|
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني -
ص 226 |
|
أبو هريرة الدوسي
الذي ملأوا كتبهم وطواميرهم من
رواياته وقد سبق نقلا عن ابن أبي الحديد المعتزلي أن
معاوية بذل له مالا ليفتري على أمير المؤمنين صلوات
الله عليه حديثا يدل على ذمه ففعل .
ويعلم من كثير من كتب القوم أنه كان معروفا بالتساهل
في الرواية والوضع والاختلاق ، روى الحميدي في الجمع
بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر في الحديث
الرابع والعشرين بعد المائة : من المتفق عليه أي مما
اتفق البخاري ومسلم على روايته ، أن رسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم - أمر بقتل الكلاب الا كلب صيد أو
كلب غنم أو ماشية ، فقيل لابن عمر : أن أبا هريرة يقول
: أو كلب زرع ، فقال ابن عمر : ان لأبي هريرة زرعا
( 1
)
.
وروى في الحديث السادس والستين بعد المائة ، في
مسند أبي هريرة : من المتفق عليه أيضا عن أبي رزين قال
: خرج إلينا أبو هريرة فضرب يده على جبهته وقال : ألا
انكم تحدثون علي
( 2 )
أني أكذب على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -
لتهتدوا وأضل ، الحديث .
( 3 )
وروى في الحديث الستين بعد المائة : من المتفق عليه في
مسند أبي هريرة يروي عن النبي - صلى الله عليه وآله
وسلم - : من تبع جنازة فله قيراط من الأجر . فقال ابن
عمر : قد أكثر علينا أبو هريرة
( 4 )
.
وقال علي
القاري من أجلاء علمائهم ونحارير محققيهم وفضلائهم في
المرقاة شرح المشكاة : وعنه أي عن أبي هريرة قال :
إنكم - أي معشر التابعين وقيل الخطاب مع الصحابة
المتأخرين - تقولون أكثر أبو هريرة أي الرواية عن
| |
1 . الجمع بين الصحيحين للحميدي 2 :
237 .
2 . ليست في النسخة المطبوعة لفظة « علي » .
3 .
المصدر السابق رقم 2333 .
4 . المصدر السابق ، برقم
2327 ، صحيح البخاري 3 : 192 رقم 1323 - 1324 ، ومسلم
2 : 653 . |
|
|
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والله الموعد ، أي
موعدنا فيظهر عنده صدق الصادق وكذب الكاذب لأن الأسرار
تنكشف هنالك .
وقال الطيبي : أي لقاء الله الموعد ، أي
موعدنا ، يعنى به يوم القيامة فهو يحاسبني على ما أزيد
أو أنقص لا سيما على رسول الله - صلى الله عليه وآله
وسلم - إلى ما ذكر .
وفي المفاتيح للخلخالي ، شرح
المصابيح أيضا ما يقرب مما ذكر .
وقال عبد الله بن
مسلم بن قتيبة في كتاب الرد على من قال بتناقض الحديث
: ما يدل على أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعمر
وعثمان وعائشة كانوا يكذبون أبا هريرة واعتذر عنه بما
لا يجدي ، قال : فأما طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر
وعثمان وعلي وعائشة ، فإن أبا هريرة صحب رسول الله -
صلى الله عليه وآله وسلم - نحوا من ثلاث سنين وأكثر
الرواية عنه ، وعمر بعده نحوا من خمسين سنة ، وكانت
وفاته تسع وخمسين ، وفيها توفيت أم سلمة زوجة النبي -
صلى الله عليه وآله وسلم - ، وتوفيت عائشة قبلها بسنة
، فلما أتى من الرواية عنه ، بما لم يأت بمثله من صحبه
من أجلة أصحابه والسابقين الأولين إليه اتهموه وأنكروا
عليه وقالوا : كيف سمعت هذا وحدك ومن سمعه معك وكانت
عائشة أشدهم إنكارا عليه ، حتى تطاولت الأيام بها وبه
وكان عمر شديدا على من أكثر الرواية .
وروى الطبراني
في المعجم الأوسط ان أبا هريرة روى أن رسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم - قال : من لم يوتر فلا صلاة له ،
فقالت : ومن سمع هذا من أبي القاسم ما بعد العهد وما
نسينا ، إنما قال أبو القاسم : من جاء بالصلوات الخمس
يوم القيامة ، حافظا على وضوئها ومواقيتها ، وركوعها ،
وسجودها ، لم ينتقص منه شيئا كان
له عهد أن لا يعذبه ، ومن جاء وقد انتقص منهن شيئا
فليس له عهد عند الله ان شاء رحمه وان شاء عذبه .
وروى
شمس الأئمة في كتاب الأصول : أنه لما سمعت - أي عائشة
- أبا هريرة يروى أن ولد الزنا شر الثلاثة ، قالت :
كيف يصح هذا ! ؟ وقد قال الله تعالى : (
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( رحمهما الله )
( 1 )
وفي كنز العمال عن
ميمون بن مهران أنه شهد ابن عمر صلى على ولد الزنا ،
فقيل له : أن أبا هريرة لم يصل عليه ، وقال : هو شر
الثلاثة ، فقال ابن عمر : هو خير الثلاثة .
وروى أيضا
بعد الرواية السابقة ، أن عائشة قالت : لابن أختها ألا
تعجب من كثرة رواية هذا الرجل أي أبي هريرة ؟ ورسول
الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حدث بأحاديث لو عدها
عاد لأحصاها . وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي أن أبا
هريرة روى أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -
قال : « لا يمش أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو
ليخلعهما جميعا »
( 2 )
. و
روى الحافظ أبو زرعة
العراقي في كتاب شرح الأحكام عن ابن أبي شيبة عن ابن
عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ان عائشة كانت
تمشي في خف واحد وتقول لاخيفن أبا هريرة قال وإسناده
صحيح .
| |
1 . الإسراء : 15 .
- 2 . الجمع بين
الصحيحين 3 : 123 رقم 2333 . |
|
|
وروى أيضا في كتاب المذكور أنه روى ابن عبد البر في «
التمهيد » عن عائشة رضي الله عنها أنها أخبرت أبا
هريرة يحدث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه
قال الشوم في الثلاث : الفرس ، والمرأة والدار ، فطارت
شقة منها في السماء وشقة في الأرض ، ثم قالت : كذب
والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم من حدث عنه بهذا ؟
ولكن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يقول
: كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار
والدابة ، ثم قرأت عائشة : (
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي
أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن
نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )
( 1 ) ( 2 )
.
وذكر ابن الأثير في
النهاية : ومنه حديث عائشة : « فطارت شقة منها في
السماء وشقة في الأرض » هو مبالغة في الغضب والغيظ
( 3
)
.
وأورد هذا الحديث بعينه وبتمامه عبد الله بن قتيبة
في كتاب الرد على من قال بتناقض الحديث أيضا .
ورواه
أيضا أحمد بن حنبل وابن خزيمة والحاكم قال ابن حجر
العسقلاني في فتح الباري : روى أحمد وابن خزيمة
والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان ، أن رجلين من بني
عامر دخلا على عائشة فقالا : أن أبا هريرة قال : ان
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : الطيرة
في الفرس ، والمرأة ، والدار ، فغضبت غضبا شديدا وقالت
: ما قاله ؟ وانما قال : ان أهل الجاهلية يتطيرون من
ذلك
( 4 )
.
| |
1 . الحديد : 22 .
2 . التمهيد لما في
الموطأ من المعاني 9 : 289 .
3 . النهاية لابن الأثير
3 : 151 في « طير » وفيها : ومنه حديث عائشة : أنها
سمعت ان الشوم في الدار والمرأة ، فطارت شقة منها في
السماء وشقة في الأرض » أي كأنها تفرقت وتقطعت قطعا ،
من شدة الغضب .
4 . فتح الباري 6 : 401 .
|
|
|
وفي كتاب الأصول للسرخسي أنه لما بلغ عمر أن أبا هريرة
يروي بعض مالا يعرف ، قال : لتكفن عن هذا أو لألحقنك
بجبال دوس
( 1 )
.
وفي كنز العمال عن السائب بن يزيد ،
قال سمعت عمر بن الخطاب ، يقول لأبي هريرة : لتتركن
الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أو
لألحقنك بأرض دوس وقال لكعب لتتركن الحديث أو لألحقنك
بأرض القردة
( 2 )
.
وذكر علامتهم الزمخشري في الفائق
: أن أبا هريرة استعمله عمر على البحرين فلما قدم عليه
قال : يا عدو الله وعدو رسوله سرقت من مال الله فقال :
لست بعدو الله ولا عدو رسوله ، ولكني عدو من عاداهما
وما سرقت ، ولكنها سهام اجتمعت ونتاج خيل فأخذ منه
عشرة آلاف درهم فألقاها في بيت المال ثم دعاه إلى
العمل فأبى . فقال عمر : فان يوسف قد سئل العمل ، فقال
: ان يوسف مني بريء وأنا منه برآء وأخاف ثلثا واثنتين
، قال : أفلا تقول خمسا ؟ قال : أخاف أن أقول بغير حكم
واقضى بغير علم ، وأخاف أن يضرب ظهري ويشتم عرضي ويؤخذ
مالي .
البراء : البري المراد بالبراءة بعده عنه في
المقايسة لقوة يوسف على الاستقلال بأعباء الولاية
وضعفه عنه ، وأراد بالثلاث والاثنتين : الخلال
المذكورة وانما جعلها قسمين لكون الثنتين وبالا عليه
في الآخرة والثلاث بلاء أو ضررا في الدنيا .
ويظهر من
رسالة الفخر الرازي في تفضيل الشافعي ، أن الحنفية
كانوا
| |
1 . أصول السرخسي 1 : 341 .
- 2 . تاريخ
مدينة دمشق 67 : 343 . |
|
|
يطعنون في أبي هريرة ، قال : وأما أصحاب الرأي فان
أمرهم في باب الخبر والقياس عجيب ، فتارة يرجحون
القياس على الخبر ، وتارة بالعكس . أما الأول : فهو أن
مذهبنا ، أن التصرية سبب مثبت للرد ، وعندهم ليس كذلك
، ودليلنا : ما أخرج في الصحيحين عن أبي هريرة ، أن
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : لا تصروا
الإبل والغنم ، فمن ابتاعها بعد ، فإنه يخير النظرين
بعد أن يحلبها ثلاثا ان رضيها أمسكها وان سخطها ردها ،
ورد معها وصاعا من تمر
( 1 )
.
واعلم أن الخصوم لما لم
يجدوا لهذا الخبر تأويلا البتة بسبب ، أنه مفسر في محل
الخلاف ، اضطروا إلى أن يطعنوا في أبي هريرة ، وقالوا
: انه كان متساهلا في الرواية ، وما كان فقيها ،
والقياس على خلاف هذا الخبر ، لأنه يقتضي تقدير خيار
العيب بالثلاث ، ويقتضي تقويم اللبن بصاع من تمر من
غير زيادة ولا نقصان ، ويقتضي إثبات عوض في مقابلة لبن
حادث بعد العقد ، فهذه الأحكام مخالفة للأصول فوجب رد
ذلك الخبر لأجل القياس .
وذكر ابن حجر في فتح الباري
في كتاب البيوع : أنه قال الحنابلة : واعتذر الحنفية
عن الأخذ بحديث المصراة باعذار شتى ، فمنهم من طعن في
الحديث لكونه من رواية أبي هريرة ، ولم يكن كابن مسعود
وغيره من فقهاء الصحابة ، فلا يؤخذ بما رواه مخالفا
للقياس الجلي
( 2 )
.
| |
1 . صحيح البخاري كتاب البيوع ، باب
النهي للبايع أن لا يحفل الإبل . . . رقم 2148 و 2150
.
2 . فتح الباري ، كتاب البيوع 4 : 290 .
|
|
|
|