القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 116

حديث : إحراق بيت النملة

ومنها : رواه في كتاب بدء الخلق ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال حدثني مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة ، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ، ثم أمر ببيتها فاحرق بالنار ، فأوحى الله تعالى إليه : فهلا نملة واحدة ؟ ( 2 )

 

 2 . صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ، باب خمس من الدواب فواسق رقم 3319 .

 
 

- ص 117 -

ويكفي في بطلانه ما ذكره الفخر الرازي تشنيعا على الشيعة من أنهم في طعنهم على الصحابة أقل ادراكا وشعورا من نملة سليمان حيث أنها علمت أن أصحاب سليمان بمجرد إدراكهم صحبته النبي في مدة قليلة لا يعتمدون اهلاك النمل وحطمها ، واحتملت أن يقع منهم لا عن التفات ، فلذا قيده بقولها : ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) ( 1 ) .

واستحسن هذا الكلام بعض أعيان متأخري العامة ، وهو صاحب التحفة الاثني عشرية ، قال في مقام تسفيه من يطعن على الصحابة ما هذا لفظه : . . . ( 2 ) .

 

 1 . النمل : 18 .
 2 . تحفه اثنى عشرية : 193 ، وقد ذكر عبارته باللغة الفارسية نأتي بتعريبها : وفي هذا المقام للإمام الفخر الرازي كلام في غاية المتانة ، وأوقع في النفوس والأذهان ، فإنه قال : أن الروافض عندي أقل قدرا من النملة التي كانت في قصة سليمان ، من جهة العقل وحسن الإعتقاد بنبيهم ، لأنها قالت عند رؤية الجنود : ( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أي أدخلوا في مساكنكم حتى لا تقتلوا تحت أقدام جنود سليمان سهوا . وقد علمت النملة أن جنود سليمان لا يتعمدون ولا يظلمون أحدا ، لأنهم قد تهذبوا وتأدبوا بقليل صحبتهم النبي ، وبذلك لا يظلمون متعمدين النملة الضعيفة ولا يقتلونها .

وأما الروافض ، فإنهم لا يفهمون ذلك أبدا ، لأنهم يقولون : ان صحبة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا تؤثر في نفوس أصحابه بمثل ما تؤثر صحبة سليمان في جنوده ، مع أنه كان أفضل الأنبياء فلابد أن تكون أكثر تأثيرا في نفوس أصحابه لا سيما في كبارهم الملازمون له ، حتى الذي كان معه في الغار ورفيقه في الشدائد ، ولا تؤثر صحبته فيهم حتى يذهب عنهم الشيطنة والشرارة ، بل أنهم مع ذلك كله قد ارتكبوا أكثر من غيرهم الفضائح ، حتى آذوا ابنته وصهره وبني ابنته الذين كانوا من بعد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يتامى بلا ناصر ومعين ، فظلموا وأوذوا بأيدي خيار أصحابه ، أحرقوا دارهم وهتكوا قدرهم ، أخذوا ما بأيديهم من الأراضي والضياع وما تكون بها وجوه معائشهم ، ولا يزال في إيذائهم . معاذ الله من ذلك .

يلاحظ عليه : أن الفخر ومؤيده صاحب التحفة وغيرهما لا يفهمون أن في الموارد الكثيرة من الكتاب والسنة ما ينافي ويناقض مدعاهم ، لأن تمامية التأثير للمقتضي من دون نظر إلى فقد المانع غير معقول . فإن التزم الفخر وغيره بتمامية التأثير للمقتضي دون فقد الموانع فقد التزموا في الواقع بأمور مستحيلة ، ومثلها ما في امرأة نوح وامرأة لوط اللتين ( كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا ) ، التحريم : 10 -

وهكذا في الآية المباركة ( إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) التحريم : 4 - على ما في تفسير الآية عن عمر بن الخطاب أنهما عائشة وحفصة ، ولا تؤثر فيهما صحبة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وهل ذلك لقصور المقتضي أعني وعظ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إياهما ; أم لوجود المانع للإتعاظ فيهما ؟ وهكذا قول أبي بكر : إن لي شيطانا يعتريني ، فإن اعتراه الشيطان وارتكب متعمدا جناية فالارتكاب معلول قصور المقتضي لوعظ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أو لموانع في نفسه ، حيث قال في أواخر أيامه : « وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة » المعجم الكبير للطبراني 1 : 62 ، كتاب الأموال لأبي عبيد : 174 ، ميزان الإعتدال 3 : 108 ، رقم 5763 ، لسان الميزان 4 : 706 رقم 5752 .

وما ذكر في التفاسير المعتبرة من النفاق في جماعة أدركوا صحبة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وصلوا خلفه ، ثم تركوه واشتغلوا باللهو والتجارة كما في سورة الجمعة : ( وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) .

 
 

- ص 118 -

فإذا كان حطم النمل التي تقع تحت الأقدام ممتنعا من جنود النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عمدا فامتناع اهلاكها واحراقها من نفس النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أولى ، فلينظر العاقل أن هؤلاء القوم المصححين لروايات البخاري الموجبة لإثبات أمثال هذا على الأنبياء عليهم السلام أولى بالتسفيه والتحميق أو من يطعن على جماعة من الصحابة بالنصوص الثابتة الصحيحة عند الفريقين المروية في أسفار الفريقين .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب