القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 157

أبو حنيفة يكذب حديث أبي هريرة

ومنها : ما أورده في كتاب الأشربة عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : لا يزني حين يزني وهو مؤمن ( 2 ) الحديث .

وبالغ إمامهم الأعظم أبو حنيفة في رد هذا الخبر وتكذيبه والطعن عليه ، قال في كتاب العالم والمتعلم من تصانيفه على ما نص عليه الكفوي في كتاب الأعلام الأخبار ، ما لفظه : قال المتعلم أي أبو مطيع البلخي : ما قولك في أناس رووا أن المؤمن إذا زنى خلع الإيمان من رأسه كما يخلع القميص ، ثم إذا تاب أعاد إليه إيمانه ؟ أتشك في قولهم أو تصدقهم ؟ فان صدقت قولهم دخلت في قول الخوارج ، وان شككت في قول الخوارج ورجعت عن العدل الذي وضعت ، وان كذبت قولهم الذي قالوا كذبت قول النبي عليه السلام فإنهم رووا عن رجال شتى حتى ينتهي به رسول الله عليه السلام . قال العالم أي أبو حنيفة : أكذب هؤلاء ولا يكون تكذيبي لهؤلاء وردي

 

 2 . صحيح البخاري كتاب الأشربة رقم 5578 ، وأطرافه : كتاب المظالم رقم 2475 ، كتاب الحدود رقم 6772 ، كتاب الحدود أيضا رقم 6810 .

 
 

- ص 158 -

عليهم تكذيبا للنبي عليه السلام ، إنما يكون التكذيب لقول النبي عليه السلام أن يقول الرجل أنا مكذب للنبي عليه السلام .

وأما إذا قال : أنا مؤمن بكل شيء تكلم به النبي عليه السلام غير أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يتكلم بالجور ولم يخالف القرآن فهذا من التصديق بالنبي والقرآن وتنزيه له من الخلاف على القرآن ولو خالف النبي عليه السلام القرآن وتقول على الله لم يدعه تبارك وتعالى حتى يأخذه باليمين ويقطع منه الوتين كما قال الله تعالى في القرآن ( 1 ) .

والنبي عليه السلام لا يخالف كتاب الله ، ومخالف كتاب الله لا يكون نبي الله وهذا الذي رووه خلاف القرآن ، ألا ترى إلى قوله : الزانية والزاني ؟ ثم قال : واللذان يأتيانها منكم ولم يعن به من اليهود والنصارى ولكن عنى به المسلمين فرد على كل رجل يحدث عن النبي عليه السلام بخلاف القرآن وليس ردا على النبي ولا تكذيبا له ولكن ردا على من يحدث عن النبي عليه السلام بالباطل والتهمة دخلت عليه لا على نبي الله .

كل شيء تكلم به النبي عليه السلام سمعنا به أو لم نسمعه فعلى الرأس والعين ، وقد آمنا به ونشهد أنه كما قال النبي عليه السلام ، ونشهد أيضا على النبي عليه السلام ، أنه لم يأمر بشيء نهى عنه يخالف أمر الله تعالى ولم يقطع شيئا وصله الله تعالى ، ولا وصف أمرا وصف الله تعالى ، ذلك الأمر بخلاف ما وصفه النبي عليه السلام ، ونشهد أنه كان موافقا لله عزوجل في جميع الأمور فلم يبتدع

 

 1 . ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ) الحاقة : 44 - 46 .

 
 

- ص 159 -

ولم يتقول غير ما قال الله ولا كان من المتكلفين ولذلك قال الله تعالى : ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) ( 1 ) .

ونحن أوردنا هذا الكلام إلزاما على العامة لا تصديقا لهذا الاحتجاج واعترافا بمتانة هذا الاستدلال من مخالفة هذا الخبر لكتاب الله إذ فيه من وجوه النظر ما لا يخفى على من له أدنى تأمل .

ومن عجيب الأمر أن العلامة التفتازاني حكم بان بعض روايات البخاري من موضوعات الزنادقة حاكيا ذلك عن يحيى بن معين وهو المعول عليه في معرفة الصحيح من السقيم ، قال في « التلويح شرح التوضيح » قوله : وانما هذا خبر الواحد في معارضة الكتاب لأنه مقدم لكونه قطعيا متواتر النظم لا شبهة في متنه ولا في سنده لكن الخلاف انما هو في عمومات الكتاب وظواهره ، فمن يجعلها ظنية يعتبر بخبر الواحد إذا كان على شرائطه عملا بالدليلين ومن يجعل العام قطعيا فلا يعمل بخبر الواحد في معارضته ، ضرورة أن الظني يضمحل بالقطعي فلا ينسخ الكتاب به ، ولا يزاد عليه أيضا لأنه بمنزلة النسخ واستدل على ذلك بقوله عليه السلام : تكثر لكم الأحاديث من بعدي فإذا أروى لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فردوه ( 2 ) .

وأجيب بأنه خبر واحد قد خص منه البعض اعني المتواتر والمشهور فلا يكون قطعيا فكيف يثبت به مسألة الأصول على أنه مما يخالف عموم قوله

 

 1 . النساء : 80 .     - 2 . التلويح في شرح التوضيح 2 : 397 .

 
 

- ص 160 -

تعالى : ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ  ) ( 1 ) وقد طعن فيه المحدثون ، بان في رواته يزيد بن ربيعة ، وهو مجهول وترك في اسناده واسطة بين الأشعث وثوبان ، فيكون منقطعا .

وذكر يحيى بن معين أنه حديث وضعه الزنادقة ، وايراد البخاري إياه في صحيحه ( 2 ) لا ينافي الانقطاع وكون أحد رواته غير معروف بالرواية .

 

 1 . الحشر : 7 .     - 2 . والظاهر أن البخاري ذكره في تاريخه .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب