|
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني -
ص 233 |
|
أبو حنيفة يطعن على أبي هريرة
وذكر الزندويستي
( 1 )
وهو من أجلة علماء الحنفية وأعاظم مشايخهم وأثنى عليه الكفوي في « كتائب
الأعلام الأخيار » في كتابه المسمى
ب « روضة العلماء » روى عن أبي حنيفة رضي الله عنه
أنه سئل ، فقيل له : إذا قلت قولا وكان كتاب الله
يخالف قولك ؟ قال : أترك قولي بكتاب الله ، فقيل : إذا
كان خبر الرسول يخالف قولك ؟ قال : أترك قولي بخبر
الرسول ، فقيل : إذا كان قول الصحابي يخالف قولك ؟ قال
: أترك قولي بقول الصحابي ، فقيل له : إذا كان قول
التابعين يخالف قولك ؟ قال : إذا كان التابعي رجلا
فأنا رجل ، ثم قال : أترك قولي بجميع قول الصحابة إلا
ثلاثة منهم : أبو هريرة ، وأنس بن مالك ، وسمرة بن
جندب . قال : قال الفقيه أبو جعفر الهندواني : انما لم
يترك قوله بقول هؤلاء الثلاثة لأنهم مطعونون إلى آخر
ما ذكره .
وحكى أيضا عن عيسى بن أبان أنه قال : أقلد
أقاويل جميع الصحابة الا ثلاثة منهم : أبو هريرة ، و
وابصة بن معبد
( 2 )
، وأبو سنابل بن بعكك .
والقضية
السابقة أعني مطعونية أبي هريرة عند أبي حنفية مذكورة
في « كتائب الأعلام الأخيار » أيضا . ويظهر من ابن حزم
الأندلسي من أعيان محققي القوم الذي ذكروا أنه بلغ
| |
1 . الحسين بن يحيى البخاري الزندويستي له كتاب
روضة العلماء ونظم الفقه وترجمته في
الجواهر المضية 1 : 621 باسم « علي بن يحيى » والفوائد البهية
: 225 وتاج التراجم : 94 رقم 103 وكشف الظنون 1 : 928
.
2 . أسد الغابة 6 : 156 رقم 5979 .
|
|
|
رتبة الاجتهاد فكان لا يقلد أحدا من الأئمة الأربعة ،
وذكر محيى الدين في الفتوحات أنه رآه صار متحدا مع
الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - في كتاب « المحلى
» في مسألة أحقية البايع بمتاع المبتاع إذا أفلس : ان
محمد بن الحسن الشيباني مقلد الحنفية وتلميذ إمامهم
الأعظم ، والذي نقلوا في حقه من الشافعي : أن اليهود
والنصارى لو نظروا في تصانيف محمد بن الحسن لآمنوا من
غير اختيار ، كان يطعن في أبي هريرة ، ولا يحتج
بروايته .
قال ابن حزم : روينا من طرق أبي عبيدة ، أنه
ناظر في هذه المسألة ، محمد بن الحسن ، فلم يجد عنده
أكثر من أن قال : هذا من حديث أبي هريرة . قال علي :
نعم والله من حديث أبي هريرة البر الصادق ، لا من حديث
مثل محمد بن الحسن الذي قيل لعبد الله بن المبارك : من
أفقه أبو يوسف أو محمد بن الحسن ؟ فقال : قل أيهما
أكذب
( 1 )
.
وليت شعري أن الحنفية لماذا يعتمدون على
رواية أبي هريرة بعد ما صدر في حقه عن إمامهم الأعظم
وتلميذه الأفخم ما صدر ؟ !
ومن مطاعنه : أنه كان يلعب
بالشطرنج ، ذكر الدميري في حياة الحيوان في لغة العقرب
ما لفظه : وروى الصعلوكي تجويزه ، أي الشطرنج عن عمر
بن الخطاب ، وأبي هريرة ، والحسن البصري ، والقاسم بن
محمد ، وأبي قلابة ، وأبي مجلز ، وعطاء ، والزهري
وربيعة بن عبد الرحمن ، وأبي الزياد ، والمروي ، عن
أبي هريرة من اللعب به مشهور في كتب القوم . وذكر ابن
الأثير في النهاية : وفي حديث بعضهم قال رأيت أبا
هريرة
| |
1 . المحلى ، كتاب البيوع ، باب :
أحكام التفليس 8 : 178 - 179 . |
|
|
يلعب السدر ، السدر لعبة يقامر بها ، تكسر سينها وتضم
، وهي فارسية معربة عن ثلاثة أبواب
( 1 )
، يعني « سه
در » .
وقال ابن تيمية المتعصب الناصب في منهاجه : ان
مذهب جمهور العلماء أن الشطرنج حرام وقد ثبت عن علي بن
أبي طالب انه مر بقوم يلعبون الشطرنج فقال :
( مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ
الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ) ؟
( 2 )
.
وكذلك
النهي عنها معروف عن أبي موسى وابن عباس وابن عمر
وغيرهم من الصحابة ، وتنازعوا في أن أيهما أشد تحريما
؟ الشطرنج أو النرد ، فقال مالك : الشطرنج أشد من
النرد .
وهذا منقول عن ابن عمر لأنها تشغل القلب
بالفكر ، والذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وقال أبو
حنيفة وأحمد : النرد أشد
( 3 )
.
واعترف بصحة هذا
الحديث المروي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - ، ابن روزبهان في كتابه .
وفي كنز العمال : ملعون من لعب
الشطرنج ، والناظر إليها كالآكل للحم الخنزير ، رواه
عبدان ، وأبو موسى ، وابن حزم ، عن حبة بن مسلم وفيه
أيضا : إذا أمرتم بهذا ، الذين يلعبون بهذه الأزلام ،
والشطرنج ، والنرد ، وما كان من هذه فلا تسلموا عليهم
، وإن سلموا عليكم فلا تردوا عليهم .
والديلمي عن أبي
هريرة : ويكفي في ذم اللعب به هذا الحديث الذي
| |
1 . النهاية
لابن الأثير 2 : 354 .
- 2 .
الأنبياء : 52 .
- 3 .
منهاج السنة 2 : 98 .
|
|
|
حدث به أبو هريرة نفسه ، وروى في كنز العمال روايات
أخر كثيرة دالة على حرمته وذم فاعله ، و « أنه من أهل
النار » ، و « انه من شرار خلق الله » ، و « لا ينظر
الله إليه يوم القيامة » ، نقلا عن الديلمي وابن أبي
شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن ماجة ،
وعبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا ، وهؤلاء كلهم من
أساطين دينهم ومذهبهم ، وسودوا في إثبات فضائلهم
ومحامدهم أوراقا طويلة .
ومن قبائح أبي هريرة وشنائعه
الفظيعة ، انه كان منحرفا عن أمير المؤمنين صلوات الله
عليه ، موليا لعدوه ، معاد لوليه . ولما نبهه على ذلك الأصبغ بن نباته استرجع ولم يحر جوابا .
قال سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة : قال اصبغ : فقلت يا
معاوية لا تقتل بقتلة عثمان ، فإنك لا تطلب إلا الملك
والسلطنة ، ولو أردت نصرته لفعلته ، ولكنك تربصت به
وتقاعدت لتجعل ذلك سببا إلى الدنيا ; فغضب ، فأردت أن
أزيده ، فقلت يا أبا هريرة أنت صاحب رسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم - أقسم عليك بالله الذي لا إله
إلا هو ، وبحق رسوله هل سمعت رسول الله يقول يوم غدير
خم في حق أمير المؤمنين : « من كنت مولاه فعلي مولاه »
؟ فقال : إي والله لقد سمعته يقول ذلك . فقلت : إذن
أنت يا أبا هريرة واليت عدوه وعاديت وليه ، فتنفس أبو
هريرة وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فتغير وجه
معاوية ، وقال : يا هذا كف عن كلامك فلا تستطيع أن
تخدع أهل الشام عن الطلب بدم عثمان ، فإنه قتل مظلوما
.
سبط ابن الجوزي ومن المناسب جدا ان نتعرض هنا إجمالا
لحال سبط بن الجوزي ، وشطر من محامده واثبات انه من
أعاظم علماء القوم ، وان تذكرته من الكتب المعتمدة ،
فإنا ننقل كثيرا عن تذكرته فربما يجر أحد المتعصبين
الجاهلين على إزرائه والقدح في جلالته أو في كتابه ،
أو عدم صحة انتساب الكتاب إليه .
فنقول : هو من أعيان
علمائهم المحققين وأجلاء محدثيهم المنقدين ولا يزال
سلف علمائهم وخلفهم يستندون إلى إفاداته ويحتجون
بكلماته كإمامهم الذهبي ، وابن حجر العسقلاني ،
والسيوطي والصفدي ، وابن خلكان ، وتقي الدين الفاسي ،
ونور الدين السمهودي ، وصاحب الصواعق ، وغيرهم .
وقد
اعتمد على كتابه المذكور جماعة ، منهم : السمهودي
وغيره ، حتى أن علامتهم المتعصب نقل عن كتابه هذا -
أعني تذكرة خواص الأمة - في الصواعق . واعتمد على
كلامه جماعة ، منهم : الحافظ أبو المؤيد الخوارزمي ،
من أوائل مسند أبي حنيفة ، عند دفع الإشكالات عن أبي
حنيفة . قال : وأما قوله : أن أبا حنيفة لحن حيث قال
في مسألة : القتل بالقتل ، ولو رماه بأباقبيس ،
فالجواب عنه بوجوه ثلاثة : الأول : أنه ذكر الإمام
الحافظ سبط بن الجوزي انه افتراء على أبي حنيفة .
وجعله الكابلي في الصواعق من قرناء الطبري ، والبخاري
، واحتج بكتاب تاريخه عند الجواب عن طعن درء الحد عن
المغيرة .
والذهبي أثنى عليه في العبر في أخبار من غبر
( 1 )
لكن
عابه وازدري عليه في كتاب الميزان
( 2 )
، وعابه في
كتاب تاريخه ، فقال : انه ألف مرآة الزمان فتراه يأتي بمناكير الحكايات ، وما أظنه بثقة بل يحيف ويجازف ثم
انه يترفض .
وقال في موضع آخر كان حنبليا وتحول حنفيا
للدنيا ، وتعقبه العلامة الكفوي في كتائب الأعلام
الأخيار وقال : واعلم ان صاحب « مرآة الزمان » قد كان
ناقلا عمن تقدمه في التاريخ ووظيفته الرواية والعهدة
على الراوي فنسبته إلى المجازفة جور عليه فان غالب
التاريخ لا يشترط فيه الأسانيد التي لا غبار عليها ،
على أن صلاح الدين الصفدي والشيخ الحافظ شمس الدين
الذهبي ومن بعدهما تطفلوا على تاريخه ونقلوا من « مرآة
الزمان » شيئا كثيرا فان لم يكن ثقة فهم ليسوا بثقات .
وقال ابن خلكان في تاريخه بعد ذكر عبد الرحمن بن علي
المعروف بابن الجوزي وكان سبطه شمس الدين
( 3 )
. . .
. أبو المظفر يوسف بن قزغلي الواعظ المشهور ، حنفي
المذهب ، وله صيت وسمعة في مجالس وعظه مقبول عند
الملوك وغيرهم ، وصنف تاريخا كبيرا رأيته بخطه في
أربعين مجلدا سماه
| |
1 . العبر 3 : 274 سنة 654 ه ، وفيه :
وابن الجوزي العلامة الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو
المظفر يوسف بن قزأغلي التركي ثم البغدادي العوني
الهبيري الحنفي ، سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن
الجوزي ، سمعه جده منه ، ومن ابن كليب وجماعة ، قدم
دمشق سنة سبع وست مائة ، فوعظ بها ; وحصل له القبول
العظيم للطف شمائله وعذوبة وعظه ، وله تفسير في « تسعة
وعشرين » مجلدا و « شرح الجامع الكبير » وجمع مجلدا في
« مناقب أبي حنيفة » ودرس وأفتى ، وكان في شبيبته
حنبليا ، توفي في الحادي والعشرين من ذي الحجة وكان
وافر الحرمة عند الملوك .
2 . ميزان الإعتدال 4 : 471
رقم 9880 . - 3 . والنسخة التي كانت بأيدينا من الكتاب
تختم بهذه الكلمة والأسف أنها سقيمة .
|
|
|
« مرآة الزمان » وتوفي ليلة الثلاثاء ، حادي عشرين ذي
الحجة سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق بمنزله بجبل
قاسيون ودفن هناك ، ومولده سنة احدى وثمانين وخمسمائة
ببغداد ، رحمه الله تعالى ، وكان يقول : أخبرتني أمي
أن مولدي سنة اثنتين وثمانين
( 1 )
.
وذكره الذهبي في
كتبه وأثنى عليه ، قال في سيره : الشيخ العالم المتفنن
الواعظ البليغ المؤرخ الاخباري ، واعظ الشام شمس الدين
أبو المظفر يوسف بن قزغلي بن عبد الله التركي العوني
الهبيري البغدادي الحنفي سبط الإمام أبي الفرج ابن
الجوزي ، انتهت إليه رئاسة الوعظ وحسن التذكير ومعرفة
التاريخ ، وكان حلو الإيراد ، لطيف الشمائل ، مليح
الهيئة ، وافر الحرمة ، له قبول زائد ، وسوق نافق
بدمشق ، أقبل عليه أولاد الملك العادل ، وأحبوه ، وصنف
« تاريخ مرآة الزمان » وأشياء ، ورأيت له مصنفا يدل
على تشيعه ، وكان العامة يبالغون في التغالي في مجلسه
، سكن دمشق من الشبيبة ، وأفتى ودرس . توفي بمنزله
بسفح قاسيون ، وشيعه السلطان والقضاة وكان كيسا ظريفا
متواضعا ، كثير المحفوظ ، طيب النغمة ، عديم المثل ،
له تفسير كبير في تسعة وعشرين مجلدا ، توفي في ذي
الحجة سنة أربع وخمسين وستمائة
( 2 )
.
| |
1 . وفيات الأعيان 3 : 142 .
2 .
سير
أعلام النبلاء 23 : 296 رقم 203 ، وترجمته في ذيل مرآة
الزمان 1 : 39 - 43 ، تاريخ
الإسلام للذهبي وفيات 650
- 660 ، العبر 4 : 220 ،
ميزان الاعتدال 4 : 471 ،
فوات الوفيات 4 : 356 - 357 رقم 592 ،
مرآة الجنان 4 :
136 ، الجواهر المضيئة 2 : 230 - 232 رقم 719 ،
البداية والنهاية 13 : 194 ،
العسجد المسبوك : 623 ،
لسان الميزان 6 : 328 رقم 1968 ،
النجوم الزاهرة 7 :
39 ، شذرات الذهب 5 : 266 ،
الفوائد البهية : 183 .
|
|
|
قد تمت الرسالة المسماة بالقول الصراح فنسأل الله
سبحانه وتعالى أن يوفقنا بالشكر دائما ولاداء الحق
والتمسك بحبل الله المتين قائما على ( ومن يهد الله
فماله من مضل )
والحمد لله رب العالمين
* * *
|