|
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني -
ص 203 |
|
عبدلله بن الزبير ومحاصرته
لبني هاشم
ومن شنائع أطواره وقبائح أفعاله ما صدر منه
بالنسبة إلى سيدنا محمد بن الحنفية وابن عباس من
التشديد عليهما وإيذائهما وحصرهما في الشعب وإحضار
الحطب لإحراقهما لامتناعهما من مبايعته مع عدم صلاحيته
للخلافة بنص علماء القوم .
قال في الاستيعاب : قال علي
بن زيد الجدعاني : كان عبد الله بن الزبير كثير الصلاة
شديد البأس كريم الجدات ، والأمهات ، والخالات الا انه
كان فيه خلال لا تصلح للخلافة ، لأنه كان بخيلا ضيق
العطن سيء الخلق ، حسودا ، كثير الخلاف أخرج محمد بن
الحنفية ، ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف
( 1 )
.
وبعد ملاحظة ما تقدم من تصريحهم بأن من رضي بإمام باطل
فإنه يكفر
| |
1 . الاستيعاب 3 : 906 رقم 1535 .
|
|
|
يتضح غاية الوضوح كفر نفس الإمام الباطل الذي لا يصلح
للإمامة .
وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة سيدنا ابن
الحنفية : ولما دعى ابن الزبير إلى نفسه وتابعه أهل
الحجاز بالخلافة دعى عبد الله ابن عباس ومحمد بن
الحنفية رضي الله عنهما إلى البيعة فأبيا ذلك ، وقالا
له : لا نبايعك حتى يجتمع لك البلاد ويتفق الناس فأساء
جوابهم وحصرهم وآذاهم وقال لهما والله لئن لم تبايعا
أحرقتكما بالنار .
وذكر ابن حجر في فتح الباري في كتاب
التفسير : كان ابن عباس وابن الحنفية بالمدينة ثم سكنا
مكة فطلب منهما ابن الزبير البيعة فأبيا حتى يجتمع
الناس على رجل فضيق عليهما فبعثا رسولا إلى العراق
فخرج إليهما جيش في أربعة آلاف ، فوجدوهما محصورين وقد
احضر الحطب على الباب يخوفهما بذلك فأخرجوهما إلى
الطائف .
وقال عمر بن فهد المكي في « إتحاف الورى » في
وقائع سنة ست وستين : فيها دعى عبد الله بن الزبير
محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وسبعة عشر رجلا
من وجوه أهل الكوفة منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة
الصحابي ليبايعوه فامتنعوا وقالوا : لا نبايع حتى
تجتمع الأمة فأكثر ابن الزبير الوقيعة في ابن الحنفية
، وذمه فاغلظ له عبد الله بن هاني الكندي وقال : لئن
لم يضرك الا تركنا بيعتك لا يضرك شيء ، وان صاحبنا
يقول لو بايعني الأمة كلها غير سعد مولى معاوية ما
قتلته وانما عرض بذكر سعد لأن ابن الزبير أرسل إليه
فقتله فسب عبد الله ، وسب أصحابه ، وأخرجهم من عنده ،
فأخبروا ابن الحنفية بما كان منهم ولم يلح عليهم ابن
الزبير .
فلما استولى المختار على الكوفة ، وصارت الشيعة تدعوا
لابن الحنفية ، خاف ابن الزبير ان يتداعي الناس إلى
الرماية فحينئذ ألح على ابن الحنفية وعلى أصحابه في
البيعة له ، فجلسهم بزمزم وتوعدهم بالقتل والإحراق ،
وأعطى إليه عهدا ان لم يبايعوه ينفذ فيهم ما توعدهم به
وضرب لهم على ذلك أجلا ، فأشار بعض من كان مع ابن
الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار والى من بالكوفة
رسولا يعلمهم حالهم وحال من معهم وما كان توعدهم به
ابن الزبير .
فوجد ثلاثة نفر من أهل الكوفة حين نام
الحرس على باب زمزم ، وكتب معهم إلى المختار وإلى أهل
الكوفة يعلمهم حاله وحال من معه وما توعدهم به ابن
الزبير من القتل والتحريق بالنار ويطلب منهم النصرة ،
ويسألهم ان لا يخذلوه كما خذلوا الحسين - عليه السلام
- وأهل بيته .
فقدموا على المختار فدفعوا إليه الكتاب
فنادى في الناس فقرأ عليهم الكتاب إلى أن قال : فوجه
المختار أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكبا من أهل
القوة ، ووجه ظبيان بن عمارة أخا بني تميم ، ومعه
أربعمائة ، وبعث معه لابن الحنفية أربعمائة درهم وسير
أبا معتمر في مائة وهاني بن قيس في مائة وعمير ابن طارق
في أربعين ويونس ابن عمران في أربعين وكتب إلى محمد بن
علي مع الطفيل بن عامر ومحمد بن قيس بتوجيه الجند إليه
وخرج الناس أثرهم في أثر بعض .
وجاء أبو عبد الله
الجدلي ، حتى نزل ذات عرق في سبعين راكبا فأقام بها
حتى أتاه عمير ويونس في ثمانين راكبا فبلغوا مائة
وخمسين رجلا ، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام ،
ومعهم الكافر كوبات ،
( 1 )
وهم ينادون يا لثارات
| |
1 . هذه كلمة مركبة من كافر وكوبات وهي
آلة الحرب نضرب بها الكفار ، والكوبات فارسية .
|
|
|
الحسين - عليه السلام - حتى انتهوا إلى زمزم وقد أعد
ابن الزبير الحطب ليحرقهم ، وكان قد بقي من الأجل
يومان فطردوا الحرس ، وكسروا أعواد زمزم ودخلوا على
ابن الحنفية ، فقالوا : خل بيننا وبين عدو الله ابن
الزبير .
فقال لهم : إني لا استحل القتال في حرم الله
، فقال ابن الزبير واعجبا لهذه الخشبية ينعون حسينا ،
ثم كأني قتلته ، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم ،
وانما قيل لهم خشبية لأنهم وصلوا إلى مكة وبأيديهم
الخشب كراهة اشهار السيوف في الحرم وقيل لأنهم أخذوا
الحطب الذي أعده ابن الزبير وقال ابن الزبير : أيحسبون
أني أخلى سبيلهم دون أن أبايع ويبايعون ؟ ! فقال أبو
عبد الله الجدلي : أي ورب الكعبة والمقام ورب الحل
والحرام لتخل سبيلهم أو لنجادلنك بأسيافنا جدالا يرتاب
فيه المبطلون .
فقال ابن الزبير : هل أنتم والله الا
أكلة رأس لو أذنت لأصحابي ما مضت ساعة حتى تعطف رؤسهم
. فقال له قيس بن مالك : أما والله اني لأرجو إذا رمت
ذلك ان يرسل إليك قبل أن ترى ما تحب .
فكف ابن الحنفية
أصحابه وحذرهم الفتنة ، ثم قدم أبو المعتمر في مائة
وهاني بن قيس في مائة وظبيان ابن عمارة في مائتين ،
ومعه المال حتى دخلوا المسجد الحرام فكبروا وقالوا : «
يا لثارات الحسين - عليه السلام - » رآهم ابن الزبير
وخافهم . فخرج محمد بن الحنفية ومن معه إلى شعب علي
وهم يسبون ابن الزبير ويستأذنون ابن الحنفية فيه ،
فيأبى عليهم واجتمع مع محمد في الشعب أربعة
آلاف رجل ، فقسم بينهم ذلك المال ثم ذكر مما يتعلق
بهذه القصة أشياء كثيرة لم ننقلها اختصارا
( 1 )
.
قال
ابن أبي الحديد : قال المسعودي : وكان عروة بن الزبير
يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب ، وجمعه
الحطب ليحرقهم ويقول انما أراد بذلك أن ألا تنتشر
الكلمة ، ولا يختلف المسلمون ، وأن يدخلوا في الطاعة ،
فتكون الكلمة واحدة ، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم
لما تأخروا عن بيعة أبي بكر ، فإنه أحضر الحطب ليحرق
عليهم الدار .
( 2 )
ولا ينبغي أن يفعل عما يفهم من
هذا الاعتذار فإنه يدل على ان احضار عمر الحطب لإحراق
بيت سيدة النساء وأمير المؤمنين صلوات الله عليهم كان
أمرا مسلما مفروغا عنه عند قدمائهم فلا يجدي إنكار
متأخريهم طائلا .
ويدل على أن جسارة ذلك الشقي على أهل
البيت أوجبت هذه الأمور وأثمرت هذه العظائم ، وأنه لو
لم يجرأ أولا ذاك الملعون على ما فعل لما جرى على أهل
البيت ما جرى . اللهم العن أول من أسس أساس الظلم
والجور عليهم ، وآخر تابع له على ذلك .
ومما عيب على
ابن الزبير أنه قال : لتنتهن عائشة عن بيع رباعها أو
لأحجرن عليها ، وكانت لا تمسك شيئا مما يأتي في يدها
بل تتصدق به . فنذرت عائشة ان لا يكلمه .
| |
1 . فتح الباري 8 : 262 .
- 2 .
مروج
الذهب 3 : 85 ، شرح ابن أبي الحديد 20 : 147 .
|
|
|
قال السيد السمهودي في « جواهر العقدين » : فان في
قوله ذلك جرأة عليها وتنقيصا لقدرها بنسبتها إلى
ارتكاب التبذير الموجب لمنعها من التصرف مع كونها أم
المؤمنين وخالته أخت أمه ولم يكن أحد عندها في منزلته
، فرأت ذلك منه نوع عقوق فجعلت مجازاته ترك مكالمته .
وقال ابن حزم في المحلى في « كتاب الحجر » : وأما
الرواية عن ابن الزبير فطامة الأبد لا وما ندري كيف
استحل مسلم أن يحتج بخطيئة ووهلة وزلة كانت من ابن
الزبير ، والله تعالى يغفر له إذ أراد مثله في كونه من
أصاغر الصحابة أن يحجر على مثل أم المؤمنين التي أثنى
الله عليها أعظم الثناء في بعض القرآن ، وهو لا يكاد
ليجزي منها في الفضل عند الله تعالى ثم قال : ومعاذ
الله من هذا ومن أن تكون أم المؤمنين توصف بسفه وتستحق ان يحجر عليها نعوذ بالله من هذا القول .
( 1 )
وأصل
الرواية على ما ذكرها البخاري في كتاب البر والصلة :
أن عائشة حدثت أن عبد الله بن الزبير قال : في بيع أو
عطاء أعطته عائشة : والله لتنتهين عائشة أو لاحجرن
عليها ، قالت : أهو قال هذا ؟ قالوا : نعم قالت ، : هو
لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا فاستشفع ابن
الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت : لا والله لا
أشفع فيه أحدا ولا أتحنث إلى نذري فلما طال ذلك على
ابن الزبير كلم المسور بن المخرمة وعبد الرحمن بن
الأسود ابن عبد يغوث وهما من بني زهرة وقال أنشدكما
بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا تحل لها أن
تنذر قطيعتي فاقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين
بارديتهما حتى استأذنا على
| |
1 . المحلى 8 : 292 و 293 كتاب الحجر .
|
|
|
عائشة فقالا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل ؟
فقالت عائشة : أدخلوا ، قالوا كلنا ؟ قالت : نعم
أدخلوا كلكم ولا تعلم أن معهما ابن الزبير ، فلما
دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعشق عائشة وطفق يناشدها
ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمت
وقبلت منه ، ويقولان ان النبي - صلى الله عليه وآله
وسلم - قد نهى عما عملت من الهجرة وانه لا يحل لمسلم
أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، فلما أكثروا على عائشة
من التذكرة والتجريح ، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول إني
نذرت والنذر شديد فلم يزالا حتى كلمت ابن الزبير
وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة وكانت تذكر نذرها بعد
ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها
( 1 )
.
ولابن الزبير شنائع كثيرة غير ما قدمنا وفيما ذكرناه كفاية .
| |
1 . صحيح البخاري كتاب الأدب باب
الهجرة رقم 6073 ، 6074 ، 6075 ، كتاب المناقب باب
مناقب قريش رقم 3505 . |
|
|
|