|
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني -
ص 132 |
|
حديث امتناع علي بن أبي طالب عن صلاة الليل
ومنها : ما
أورده في غير موضع منه مما يدل على امتناع أمير
المؤمنين علي - عليه السلام - عن صلاة الليل ، أعني
التهجد ، واحتجاجه على تركها بشبهة الجبرية التي لا
يسوغ لأحد التمسك بها وان كان قائلا بالخبر كما ستعرف
في كلامهم . قال البخاري في باب تحريص النبي - صلى
الله عليه وآله وسلم - على صلاة الليل والنوافل : عن
الزهري أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن
علي بن أبي طالب أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - طرقه وفاطمة بنت النبي فقال : لا تصليان ؟
فقلت يا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنفسنا
بيد الله لو شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم - حين قلت له ولم يرجع الي ، ثم
سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول : كان الإنسان أكثر شيء
جدلا
( 1 )
، وأورده أيضا في كتاب التفسير في باب «
وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ
شَيْءٍ جَدَلا »
( 2 )
.
وأورده أيضا في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة
( 3 )
.
وأورده أيضا في
كتاب رد الجهمية وغيرهم في باب المشية والإرادة
( 4 )
.
وذكر جماعة من متأخري العامة هذا الخبر الموضوع في
مقابل الرواية الصحيحة الثابتة بطرقهم وطرق الشيعة ،
من أن عمر رد على الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -
في قوله : ايتوني بدواة وقرطاس ونسبته إلى الهجر ،
فقالوا : كما وقع من عمر هذا فقد وقع من علي - عليه
السلام - ، فما هو الجواب هنا هو جوابنا ثمة ! .
ولعمري أن هذه المعارضة والمقابلة غاية الحماقة ونهاية
الخرافة ، إذ فيها مضافا إلى وجوه الفرق بين القضيتين
أن هذا الخبر من موضوعات عهد بني أمية ولم يرد في كتاب
من كتب الشيعة .
والاستشهاد برواية البخاري كاستشهاد
ابن آوى بذنبه ، بل هو مخالف لما ثبت وصح في كتب
الفريقين من كثرة عبادته - عليه السلام - حتى قال
جماعة من العامة ، منهم ابن أبي الحديد : أن الناس
تعلموا منه المواظبة على صلاة الليل والعبادات .
| |
1 . صحيح البخاري باب 5 ، تحريص النبي
على صلاة الليل رقم 1127 .
2 . نفس المصدر : سورة
الكهف باب 1 ، رقم 4724 .
3 . نفس المصدر : باب 17 ، رقم 7347 .
4 . نفس المصدر : كتاب التوحيد باب 31 ، رقم 7465 . |
|
|
|
بل بعد تسليم الخبر أيضا لا معنى للمعارضة ، قال ابن
حجر ردا على ابن بطال ، ما لفظه : ومن أين له أن عليا
لم يمتثل ما دعاه الله ، فليس في القصة تصريح بذلك
وانما أجاب علي بما ذكر اعتذارا عن تركه القيام بغلبة
النوم ولا يمتنع أنه صلى عقيب هذا المراجعة وليس في
الخبر ما ينفيه .
ولننقل بعض كلمات ابن تيمية في
المنهاج مما يعلم منه غاية نصبه وشقاوته وضلالته
وانهماكه في عداوته حيث أنه أطال الكلام في مواضع
عديدة من كتابه في بطلان التمسك بشبهة القدر وأن
بطلانها ضروري ثم نسب صريحا التمسك بها إلى أمير
المؤمنين - عليه السلام - قال : الاحتجاج بالقدر حجة
باطلة داحضة باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين
والمحتج به لا يقبل من غيره مثل هذه الحجة ، إذا احتج
بها في ظلم ظلمه إياه وترك ما يجب عليه من حقوقه ، بل
يطلب منه ماله عليه ويعاقبه على عدوانه عليه ، وانما
هو من جنس شبه السوفسطائية التي تعرض في العلوم ، فكما
انك تعلم فسادها بالضرورة وان كانت تعرض كثيرا لكثير
من الناس حتى قد يشك في وجود نفسه ، وغير ذلك من
المعارف الضرورية ، فكذلك هذا يعرض في الأعمال حتى يظن
أنها شبهة في إسقاط الصدق والعدل الواجب وغير ذلك ،
وإباحة الكذب والظلم وغير ذلك .
ويعلم بالضرورة ان هذه
شبهة باطلة ، ولهذا لا يقبلها أحد عند التحقيق ولا
يحتج بها أحد الا مع عدم علمه بالحجة بما فعله ، فإذا
كان معه علم بان ما فعله هو المصلحة وهو المأمور ، وهو
الذي ينبغي فعله ، لم يحتج بالقدر وكذلك إذا كان معه
علم بان الذي لم يفعله ليس عليه أن يفعله أو ليس
بمصلحة أو ليس هو مأمورا به لم يحتج بالقدر ، بل اذا
كان متبعا لهواه بغير علم احتج بالقدر ، ولهذا
قال المشركون : ( لَوْ شَاء
اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ
حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ) قال الله تعالى :
( هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ
فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ
وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ
*
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء
لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ )
( 1 )
فان هؤلاء المشركين يعلمون بفطرتهم وعقولهم أن
هذه الحجة داحضة وباطلة فان أحدهم لو ظلم الاخر ، أو
حرج في ماله ، أو فرج امرأته ، أو قتل ولده ، أو كان
مصرا على الظلم فنهاه الناس عن ذلك فقال : لو شاء الله
لم أفعل هذا ، لم يقبلوا منه هذه الحجة ولا هو يقبلها
من غيره ، وانما يحتج بها المحتج رفعا للوم بلا وجه .
فقال الله لهم : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ بأن
هذا الشرك والتحريم من أمر الله وأنه مصلحة ينبغي فعله
، ان تتبعون إلا الظن ، فإنه لا علم عندكم بذلك ، ان
تظنون ذلك الا ظنا وان أنتم إلا تخرصون تحرزون وتفترون
، فعمدتكم في نفس الأمر ظنكم وخرصكم ليس في عمدتكم في
نفس إلا وكون الله شاء ذلك وقدره .
فإن مجرد المشية
والقدرة لا تكون عمدة لأحد في الفعل ولا حجة لأحد على
أحد ولا عذرا لأحد إذ الناس كلهم مشتركون في القدر ،
فلو كان هذا حجة وعمدة لم يحصل فرق بين العادل والظالم
والصادق والكاذب والعالم والجاهل والبر والفاجر ، ولم
يكن فرق بين ما يصلح الناس من الأعمال وما يفسدهم وما
ينفعهم وما يضرهم .
وهؤلاء المشركون المحتجون بالقدر
على ترك ما أرسل الله به رسله من
| |
1 . الأنعام : 148 - 149 .
|
|
|
توحيده والإيمان به لو احتج به بعضهم على بعض في سقوط
حقوقه ومخالفة أمره لم يقبله منه ، بل كان هؤلاء
المشركون يذم بعضهم بعضا ويعادي بعضهم بعضا ، ويقاتل
بعضهم بعضا ، على فعل ( ما يرونه )
( 1 )
تركا لحقهم أو ظلما ، فلما جاءهم رسول الله - صلى الله
عليه وآله وسلم - يدعوهم إلى حق الله على عبادة وطاعة
أمره احتجوا بالقدر ( 2 )
.
وقال في موضع آخر : وهذا السؤال
أعني لزوم إفحام الأنبياء في جواب الكفار ، انما يتوجه
على من يسوغ الاحتجاج بالقدر ويقيم عذر نفسه أو غيره ،
إذا عصى بأن هذا مقدر علي ، ويرى أن شهود هذا هو شهود
الحقيقة ، أي الحقيقة الكونية .
وهؤلاء كثيرون في
الناس وفيهم من يدعي أنه من الخاصة العارفين أهل
التوحيد الذين فنوا في توحيد الربوبية ، ويقولون : أن
العارف إذا فنى في شهود توحيد الربوبية ، لم يستحسن
حسنه ولم يستقبح قبحه
( 2 )
، ويقول بعضهم من شهد
الإرادة سقط عنه الأمر ، ويقول بعضهم الخضر عليه
السلام سقط عنه التكليف لأنه شهد الإرادة .
وهذا الضرب
كثير في متأخري الشيوخ النساك والصوفية والفقراء بل في
الفقهاء والأمراء والعامة ، ولا ريب أن هؤلاء شر من
المعتزلة والشيعة الذين يقرون بالأمر والنهي وينكرون
القدر وبمثل هؤلاء طال لسان المعتزلة والشيعة في
المنتسبين إلى السنة .
| |
1 . من يريد ، ن خ . 2 .
منهاج السنة 2
: 2 - 3 . 2 . سيئته ، نخ . |
|
|
فان من أقر بالأمر والنهي والوعد والوعيد وفعل
الواجبات وترك المحرمات ولم يقل أن الله خلق أفعال
العباد ولا يقدر على ذلك ولا شاء المعاصي ، هو قد قصد
تعظيم الأمر وتنزيه الله تعالى عن الظلم وإقامة حجة
الله على نفسه لكن ضاق عطنه فلم يحسن الجمع بين قدرة
الله التامة وبين المشية العامة ، وخلقه الشامل وبين
عدله وحكمته ، وأمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فجعل الله
الحمد ولم يجعل له تمام الملك .
والذين اثبتوا قدرته
ومشيته ، وخلقه وعارضوا بذلك أمره ونهيه ووعده ووعيده
شر من اليهود والنصارى كما قال هذا المصنف
( 1 )
.
فان
قولهم يقتضي إفحام الرسل ، ونحن انما نرد من أقوال هذا
وغيره ما كان باطلا ، وأما الحق فعلينا أن نقبله من كل
قائل وليس لأحد أن يرد بدعة ببدعة ولا يقابل باطلا
بباطل .
والمنكرون للقدر وان كانوا في بدعة فالمحتجون به على
الأمر أعظم بدعة وان كان أولئك يشبهون المجوس
فهؤلاء يشبهون المشركين المكذبين للرسل ، الذين قالوا
: لو شاء الله ما أشركنا ولا آبائنا ولا حرمنا من دونه
من شيء .
وقد كان في أواخر عصر الصحابة رضي الله عنهم
جماعة من هؤلاء القدرية ، وأما المحتجون بالقدر على
الأمر فلا يعرف لهم طائفة من طوائف المسلمين معروفة
وانما كثروا في المتأخرين
( 2 )
.
وهذه الكلمات كلها
كما ترى تسليم التشنيعات التي أوردها العلامة قدس
| |
1 . يعني العلامة رحمه الله .
- 2 .
منهاج السنة 2 : 8 . |
|
|
سره على العامة أعني على الأشاعرة ، منهم الذين هم
الأكثرون عددا وعدة ، ومع هذا كله قال هذا الناصب ما
نقلنا عنه ، أولا ما هذا لفظه : ثم يعلم ان هذه الحجة
باطلة بصريح العقل ، عند كل أحد مع الإيمان بالقدر ،
وبطلان هذه الحجة لا يقتضي التكذيب بالقدر ، وذلك أن
بني آدم مفطورون على احتياجهم إلى جلب المنفعة ودفع
المضرة ، ولا يعيشون ولا يصلح لهم دين ولا دنيا إلا
بذلك .
فلابد أن يتأمروا بما فيه محصل منافعهم ودفع
مضارهم ، سواء بعث إليهم رسول أم لم يبعث ، لكن علمهم
بالمنافع والمضار بحسب عقولهم وقصودهم ، والرسل صلوات
الله عليهم ، بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل
المفاسد وتقليلها .
فاتباع الرسل أكمل الناس في ذلك ،
والمكذبون للرسل انعكس الأمر في حقهم ، فصاروا يتبعون
المفاسد ويعطلون المصالح ، فهم شر الناس ، ولابد لهم
مع ذلك من أمور يجتلبونها وأمور يجتنبونها ، وأن
يتدافعوا جميعا ما يضرهم من الظلم والفواحش ونحو ذلك .
فلو ظلم بعضهم بعضا في دمه ، أو ماله ، أو حرمه ، فطلب
المظلوم الاقتصاص والعقوبة ، لم يقبل أحد من ذوي
العقول احتجاجه بالقدر ، ولو قال : اعذروني ، فان هذا
كان مقدرا علي ، لقالوا : وأنت لو فعل بك ذلك ، فاحتج
عليك ظالمك بالقدر ، لم تقبل منه ، وقبول هذه الحجة
يوجب الفساد الذي لا صلاح معه ، وان كان الاحتجاج
بالقدر مردودا في فطر جميع الناس وعقولهم ، مع ان
جماهير الناس مقرون بالقدر ، علم أن الإقرار بالقدر لا
ينافي دفع الاحتجاج به ، بل لابد من الإيمان به ،
ولابد من رد الاحتجاج به .
ولما كان الجدل ينقسم إلى
حق وباطل وكان من لغة العرب : أن الجنس ، إذا انقسم
إلى نوعين : أحدهما أشرف من الآخر ، خصوا الأشرف باسم
الخاص ، وعبروا عن الآخر ، باسم العام ، كما في لفظ
الجائز العام والخاص ، والمباح العام والخاص ، وذوي
الأرحام العام والخاص ، ولفظ الجواز ، العام والخاص ،
ويطلقون لفظ الحيوان على غير الناطق ، لاختصاص الناطق
باسم الإنسان غلبوا في لفظ الكلام والجدل ، فلذلك
يقولون : فلان صاحب كلام ومتكلم ، إذا كان قد يتكلم
بلا علم ، ولهذا ذم السلف ، أهل الكلام والجدل.
فإذا
لم يكن الكلام بحجة صحيحة ، لم يكن الا جدلا محضا ،
والاحتجاج بالقدر من هذا الباب ، كما في الصحيح عن علي
رضي الله عنه قال : طرقني رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - وفاطمة فقال : ألا تقومان فتصليان ، فقلت
: يا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إنما
أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا ، قال فولى
وهو يقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ، فإنه لما
أمرهم بقيام الليل فاعتل علي بالقدر ، وأنه لو شاء
الله لايقظنا ، علم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -
ان هذا ليس فيه إلا مجرد الجدل الذي ليس بحق ، فقال :
وكان الإنسان أكثر شيء جدلا
( 1 )
.
وأنا والله استحيي
من بيان لوازم كلامه الميشوم سيما بعد ضم بعضها إلى
بعض ، وتعصبات هذا الملحد الزنديق وتحاملاته كثيرة لم
أر أحدا من علماء العامة بلغ مبلغه في التعصب وتجاسر
على بعض ما صدر عنه ، وقد تقدم كلامه في حجية أقوال العترة الطاهرة .
| |
1 . منهاج السنة 2 : 10 - 11 .
|
|
|
وبلغ من تعصبه إلى أن صنف رسالته في فضل معاوية ويزيد
، كما ذكره صلاح الدين في فوات الوفيات المذيل على
تاريخ ابن خلكان ، فإنه اثنى عليه أولا بأوصاف جميلة ،
فقال : شيخنا الإمام الرباني إمام الأئمة ومفتي الأمة
وبحر العلوم سيد الحفاظ وفارس المعاني والألفاظ فريد
العصر وقريع الدهر شيخ الإسلام قدوة الأنام علامة
الزمان وترجمان القرآن علم الزهاد وأوحد العباد قامع
المبتدعين وآخر المجتهدين نزيل دمشق صاحب التصانيف
التي لم يسبق إلى مثلها ثم ضيع ست ورقات تقريبا في
أحواله ثم عد من مصنفاته رسالة في فضل معاوية وابنه
يزيد
( 1 )
.
| |
1 . فوات الوفيات 1 : 74 - 77 .
|
|
|
|