اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- الفصول المهمة في تأليف الامة - السيد شرف الدين ص 52 :

الفصل الثامن نضمنه طائفة ممن تأولوا من السلف فخالفوا الجمهور ولم يقدح ذلك في عدالتهم .


وغرضنا الذي نرمي إليه إنما هو إيضاح معذرة المتأولين من المسلمين ، وذلك أنك إذا رأيت صالح سلفك ومن أخذت عنه دينك واتخذته واسطة بينك وبين نبيك صلى الله عليه وآله وهو يخالفك مجتهدا وينحو غير نحوك متأولا فلا جرم أنك تقطع حينئذ بمعذرة من يتأول من معاصريك نحو تأوله أو يخالفك مثل خلافه .


وأنا أرجو ممن خدمتهم من إخواني المسلمين بهذه الرسالة أن ينظروا بعين الإنصاف هل كان بين الله عز وجل وبين أحد من الناس قرابة فيحابيه ؟ كلا ! ما كان الله ليعاقب قوما بأمر يثيب به آخرين ، وإن حكمه في الأولين والآخرين لواحد ، وما بين الله تعالى وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين .


إن المتأولين بما يخالف الجمهور من الصحابة والتابعين وتابعيهم كثيرون لا يسعنا استقصاؤهم وإنما نذكر منهم ما يحصل به الغرض :

- ص 53 -

هذا أبو ثابت سعد بن عبادة العقبي البدري سيد الخزرج ونقيبهم وجواد الأنصار وعظيمهم ، تخلف عن بيعة الخليفتين ، وخرج مغاضبا إلى الشام فقتل غيلة بحوران سنة 15 للهجرة ، وله كلام يوم السقيفة وبعده نلفت الطالبين له إلى كتاب الإمامة

والسياسة لابن قتيبة أو إلى تاريخ الطبري أو كامل ابن الأثير أو غيرها من كتب السير والأخبار ، فإني لا أظنه يخلو من كتاب يشتمل على ذكر السقيفة وكل من ذكر سعدا من أهل التراجم ذكر تخلفه عن البيعة ، ومع ذلك لم يرتابوا في كونه من أفضل المسلمين وعدول المؤمنين ، وما ذاك إلا لكونه متأولا ، فهو معذور عندهم وإن كان مخطئا .


وهذا حباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري البدري الأحدي ، تخلف عن البيعة أيضا كما هو معلوم بحكم الضرورة من تاريخ السلف ، فلم يقدح ذلك في عدالته ولا أنقص من فضله ، وهو القائل : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ( 1 ) أنا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة .

وله كلام آخر رأينا الإعراض عنه أولى ، ولولا معذرة المتأولين ما كان أهل السنة ليقطعوا بأن هذا الرجل من أفاضل أهل الجنة ، ومع مكاشفته للخليفتين بما هو مبسوط في كتب الفريقين .
 

وهذا أمير المؤمنين عليه السلام ، وعمه العباس وبنوه ، وعتبة بن أبي لهب ، وسائر بني هاشم ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمار ، والزبير ، وخزيمة بن ثابت ، وأبي بن كعب ، وفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري ،

وخالد ابن سعد بن العاص ، والبراء بن عازب ، ونفر غيرهم تخلفوا عن البيعة أيضا بحكم ما تواتر من الأخبار واتضح اتضاح الشمس في رائعة النهار ، وقد نص الشيخان

  * هامش *  
  (1) الجذيل مصغر جذل : عود ينصب للجرباء لتحتك به . والعذيق مصغر عذق : قنو النخلة . والمرجب : المبجل ، والتصغير هنا للتعظيم . ( * )  

 

- ص 54 -

البخاري ومسلم في صحيحيهما ( 2 ) على تخلف علي عن البيعة حتى لحقت سيدة النساء بأبيها صلى الله عليه وآله وانصرفت عنه وجوه الناس .

وصرح بتخلفه المؤرخون كابن جرير الطبري في موضعين من أحداث السنة الحادية عشرة من تاريخه المشهور ، وابن عبد ربه المالكي في حديث السقيفة من الجزء الثاني من العقد الفريد ( 3 ) وابن قتيبة في أوائل كتابه الإمامة والسياسة

وابن الشحنة حيث ذكر بيعة السقيفة في كتابه " روضة المناظر " ( 4 ) وأبي الفداء حيث أتى على ذكر أخبار أبي بكر وخلافته في تاريخه الموسوم بالمختصر في أخبار البشر ونقله المسعودي في مروج الذهب عن عروة بن الزبير في مقام

الاعتذار عن أخيه عبد الله ( 5 ) إذ هم بتحريق بيوت بني هاشم عليهم حين تخلفوا عن بيعته ، ورواه الشهرستاني عن النظام عند ذكره للفرقة النظامية في كتابه

  * هامش *  
  (2) راجع أواخر باب غزوة خيبر في صفحة 36 من الجزء الثالث من صحيح البخاري المطبوع في مصر سنة 1309 وفي هامشه تعليقة السدي ، أو باب قول النبي ( ص ) لا نورث ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد والسير من صحيح مسلم في صفحة 72 من الجزء الثاني طبع مصر سنة 1327 تجد التصريح بتخلفه عن البيعة مسندا إلى أم المؤمنين عائشة ( رض ) .

(3)
في ص 197 من النسخة المطبوعة في مصر سنة 1305 وفي هامشها زهر الآداب .
(4)
هذا الكتاب ومروج الذهب مطبوعان في الهامش من كامل ابن الأثير ، أما مروج الذهب فمطبوع مع الخمس الأول من مجلدات الكامل ، وهذا الكتاب - أعني تاريخ ابن الشحنة - في هامش المجلد الأخير المشتمل على جزء 11 وجزء 12 ، وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 112 من الجزء الحادي عشر فراجع .
(5)
عرفت أن مروج الذهب مطبوع في هامش ابن الأثير ، وما نقلناه الآن عنه موجود في آخر صفحة 259 من الجزء السادس فراجع .
 

 

- ص 55 -

الملل والنحل ، وأورده ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي في أوائل الجزء السادس من شرح النهج ( 6 ) ،

ونقله العلامة في نهج الصدق عن كتاب المحاسن وأنفاس الجواهر وغرر ابن خزابة وغيرها من الكتب المعتبرة ، وأفرد أبو مخنف لبيعة السقيفة كتابا على حدة فيه تفصيل ما أجملناه من تخلف علي عن البيعة وعدم إقراره لهم بالطاعة .

وهذا من أدل الأمور على معذرة المتأولين ، ومن يجترئ على أخي النبي ووليه ووارثه ووصيه ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) فيقول إنه كان حينئذ عاصيا لله سبحانه ، وهو أول من آمن به وأطاعه من هذه الأمة ، أو يقول إنه كان مخالفا

للسنة ، وهو قيمها ووارثها وصاحب العناء بتأييدها ، وقد انتهى إليه ميراثها ، أو يزعم أنه كان مفارقا لشقيقه القرآن وقد نص النبي ( ص ) على أنهما لا يفترقان ( 7 ) أو يتوهم أنه كان مجانبا للصواب ، وقد أذهب عنه الرجس وطهره نص الكتاب ،

أو يقول إنه كان متنكبا عن الحق ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار " أو يقول إنه قعد به الجهل بحكم هذه البيعة ، وهو أقضى الأمة وباب مدينة العلم ( ومن عنده علم الكتاب ) .


وهذا أبو سفيان صخر بن حرب تخلف عن البيعة أيضا وهو القائل يومئذ ( 8 ) إني أرى غبرة لا يطفئها إلا دم ، وجعل يطوف في أزقة المدينة ويقول :

  * هامش *  
  (6) في أوائل الصفحة الخامسة من المجلد الثاني من الشرح طبع مصر .
(7)
أخرج الطبراني في الأوسط " كما في الفصل الثاني من الباب التاسع من الصواعق صفحة 74 " من أم سلمة قالت : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض .
(8)
هذا وما بعده حتى البيتان موجود في حديث السقيفة من العقد الفريد فراجع . ( * )
 

 

- ص 56 -

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
فما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي

وقال ( 9 ) فما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ، ثم قال لعلي : ابسط يديك أبايعك ، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا ، فأبى أمير المؤمنين عليه السلام . فتمثل بقول المتلمس :

ولن يقيم على خسف يراد به * إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يبكي له أحد


هذا بعض ما كان منه يومئذ ، ونحن ( الإمامية ) لا نحمل فعله هذا إلا على إرادة الفتنة ، وشق عصا المسلمين ، ولذا زجره أمير المؤمنين عليه السلام وقال له ( 10 ) والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرا .


وإنما ذكرناه في عداد المتأولين مجاراة لمن يحمل أفعاله على الصحة ، لتتم حجتنا عليهم به في معذرة المتأولين ، ضرورة أنه لا يمكن أن يكون معذورا عندهم في هذا التخلف إلا بناء على ذلك الأصل .
 

  * هامش *  
  (9) هذا وما بعده حتى البيتان الأخيران موجود في حديث السقيفة ؟ عن كامل ابن الأثير .
(10)
نقلناه عن كامل ابن الأثير . ( * )
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب