|
القول
الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 103 |
|
الفصل
الثاني الروايات المتكلم فيها
‹ صفحة 105 ›
الفصل
الأول : في نبذ من الروايات المشار إليها مع قطع النظر
عن التعرض لحال رواتها مما يشهد مضامينها بما فيها .
حديث :
خطبة عائشة فمنها : ما رواه في كتاب النكاح عن عروة أن
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خطب عائشة ، فقال
له أبو بكر : إنما أنا أخوك ، فقال : « أنت أخي في دين
الله وكتابه وهي لي حلال »
( 1 ) .
واستشكل بعض
علماء العامة ، وهو المغلطاي بن قليج الحنفي ، فإنه
قال : في صحة هذا الحديث نظر ، لأن الخلة لأبي بكر
إنما كانت بالمدينة وخطبة عائشة كانت بمكة ! فكيف
يلتئم قوله : إنما أنا أخوك ؟
وأيضا : فالنبي - صلى
الله عليه وآله وسلم - ما باشر الخطبة بنفسه كما أخرجه
ابن أبي عاصم من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن خاطب عن
عائشة أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أرسل خولة
بنت حكيم إلى أبي بكر يخطب عائشة فقال لها أبو بكر وهي
لا تصلح له انما هي بنت أخيه ، فرجعت ، فذكرت ذلك
للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فقال : ارجعي
فقولي له أنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي . فاتت
أبا بكر فذكرت ذلك له فقال : ادعي رسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم - فجاء فأنكحته
( 2 ) .
| |
1 . صحيح البخاري كتاب النكاح باب تزويج الصغار
رقم 5081 . - 2 . فتح الباري 11 : 26 .
|
|
|
وأثنى
السيوطي في « حسن المحاضرة » على هذا الرجل ،
( 1 )
وقال : الإمام الحافظ علاء الدين ، ولد سنة تسع
وثمانين وستمائة
( 2 )
.
وكان
حافظا عارفا بفنون الحديث ، علامة في الأنساب ، وله
أكثر من مائة مصنف كشرح البخاري وشرح ابن ماجة وغير
ذلك مات في سنة 762 هـ
( 3 ) .
وأجاب عن هذا الإشكال العسقلاني في فتح
الباري بما لفظه ، قلت : اعتراضه الثاني يرد اعتراضه
الأول بوجهين :
أحدهما : أن المذكور في الحديث الأخوة
، وهي أخوة الدين والذي اعترض به الخلة ، وهي أخص من
الاخوة ، ثم الذي وقع بالمدينة هو قوله - صلى الله
عليه وآله وسلم - : لو كنت متخذا خليلا . . . الحديث .
الماضي في المناقب من رواية أبي سعيد فليس فيه إثبات
الخلة إلا بالقوة لا بالفعل .
الوجه الثاني : أن في
الثاني إثبات ما نفاه في الأول ، والجواب عن اعتراضه
بالمباشرة امكان الجمع ، بأنه خاطبه بذلك بعد أن
أرسلها
( 4 )
.
| |
1 . المغلطاي .
2 . وقيل : سنة 690 ، وقيل غير
ذلك .
3 . مغلطاي بن قليج بن عبد الله علاء الدين ،
البكجري : امام وقته وحافظ عصره ، صنف الكثير ، فمن
ذلك « شرح البخاري » نحو عشرين مجلدا ، و « اكمال
تهذيب الكمال » ثلاثة عشر مجلدا ، وشرح قطعة من سنن
ابن ماجة في خمس مجلدات ، وغير ذلك من التصانيف ، كان
من علماء الحنفي المذهب ، مات سنة 762 ه وتصانيفه
أكثر من مائة ، وكان عارفا بالأنساب معرفة جيدة . أنظر
: الدرر الكامنة 4 : 352 ، البداية والنهاية 14 : 282
، وتاج التراجم : 268 رقم 301 ،
ذيل تذكرة الحفاظ :
365 ، طبقات الحفاظ : 538 ،
شذرات الذهب 6 : 197 ،
هدية العارفين 2 : 467 .
4 . فتح الباري 11 : 26 .
|
|
|
أقول :
توضيح إيراد المورد بحيث يظهر منه سقوط هذا الجواب
وفساده ، أن مراد أبي بكر بقوله : إنما أنا أخوك ماذا
؟ فإن أراد الأخوة الثابتة بمقتضى الإسلام ، حيث أن
المؤمنين بعضهم أخوة بعض ، لزم منه اعتقاد بطلان نكاح
المسلمين والمسلمات ، وبطلان الأنكحة السابقة الواقعة
في هذه الشريعة ، بل في جميع الشرايع ، وانسداد باب
التناكح بين المسلمين بالمرة .
وهذا مما لا يمكن أن
ينسب إلى بليد أحمق ، ويتأنف عن احتماله كل سفيه أخرق
، فكيف يعتقده الخليفة الذي هو في غاية الدهاء
والفراسة ؟ ! وان أراد منه الاخوة الثابتة له بالخصوص
بتخصيص من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بذلك
فهذا التخصيص قد ثبت في حديث الخلة بالمدينة ، وهو
متأخر عن تزويج عائشة ! فكيف يقوله أبو بكر بمكة ؟
وحديث الخلة ، المشتمل على تخصيصه بالاخوة رواه
البخاري في باب المناقب بطرق عديدة :
منها : ما عن أبي
سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا
بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ومودته
( 1 )
.
ومنها :
ما عن ابن عباس : لو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت
أبا بكر ، ولكن أخي وصاحبي
( 2 )
.
| |
1 . صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة باب 3 ،
رقم 3654 . - 2 . المصدر السابق : باب 5 ، رقم 3656 .
|
|
|
وتوضيح
الإيراد الثاني : ان ظاهر ما رواه البخاري أنه - صلى
الله عليه وآله وسلم - باشر الخطبة بنفسه وهو ينافي ما
في الرواية الأخرى ، أنه أرسل خولة لخطبتها ، ولا يمكن
الجمع أيضا ، فإنه بعد أن عرف أبو بكر أن أخوة الإسلام
لا تمنع من التزويج بما ذكرت له خولة ، وبلغت إليه من
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كيف شافه النبي -
صلى الله عليه وآله وسلم - ثانيا بهذا التوهم الفاسد
والاعتقاد الكاسد ؟ إذا عرفت هذا ظهر لك فساد ما أجاب
به العسقلاني ، فإن قوله المذكور في حديث الاخوة ، وهي
أخوة الدين ، والذي اعترض به الخلة وهي أخص من الاخوة
، في غاية الضعف والبطلان ، وناش من عدم فهم مرام
المورد ، حيث أن المورد حمل الاخوة على الاخوة الخاصة
الثابتة لأبي بكر لتخصيص لما في الحمل على الاخوة
العامة في الدين من الشناعة .
وذكر أن هذه الاخوة
الخاصة ثابتة في حديث الخلة ، وهو بالمدينة ولشهرة هذا
الحديث اكتفى بقوله : أن الخلة كانت بالمدينة ، ولم
يرد أن الخلة هي الاخوة حتى يورد عليه بأنها غيرها ،
وأنها أخص منها .
ولما رأى المورد ان رعاية جانب
الخليفة أولى من البخاري احتمل أن يكون مراد الخليفة
الاخوة في الدين فاستشكل في حديث البخاري وصحته ! فان
من ابتلى ببليتين يختار أهونهما ، والعسقلاني غفل عن
ذلك كله وتفوه بما لا محصل له .
بل يزيد
الأمر به
شناعة ، من أن المراد الاخوة في الدين ، وأن الخلة غير
الاخوة مع أن حديث الخلة مما تعرض هو لشرحه ، وكان حين
الجواب بباله حتى أنه أشار إليه بقوله : الحديث الماضي
في المناقب عن أبي سعيد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وأما
جوابه عن الإشكال الثاني : بامكان الجمع ، فقد عرفت ما
فيه ، فلابد له من تكذيب الحديث أو تحميق الخليفة
وتضليله ، فإن اختار الأول فقد أجاد ، وان أصر على
العناد وقدح في الخليفة الغير السالك مسلك السداد ،
فهذا هو عين المراد لأهل الرشاد وأشهى إلينا من تكذيب
حديث صحيح إمامهم العماد .
|