القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 175

عبد الله بن عمرو بن العاص هو زاهد القوم ! !

روى البخاري في مواضع عديدة من صحيحه ما محصله : انه سمع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ان عبد الله بن عمرو بن العاص يصوم ولا يفطر ويصلي ولا ينام . فقال - صلى الله عليه وآله وسلم - له : ان لجسدك عليك حقا ، وان لعينك عليك حقا ، وان لزوجك عليك حقا ، وان لزورك عليك حقا ، فصم وأفطر وقم ونم وصم من الشهر ثلاثة أيام ، فان الحسنة بعشر أمثالها ، وذلك مثل صيام الدهر ، فقال عبد الله : اني أطيق أفضل من ذلك ، قال فصم يوما وأفطر يومين ، قال : اني أطيق أفضل من ذلك ، فقال - صلى الله عليه وآله وسلم - فصم يوما وأفطر يوما فذلك صيام داود ، وهو أفضل الصيام فقلت : أطيق أفضل من ذلك ، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : لا أفضل من ذلك ( 1 ) .

ومجمل أحواله انه أيضا ممن تخلف عن أمير المؤمنين - عليه السلام - وفارقه وخرج عن طاعته وعصاه وآذاه وقاتله وحاربه وأعان أعداءه وأخذل أولياءه . وكان على ميمنة عسكر معاوية ، وتقلد سيفين من غاية حرصه على القتال .

 

 1 . صحيح البخاري كتاب الصوم باب صوم الدهر رقم 1976 وأطرافه رقم 1131 ، 1152 ، 1153 ، 1974 ، 1975 ، 1976 ، 1977 ، 1978 ، 1979 ، 1980 ، 3418 ، 3419 ، 3420 ، 5052 ، 5053 ، 5054 ، 5199 ، 6134 ، 6277 .

 
 

- ص 176 -

وافتخر بارتكاب هذه العظائم الكبائر والانحراف عن إمام الأبرار ، وموالاة قدوة الأشرار والفجار ، وانشد في ذلك الاشعار .

وكل من اتصف ببعض هذه الصفات فضلا عن كلها فهو هالك كافر خارج عن طاعة الله عاص لله ورسوله مؤذ لله مندرج في زمرة من أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بمقاتلته من القاسطين مفارق لله ورسوله تارك لما أمر الله به في كتابه متهور في ضلالة ، منهمك في الشقاوة ، موصوف بكل رذيلة ، ويجب الاجتناب عنه والتحرز منه وعدم الاعتماد عليه ، لما رواه الحاكم في المستدرك - وهو على ما نص عليه علمائهم من أعظم الأئمة الذين حفظ الله بهم الدين وانتفع بتصانيفه أهل المشرق والمغرب - .
قال : قال له : - اي لعبد الله بن عمرو بن العاص - أبوه يوم صفين أخرج فقاتل ، قال : يا أبتاه أتأمرني أن أخرج فأقاتل وقد كان من عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما قد سمعت ؟ ! قال : أنشدك بالله أتعلم ان ما كان من عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إليك ; أنه أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال : اطع أباك عمرو بن العاص قال : نعم ، قال : فإني آمرك أن تقاتل ، قال فخرج يقاتل فلما وضعت الحرب قال عبد الله :

لو شهدت جمل مقامي ومشهدي * بصفين يوما شاب منها الذوائب
عشية جاء أهل العراق كأنهم * سحاب ربيع زعزعته الجنائب
وجئناؤهم ندوي كأن صفوفنا * من البحر موج موجه متراكب

- ص 177 -

إذا قلت قد ولوا سراعا بدت * لنا كتائب منهم وارجحنت كتائب
فدارت رحانا واستدارت رحاهم * سراة النار ما تولي المناكب
فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا * عليا فقلنا : بل نرى ان نضارب
( 1 ) .

وفي أسد الغابة لابن الأثير الجزري ، قال في ترجمة ابن عمرو بن العاص : وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك ، وشهد معه أيضا صفين ، وكان على الميمنة ( 2 ) ، قال له أبوه : يا عبد الله اخرج فقاتل ، فقال : يا أبتاه أتأمرني ان أخرج فأقاتل ؟ وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بعهد إلي ما عهد ، قال : اني أنشدك الله يا عبد الله ألم يكن آخر عهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن أخذ بيدك ووضعها في يدي ؟ وقال : اللهم بلى ، قال : فاني أغرم عليك ان تخرج فتقاتل فخرج وتقلد سيفين ( 3 ) .

وما ذكر من انه ندم بعد ذلك لا يفيد في إصلاح حاله فان التوبة عن حقوق الناس لا يكفي فيها مجرد الندم ، سيما انه ندم على القتال ، لاعلى التخلف عن أمير المؤمنين ومفارقته ، وهل يرجع بعد ذلك إلى متابعته والتفرد بحاشيته .

وحسبك في هذا المقام شهادة عمرو بن العاص على ان الخروج على أمير المؤمنين خلع رقية الإسلام وتهور في الضلالة وإعانة على الباطل .

 

 1 . المستدرك 3 : 527 ، تاريخ مدينة دمشق 31 : 278 ، وفيه زيادات مثل قوله :
وجئنائهم ندوي كأن صفوفنا * من البحر موج موجه متراكب
فدارت رحانا واستدارت رحاهم * سراة النار ما تولي المناكب
فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا * عليا فقلنا : بل نرى ان نضارب .
 2 . تاريخ مدينة دمشق 31 : 271 - 272 .
 3 . المصدر السابق

 
 

- ص 178 -

قال سبط ابن الجوزي ، وهو من أئمة الحنفية ومن شراح الجامع الصغير وصحيح مسلم ، ومحامده موجودة في كتب القوم ، قال في كتاب تذكرة خواص الأمة : وفي هذا السنة وهي سنة ست ثلاثين ، اتفق معاوية وعمرو بن العاص على قتال علي واصطلحا على ذلك قبل نزول علي على النخيلة في أيام وقعة الجمل بعد ان كان معاوية قد يئس منه ، وعزم عمرو على المسير إلى نصرة علي ، فأعطاه معاوية مصرا طعمة فمال إليه .

وقال أهل السير لما حصر عثمان خرج عمرو بن العاص إلى الشام فنزل فلسطين ، وكان يؤلب على عثمان لانحرافه عنه فأقام بفلسطين حتى قتل عثمان .

عمرو بن العاص ومعاوية

فقيل لمعاوية انه لا يتم ذلك الأمر الا بعمرو ، فإنه دويهة العرب ، فكتب إليه يستدعيه ويستعطفه ، ويعده المواعيد ان هو وافقه على قتال أمير المؤمنين ، ويذكر ما جرى على عثمان ، فكتب اليه عمرو : « أما بعد فاني قرئت كتابك وفهمته ، فأما ما دعوتني إليه من خلع ربقة الإسلام من عنقي والتهون معك في الضلالة واعانتي إياك على الباطل واختراط السيف في وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهو أخو رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ووليه ووصيه ، ووارثه ، وقاضي دينه ومنجز وعده ، وصهره على ابنته سيدة نساء العالمين ، وأبو السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة .

وأما قولك : انك خليفة عثمان فقد عزلت بموته ، وزالت خلافتك .

- ص 179 -

وأما قولك : أن أمير المؤمنين أشلى الصحابة على قتل عثمان فهو كذب ، وزور ، وغواية ، ويحك يا معاوية أما علمت أن أبا الحسن بذل نفسه لله تعالى ، وبات على فراش رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وقال فيه : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فكتابك لا يخدع ذا عقل وذا دين والسلام » .

فلما قرء كتابه قال له عتبة بن أبي سفيان : لا تيأس منه ، فكتب إليه وأرغبه في الولاية وأشركه معه في سلطانه وكان في أسفل كتابه :

جهلت ما تعلم محلك عندنا * فأرسلت شيئا من عتاب وما تدري
 فثق بالذي عندي لك اليوم آنفا * من العز والإكرام والجاه والقدر
واكتب عهدا ترتضيه مؤكدا * واشعفه بالبذل مني وبالبر

فكتب إليه عمرو يقول :

أبى القلب مني أن يخادع بالمكر * بقتل بن عفان أجر إلى الكفر
واني لعمري ذو دهاء وفطنة * ولست أبيع الدين بالرشح والدفر
أليس صغيرا ملك مصر ببيعة * هي العار في الدنيا على الال من عمرو

وذكر سيف عن هشام بن محمد أنه كتب عمرو إلى معاوية :

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

- ص 180 -

فان تعطني مصرا فاربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع

فكتب إليه معاوية : قد أقطعتك مصرا طعمة ، واشهد عليه شهودا ، وبات عمرو طول ليلته متفكرا فدعى غلاما يقال له وردان ، ( وهو الذي ينسب إليه مكان بمصر يقال له سوق وردان ) فقال له : ما ترى يا وردان ؟ فقال : ان مع علي آخرة ولا دنيا ، وان مع معاوية دنيا ولا آخرة ، فالتي مع علي تبقى ، والتي مع معاوية تفنى ، فلما أصبح ركب فرسه ومعه عبد الله ابنه ، وهو يقول له : لا تذهب إلى معاوية ولا تبع آخرتك بدنيا فانية ، وهو متحير فلم يزل حتى وصل إلى طريقين ، أحدهما : تأخذ إلى المدينة ، والأخرى : إلى دمشق ، فوقف عندهما ، ثم ضرب رأس فرسه ، نحو دمشق ، وقال معاوية أرفق من علي وأتى معاوية ( 1 ) .

ثم ان عبد الله بن عمرو كان يحدث عن كتب اليهود والنصارى ، التي حملها معه من الشام في وقعة اليرموك ، حتى أتقاه الناس ، وقل حديثه مع أنه كان أكثر حديثا من أبي هريرة ، وكانوا قد يقولون له : حدثنا عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا تحدثنا عن الصحيفة .

وتفصيل الواقعة مذكور في كثير من الكتب ، منها « شرح نخبة الفكر » لعلي القاري ، ومنها : « حاشية القالي المسمات بقضاء الوطر » .

 

 1 . تذكرة الخواص : 86 - 87 .

 
 

- ص 181 -

عبد الله بن عمرو بن العاص في كلام معاوية ثم ان معاوية الذي عقد البخاري بابا في مناقبه ، وروى في حقه أنه فقيه ، كذب عبد الله بن عمرو .

وقد رواه البخاري أيضا ، في صحيحه عن الزهري قال : كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث ، انه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش ، ان عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث ، انه سيكون ملك من قحطان ، فغضب معاوية فقام ، فاثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد فإنه بلغني ان رجالا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ، ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فاؤلئك جهالكم ، فإياكم والأماني التي تضل أهلها ، فاني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : ان هذا الأمر في قريش ، لا يعاديهم أحد الا كبه الله على وجهه ، وما أقاموا الدين ( 1 ) .

والرواية تدل على ان عبد الله بن عمرو كان عند معاوية من المضلين الجهال ولعمري ان هذا هو مصداق المثل المعروف : ويل لمن كفره نمرود .

 

 1 . صحيح البخاري كتاب المناقب باب مناقب قريش رقم 3500 وكتاب الأحكام باب الأمراء من قريش رقم 7139 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب