|
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني -
ص 120 |
|
حديث :
ليلة الإسراء
ومنها : قصة
الإسراء ، قال : حدثنا عبد
العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني سليمان عن شريك بن
عبد الله ، أنه قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ليلة
أسري برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من مسجد
الكعبة ، « أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحي إليه وهو
نائم في المسجد الحرام . فقال : أولهم : أيهم هو ؟
فقال أوسطهم : هو خيرهم ، فقال آخرهم : خذوا خيرهم .
فكانت تلك الليلة ، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما
يرى قلبه ، وتنام عينه ولا ينام قلبه .
وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم
يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم
جبرئيل ، فشق جبرئيل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من
صدره وجوفه ، فغسله من ماء زمزم بيده ، حتى أنقى جوفه
، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوا إيمانا
وحكمة ، فحشا به صدره ولغاديده - يعني : عروق حلقه -
ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابا من
أبوابها فناداه أهل السماء : من هذا ؟ فقال : جبرئيل ،
فقالوا : ومن معك ؟ قال : معي محمد ، قال : وقد بعث
إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : فمرحبا به وأهلا إلى آخر
ما ذكره
( 1 )
.
وأورده مسلم أيضا في صحيحه ، وقال
النووي في شرح مسلم ، قوله ذلك : قبل أن يوحي إليه :
وهو غلط لم يوافق عليه ، فإن الإسراء أقل ما قيل فيه ،
أنه كان بعد مبعثه - صلى الله عليه وآله وسلم - بخمسة
عشر شهرا .
وقال الحربي : كان ليلة سبع وعشرين من شهر
ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة .
وقال الزهري : كان ذلك
بعد مبعثه بخمس سنين ، وقال ابن إسحاق : أسري به وقد
فشا الإسلام بمكة والقبائل ، وأشبه هذه الأقوال قول
الزهري ، وابن إسحاق ، إذ لم يختلفوا أن خديجة رضي
الله عنها صلت معه بعد فرض الصلاة عليه ، ولا خلاف في
أنها توفيت قبل الهجرة بمدة ثلاث سنين وقيل بخمس .
| |
1 . صحيح البخاري كتاب التوحيد باب
قوله تعالى ( وَكَلَّمَ اللَّهُ
مُوسَى تَكْلِيمًا ) -
النساء : 164
- رقم 7517 ، وكتاب المناقب باب كان النبي - صلى الله
عليه وآله وسلم - تنام عينه ولا ينام قلبه ، رقم 3570
. |
|
|
ومنها : أن العلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة
الإسراء فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه ؟ !
وأما قوله
: في رواية شريك ، وهو نائم ، وفي الرواية الأخرى :
بينا أنا عند البيت ، بين النائم واليقظان ، فقد يحتج به من يجعلها رؤية نوم ، ولا حجة فيه ، إذ قد يكون ذلك
حالة أول وصول الملك إليه ، وليس في الحديث ما يدل على
كونه نائما في القصة كلها .
هذا الكلام للقاضي رحمه
الله ، وهذا الذي قاله في رواية شريك ، وان أهل العلم
أنكروها ، قد قاله غيره ، وذكر البخاري رواية شريك هذه
عن أنس في كتاب التوحيد في صحيحه وأتى بالحديث مطولا .
قال الحافظ عبد الحق في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد
ذكر هذه الرواية : هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية
شريك بن أبي نمر ، عن أنس وقد زاد فيه زيادة مجهولة ،
وأتى فيه بألفاظ غير معروفة ، وقد روى حديث الإسراء
جماعة من الحفاظ المتقنين عن الأئمة المشهورين ، كابن
شهاب ، وثابت البناني ، وقتادة ، يعني عن أنس : فلم
يأت أحد منهم بما أتى به شريك وشريك ليس بالحافظ عند
أهل الحديث ، قال : والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي
المعول عليها
( 1 )
.
وقال الكرماني في الكواكب
الدراري : قال النووي : جاء في رواية شريك أوهام
أنكرها العلماء ، في جملتها أنه قال : « ذلك قبل أن
يوحي إليه » ، وهو غلط لم يوافق عليه .
| |
1 . صحيح مسلم بشرح النووي 2 : 209 -
210 . |
|
|
وأيضا العلماء أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة
الإسراء فكيف يكون قبل الوحي . أقول : وقول جبرئيل في
جواب بواب السماء ، إذ قال : أبعث ؟ قال : نعم ، صريح
في أنه كان بعده
( 1 )
.
وقال ابن القيم في زاد المعاد
: فصل قال الزهري : عرج برسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - إلى بيت المقدس والى السماء قبل خروجه إلى
المدينة بسنة .
وقال ابن عبد البر وغيره : كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران ، وكان
الإسراء مرة واحدة
وقيل مرتين ، مرة يقظة ومرة مناما ، وأرباب هذا القول
كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله : ثم
استيقظت ، وبين سائر الروايات .
ومنهم من قال : بل كان
هذا مرتين ، مرة قبل الوحي بقوله : في حديث شريك : «
وذلك قبل أن يوحى إليه » ومرة بعد الوحي ، كما دلت
عليه سائر الأحاديث .
ومنهم من قال : بل ثلاث مرات ،
مرة قبل الوحي ، ومرتين بعده .
وكل هذا خبط ، وهذه
طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رؤا في
قصة لفظ تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى ،
فكلما اختلف عليهم الروايات عددوا الوقائع .
والصواب
الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة
بعد البعثة ، ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا ،
كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في
| |
1 . الكواكب الدراري 25 : 204 .
|
|
|
كل مرة تفرض عليه
الصلاة خمسين ، ثم يتردد بين ربه وبين موسى ، حتى تسير
خمسا ، ثم يقول : « أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ، ثم
يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ، ثم يحطها عشرا
عشرا ، وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء
( 1 ) .
| |
1 . زاد المعاد 3 : 41
- 42 .
|
|
|
|