|
القول
الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 15 |
|
مقدمة
المؤلف
بسم الله الرحيم الرحيم
الحمد لله تعالى
والصلاة على رسوله وآله تتوالى .
قد بالغ علماء العامة
في الثناء على الصحيحين أعني صحيح محمد بن إسماعيل
البخاري ، وصحيح مسلم بن الحجاج القشيري ، وذكروا
أنهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم والفرقان العظيم ،
وحكى جماعة منهم اجماع الأمة على صحة الأحاديث المودعة
فيهما ، وتلقيهم إياهما بالقبول
( 1 ) ، بل تعدى جماعة
من محققيهم لإثبات كون أخبارهما مقطوعة الصدور عن سيد
البشر صلى الله عليه وآله ، بل ذكروا تصحيح النبي صلى
الله عليه وآله ، كتاب البخاري ، وإذنه في روايته عنه
، بل كتاب مسلم أيضا كما ستعرف تفصيل ذلك كله ، وشنع
جماعة منهم على الشيعة في تركهم العمل بأخبارهما ،
وعدم اعتمادهم عليهما ، قال صاحب النواقض وهو الشهير :
بالميرزا مخدوم الشريفي حفيد السيد الشريف في كتابه :
من هفواتهم يعني الشيعة إنكارهم كتب الأحاديث الصحاح
التي تلقت الأمة بقبولها منها : صحيحا البخاري ، ومسلم
الذين مر ذكرهما .
قال أكثر علماء المغرب : أصح الكتب
بعد كتاب الله تعالى صحيح مسلم بن الحجاج القشيري
( 2
) .
| |
1 . مقدمة ابن الصلاح : 22 - 24 ،
صيانة صحيح
مسلم له أيضا : 85 .
2 . تاريخ بغداد 13 : 101 ،
صيانة
صحيح مسلم لابن الصلاح : 67 - 71 ،
مقدمة ابن الصلاح :
14 - 15 ، مقدمة النووي على صحيح مسلم 1 : 15 ،
مقدمة
فتح الباري : 8 ، تدريب الراوي 1 : 93 .
|
|
|
وقال
الأكثرون من غيرهم : صحيح محمد بن إسماعيل البخاري هو
الأصح ، وما اتفقا عليه ، هو ما اتفق عليه الأمة ، وهو
الذي يقول فيه المحدثون كثيرا : صحيح متفق عليه ،
ويعنون به اتفاقهما ، لا اتفاق الأمة ، وان لزمه ذلك
( 1 )
، واستدل ( السيوطي ) في الأزهار [ المتناثرة في
الأحاديث المتواترة ، في كثير من مواردها على الصحيحين
، ثم قال في تدريبه بعد كلام النووي : « اتفاق الشيخين
» وذكر الشيخ : يعني ابن الصلاح ( أن ما روياه أو
أحدهما فهو مقطوع بصحته والعلم القطعي حاصل فيه ) قال
: خلافا لمن نفى ذلك ، محتجا بأنه لا يفيد إلا الظن ،
وإنما تلقته الأمة بالقبول
( 2 )
لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ . وقد كنت
أميل إلى هذا وأحسبه قويما ، ثم بان لي أن الذي
اخترناه أولا هو الصحيح ، لأن الظن من هو معصوم من
الخطاء لا يخطئ ، والأمة في ]
( 3 )
| |
1 . انظر «
النكت على ابن الصلاح » لابن حجر 1 :
371 ، التقييد والإيضاح : 41 - 42 ، ومقدمة شرح مسلم
للنووي : 20 ، ثمرات النظر في علم الأثر : 131 .
2 .
أما نسبة القول إلى الأمة بتلقيهم بالقبول في الصحيحين
فإنه يتعين على المدعي إقامة البرهان ، ولا يخفى إن اقامته على هذه الدعوى يعد أمرا مستحيلا ، لأن الأمة
تتألف من قسمين : الأول : العامة من الناس وهم السواد
الأعظم . الثاني : الخواص من الناس ، وهم العلماء
والمجتهدون . ومن البديهي أن القسم الأول خارج عن
دائرة البحث ، لأن فيهم من لا يعرف الصحيحين أصلا ،
وخروج هذا العدد الكبير قد يضر بالاتفاق كما لا يخفى .
وأما القسم الثاني : فمن العلماء والمجتهدين طائفة
انتقدوا الصحيحين لا سيما صحيح البخاري وبينوا موارد
ضعفهما ، تارة في الإسناد وأخرى في المتون ، وقد ذكرنا
أسماء جملة من الناقدين في الفصل الرابع من التكملة
فراجع . ولا شبهة أيضا لدى الفقيه أن خروج هذه الطائفة
من العلماء تضر بالاتفاق المزعوم حقيقة .
3 . ما بين
المعقوفتين بياض في نسخة الأصل وقد وصلناها بقرينة
سياق الكلام من كتاب « الأزهار المتناثرة » و « تدريب
الراوي » للسيوطي . |
|
|
إجماعها
معصومة عن الخطاء ، ولهذا كان الإجماع المبنى على
الاجتهاد حجة مقطوعة بها ، وقد قال إمام الحرمين : لو
حلف انسان بطلاق امرأة أن ما في الصحيحين مما حكما
بصحته من قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لزمه
الطلاق لإجماع المسلمين على صحته
( 1 ) ، ثم حكى
السيوطي عن النووي انه قال : خالفه ( أي ابن الصلاح )
المحققون والأكثرون فقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر
(
2 ) .
وقال : تلقى الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل
بما فيها من غير توقف على النظر فيه بخلاف غير هما فلا
يعمل به حتى ينظر فيه ويوجد فيه شروط الصحيح ولا يلزم
من اجماع الأمة على العمل بما فيهما اجماعهم على القطع
بأنه كلام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقد اشتد
انكار ابن برهان على من قال بقول الشيخ ، وبالغ في
تغليطه
( 3 ) .
قال السيوطي : وكذا عاب ابن عبد السلام
على ابن الصلاح هذا القول ، ثم قال : قال البلقيني :
ما قاله النووي وابن عبد السلام ومن تبعهما ممنوع ،
فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح ، عن
جماعة من الشافعية كأبي إسحاق ، وأبي حامد الإسفراييني
والقاضي أبي الطيب ، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وعن
السرخسي من الحنفية ، والقاضي عبد الوهاب من المالكية
، وأبي يعلى وابن الزعواني من الحنابلة ، وابن فورك
وأكثر أهل الكلام من الأشعرية ، وأهل الحديث قاطبة ،
ومذهب السلف عامة بل بالغ ابن طاهر المقدسي في صحة
التصوف : فالحق به ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه ،
وقال شيخ الإسلام : ما ذكره النووي في شرح مسلم من جهة
الأكثرين ، أما
| |
1 . تدريب الراوي 1 : 104 .- 2 . المصدر السابق 1
: 105 .- 3 . متن تدريب الراوي : 105 ، ومزيد القول في
التكملة فليراجع . |
|
|
المحققون
فلا ، وقد وافق ابن الصلاح أيضا المحققون
( 1 ) .
ثم
قال السيوطي بعد حكايته عن ابن كثير أيضا موافقة ابن
الصلاح قلت : وهو الذي اختاره ولا أعتقد سواه . انتهى
كلام السيوطي
( 2 ) .
وقد ذهب ابن تيمية الذي يستندون بافاداته ويبتهجون بهفواته إلى قول ابن الصلاح أيضا
على ما في إمعان النظر .
وقال شهاب الدين أحمد بن حجر
العسقلاني في « شرح نخبة الفكر » : الخبر المحتف
بالقرائن يفيد العلم خلافا لمن أبى ذلك ، قال : هو
أنواع : منها : المشهور إذا كانت له طرق متبائنة سالمة
من ضعف الرواة والعلل .
منها : ما أخرجه الشيخان في صحيحهما ما لم يبلغ حد التواتر ، فإنه احتف به قرائن .
منها : جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز
الصحيح عن غيرهما ، وتلقي العلماء لكتابهما بالقبول ،
وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة
الطرق القاصرة عن التواتر . قال : وليس الاتفاق على
وجوب العمل فقط ، فإن الاتفاق حاصل على وجوب العمل بكل
ما صح ولو لم يخرجه الشيخان ، فلم يبق للصحيحين في هذا
مزية ، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى
نفس الصحة ، وممن صرح من أئمة الأصول بإفادة ما خرجه
الشيخان العلم اليقيني النظري ، الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، ومن
| |
1 . تدريب الراوي 1 : 105 - 106 .
- 2 . المصدر
السابق 1 : 106 . |
|
|
أئمة
الحديث أبو عبد الله الحميدي ، وأبو الفضل بن الطاهر
انتهى
( 1 ) .
وبالغ بعض أواخرهم في
إثبات قطعية صدور
أحاديثهما حتى ألف في ذلك رسالة مستقلة سماها « غاية
الإيضاح في المحاكمة بين النووي وابن الصلاح » ، وأدرج
هذه الرسالة في كتابه المسمى ب « الدراسات » ، وأطال
فيه لكنه لم يأت في الاستدلال للطرفين بغير ما عرفت في
عبارة السيوطي ، وحاصل تحريره لدليل ابن الصلاح : « أن
تصحيح الحديث ملازم للظن بصدوره ، فالإجماع على الصحة
معناه حصول الظن من جميع الأمة بالصدور ، وظن الأمة
بأجمعهم مقطوع العصمة عن الخطاء بدليل قطعية الإجماعات
الاجتهادية ، ثم إنه أربى على من تقدم عليه فلم يرض
بما استثناه غيره مما انتقد أحد من الحفاظ ، أو وقع
التجانب بين مدلوليه ، فذهب إلى أن الخبرين المتناقضين
كلاهما مقطوع الصدور ، وعدم ظهور وجه الجمع بينهما لا
يدل على عدمه في الواقع ، وأما ما انتقد عليهما ، فهو
أيضا لم ينزل عن أعلى درجات الصحة ، وهي درجة ما أخرجه
الشيخان ، ونفي الريب عن وجوب العمل بالمنتقد منهما من
غير نظر ووقفة إلى ما يندفع به ذلك الانتقاد بمجرد
إخراجهما [ له وجوبا مؤكدا لا يوجد في صحيح غيره فان
حكم كل حديث صحيح ولو في أدنى مراتب الصحة وجوب العمل
لحصول الظن الغالب ، ولكن بين ظن وظن ما يكاد يشيه ما
بين اليقين والشك ، فوجوب العمل هذا بمجرد اخراجهما ]
( 2 ) ، فكيف إذا نظر فيما أجابوا عن ذلك ، وبما جعلوه هباءا منثورا ، وتصدى جماعة للجواب عما
| |
1 . شرح نخبة الفكر : 26 - 27 ، ولكن ترتيب
الوجوه المذكورة في شرح نخبة الفكر في نسخة المطبوعة
يختلف مع ما ذكر في المتن بالتقدم والتأخير .
2 . ما
بين [ ] على ما في دراسات اللبيب . |
|
|
تكلم فيه
من أحاديث الصحيحين أو أحدهما بل أفرد بعضهم كتابا في
ذلك وهو العراقي ، وأجاب شيخ الإسلام في مقدمة شرحه عن
جميع ما انتقد على البخاري » انتهى بمحصله
( 1 ) .
وعثرت على كلام جماعة غير من تقدم يطول ذكرهم ذهبوا
إلى ما ذهب إليه هؤلاء لا فائدة مهمة في نقل خرافاتهم
، وأطرف من هذا كله ما ذكره الشيخ أحمد النخلي مفتي
الحنفية ، المترجم في كتاب « سلك الدرر في أعيان القرن
الثاني عشر »
( 2 ) ، والكتاب موجود في خزانة كتب حرم
المدينة المنورة ، حيث قال في رسالته التي ذكر فيها
مشايخه ومروياته ، والرسالة موجودة في خزانة كتب حرم
مكة ، ما هذا لفظه : أخبرنا شيخنا السيد السند أحمد بن
عبد القادر ، نفع الله تعالى به قال : أخبرنا جمال
الدين القيرواني ، عن شيخه الشيخ يحيى الخطاب المالكي
المكي ، قال : أخبرنا عمي الشيخ بركات الخطابي ، عن
والده ، عن جده الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخطاب شارح
مختصر خليل ، قال : مشينا مع شيخنا العارف بالله الشيخ
عبد المعطي التنوسي ، لزيارة النبي - صلى الله عليه
وآله وسلم - فلما قربنا من الروضة الشريفة ، ترجلنا
فجعل الشيخ عبد المعطي يمشي خطوات ويقف ، حتى وقف تجاه
القبر الشريف فتكلم بكلام لم نفهمه ، فلما انصرفنا
سألناه عن وقفاته ؟ فقال : كنت أطلب الإذن من رسول
الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في القدوم عليه ،
فإذا قال
| |
1 . دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب :
308 - 325 ، وهذه الأسطر القلائل حصيلة ما يقرب عشرين
صفحة كما تلاحظ وفيها مباحث دقيقة حول أخبار الصحيحين
وما يترتب عليهما بعد فرض التناقض والتضاد بين
مدلوليهما .
2 . سلك الدرر 1 : 171 والكتاب قد طبع في
مجلدين . |
|
|
لي أقدم ،
قدمت ساعة ثم وقفت ، وهكذا حتى وصلت إليه فقلت : يا
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كل ما رواه
البخاري عنك صحيح ؟ فقال : صحيح ، فقلت : أرويه عنك يا
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ فقال : أروه
عني ، ثم حكى النخلي إجازة عبد المعطي للخطاب ، وكذا
كل واحد لمن بعده حتى وصل إلى نفسه .
وأورد صاحب رسالة
الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين هذه الحكاية ، ثم
قال : ووجدت هذا الحديث بخط الشيخ عبد الحق الدهلوي
بإسناده له عن الشيخ عبد المعطي بمعناه وفيه : فلما
فرغ من الزيارة وما يتعلق بها سئل أن يروي عنه - صلى
الله عليه وآله وسلم - صحيح البخاري وصحيح مسلم ؟ فسمع
الإجازة من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فذكر
صحيح مسلم أيضا .
أقول : هذا كله مضافا إلى ما ذكروا
في ترجمة البخاري ومسلم ، وأثبتوا لهما من المحاسن
الجليلة ، والمآثر الأصيلة ، والمفاخر الأثيلة ،
والمدائح العظيمة ، والمحامد الجسيمة ، والمكارم
الفخيمة ، وسنتلو عليك شطرا منها فيما بعد ان شاء الله
تعالى .
|