بما دل عليه الحديث ، يشهد بذلك عبارة الصدوق رحمة الله عليه الذي هو رئيس المحدثين ، فإنه قد يروي بعض الروايات التي هي بظاهرها

 

* هامش *

 

 

(1) راجع : التبيان في تفسير القرآن 1 / 3 ، مجمع البيان في تفسير القرآن 1 / 15 .
(2) الشيخ الصدوق أولا : يلقب برئيس المحدثين ، وثانيا : في كتابه الإعتقادات يذكر هذا المطلب ، وثالثا : الشيخ الصدوق من قدماء علمائنا . ( * )

 

- ص 29 -

تدل على نقصان القرآن ، لكنه يقول : من نسب إلينا أنا نقول بأن القرآن أكثر مما هو الآن بأيدينا فهو كاذب علينا .


إذن ، لا يقول بمضامين هذه الروايات ، فهذه نقطة أخرى . لقد تتبعت كتبنا منذ القديم ، كتبنا في الحديث ، كتبنا في التفسير ، كتبنا في علوم الحديث ، وفي الأصول أيضا ، وفي الفقه أيضا في أبواب القراءة حيث تطرح مسألة نقصان القرآن ، فلم أجد من علمائنا الكبار الذين يرجع إليهم ويعتمد عليهم في المذهب من يقول بنقصان القرآن بعدد أصابع اليد الواحدة .


إلا أنك إذا راجعت كتاب البخاري الذي التزم فيه بالصحة ، وإذا راجعت كتاب مسلم الذي التزم فيه بالصحة ، والكتب الأخرى ، ككتاب مسند أحمد وغيره وغيره . . . بل لقد ذكرت في كتابي في هذا الموضوع اسم أربعين عالما من كبار علماء القوم ،

 في مختلف القرون ، يروون أحاديث التحريف ، ومن بينهم أكثر من عشرة يلتزمون بصحة تلك الأحاديث التي رووها في كتبهم ، فلو أردنا أن ننسب هذا القول إلى قوم من المسلمين فبالأحرى أن ينسب إلى . . . أما نحن ، فلا نقول هكذا ، لأنه قد قلنا إن البحث على صعيد الأقوال يجب أن لا يختلط بالبحث على صعيد الأحاديث ، ففي
 

- ص 30 -

الأقوال نجدهم أيضا يدعون الإجماع على عدم نقصان القرآن .


إذن ، القرآن غير ناقص ، لا عندنا ولا عندهم ، ولو كان هناك قول فهو قول شاذ منا ومنهم ، لكن الروايات عندهم كثيرة ، وهي عندهم صحيحة ، أكثرها عن عمر بن الخطاب ، وعن عائشة ، وعن أبي موسى الأشعري ، وعن زيد بن ثابت ، وعن

عبد الله بن العباس ، وعن جماعة آخرين من كبار القراء عندهم ، من أبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، هم يروون تلك الأحاديث ، ولا يوجد عشر أعشارها في كتبنا .


إلا أن الطريق الصحيح أن نقول ببطلان هذه الأحاديث كما يقولون ، ويبقى عليهم أن يرفعوا اليد عن صحة الصحيحين والصحاح الستة ، فلو رفعوا اليد عن هذا المبنى المشتهر بينهم ، وأيضا رفعوا اليد عما اشتهر بينهم من عدالة الصحابة

أجمعين ، فلو أنا وجدناهم لا يقولون بعدالة الصحابة ، ووجدناهم لا يقولون بصحة الصحيحين أو الصحاح ، ارتفع النزاع بيننا وبينهم ، لأن النزاع سيبقى في دائرة الروايات الموجودة في كتبهم ، إذ المفروض أنهم على صعيد الأقوال لا يقولون بتحريف القرآن ، وإن كنت عثرت على أقوال أيضا منهم صريحة في كون القرآن ناقصا .



 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب