ومنها تأولهم آية الزكاة ، إذ
أسقطوا منها سهم المؤلفة قلوبهم مع نص الكتاب والسنة على ثبوته ، وكونه معلوما
بحكم الضرورة من دين الإسلام ، وقد أجمعت كلمة المسلمين واتفقت جميع طوائفهم
على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كان يعطيهم منها حتى لحق بربه عز وجل ، وأنه لم يعهد إلى أحد
من بعده بإسقاط سهمهم ، وقد ذكر ( 9 ) صاحب كتاب الجوهرة النيرة على مختصر
| |
* هامش * |
|
| |
(9)
وذكر المؤرخون نظير هذه الحكاية أيضا ، إذ قالوا جاء عيينة بن حصين
والأقرع بن حابس إلى أبي بكر ، فقالا له : إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها
كلا ولا منفعة ، فإن رأيت أن تقطعناها لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم
. فقال أبو بكر لمن حوله : ما تقولون ؟ قالوا : لا بأس ، فكتب لهما = |
|
|
القدوري ( 10 ) في الفقه الحنفي في صفحة 164 من جزئه الأول :
إن المؤلفة قلوبهم جاءوا بعد النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر رضي الله
عنه ليكتب لهم بعادتهم ، فكتب لهم بذلك فذهبوا بالكتاب إلى عمر ( رض ) ليأخذوا
خطه على
الصحيفة ، فمزقها وقال : لا حاجة لنا بكم فقد أعز الله
الإسلام وأغنى عنكم ، فإن أسلمتم وإلا فالسيف بيننا وبينكم فرجعوا إلى أبي بكر
فقالوا له : أنت الخليفة أم هو ؟ فقال : بل هو إن شاء الله وأمضي ما فعله عمر
واستقر الأمر من يومها عند الجمهور على إسقاط هذا السهم ، بحيث لا تبرأ الذمة
عندهم بإعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة .
ومنها تأولهم آية الخمس ، وهي قوله تعالى في سورة
الأنفال : " واعلموا إنما غنمتم ( 11 ) من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى
واليتامى والمساكين
| |
* هامش * |
|
| |
= بها كتابا فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما
فيه ، فأخذه منهما ثم تفل فيه فمحاه ، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة ، ثم
ذهبا إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا : والله ما ندري أأنت الخليفة أم
عمر ؟ فقال : بل هو ، وجاء عمر حتى وقف على أبي بكر وهو مغضب فقال :
أخبرني عن
هذه الأرض التي اقطعتها هذين أهي لك خاصة أم
بين المسلمين ؟ فقال : بل بين المسلمين . فقال : ما حملك على أن تخص
بها هذين ؟ قال : استشرت الذين حولي . فقال : أوكل المسلمين وسعتهم
مشورة ورضا ؟ فقال أبو بكر ( رض ) : فقد كنت قلت لك إنك أقوى على هذا
الأمر
مني لكنك غلبتني . نقل هذه القضية ابن أبي
الحديد في الجزء الثاني عشر من شرح النهج في صفحة 108 من المجلد الثالث
، والعسقلاني في ترجمة عيينة من إصابته وغيرهما .
وليته كان يوم السقيفة وسع كل المسلمين مشورة ،
ويا حبذا لو تأنى حتى يفرغ بنو هاشم من أمر النبي ( ص ) .
(10) هو من أشهر الكتب الحنفية
يتبركون به ، ولمصنفه شأن عظيم ، وما نقلناه هنا عنه مصرح به في كلمات
المحدثين والفقهاء كما لا يخفى .
(11) الغنيمة لغة هي الفوز
بالشئ ، وذلك أعم من غنائم دار الحرب ، وبهذا تعلم دلالة الآية على
مذهبنا في الخمس . ( * )
|
|
|
وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله ( 12 ) وما أنزلنا على عبدنا
يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير " حيث صرفوا الخمس إلى
خلاف منطوقها .
فذهب الإمام مالك " كما هو معلوم من مذهبه " إلى أن الخمس بأسره مفوض إلى
السلطان يصرفه كيف شاء وأنه لا حق لأحد بالمطالبة فيه ، وذهب الإمام أبو حنيفة
" كما هو بديهي من مذهبه " إلى أنه يقسم ثلاثة أسهم : فيعطى لمطلق أيتام
المسلمين سهم ، ولمطلق مساكينهم سهم ، ولمطلق أبناء السبيل منهم سهم ، ولا فرق
عنده في ذلك بين ذي القربى منهم وغيره .
وأنت ترى نص الكتاب قد فرض لذي القربى في الخمس حقا قصره عليهم ، وتعلم أن
السنة المطهرة قد جعلت لهم فيه سهما لن تبرأ الذمة إلى بدفعه إليهم ، وقد أجمع
كافة أهل القبلة من أهل كل مذهب منهم ونحلة على أن رسول الله صلى الله عليه
وآله كان يختص بسهم من الخمس ويخص منه أقاربه بسهم آخر ، ولم
يعهد بتغيير ذلك إلى أحد حتى لحق بربه عز وجل فلما ولي أبو بكر ( رض ) تأول
الأدلة فأسقط سهم النبي صلى الله عليه وآله وسهم ذوي القربى ، ومنع " كما في
تفسير هذه الآية من الكشاف وغيره " بني هاشم من الخمس .
وفي أواخر باب غزوة خيبر من صحيح البخاري في صفحة 36 من جزئه الثالث أن فاطمة
أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ( ص ) مما أفاء الله عليه
بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبي أبو بكر أن يدفع إليها شيئا ،
فوجدت عليه فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي ( ص
) ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى
عليها - الحديث . وهو موجود أيضا في باب قول النبي " لا نورث ما تركناه فهو
| |
* هامش * |
|
| |
(12)
معنى هذا الشرط أن الخمس مصروف إلى هذه الوجوه الستة فاقطعوا عنه
أطماعكم وأدوه لأربابه إن كنتم أمنتم بالله ، وفيه من البعث على أداء
الخمس والانذار لتاركيه ما لا تسع بيانه عبارة . ( * )
|
|
|
صدقة " من صحيح مسلم في صفحة 72 من جزئه الثاني ، وفي مواضيع
أخر من الصحيحين كما لا يخفى .
وأخرج مسلم في أواخر كتاب الجهاد والسير من الجزء الثاني من صحيحه عن قيس بن
سعد عن يزيد بن هرمز قال : كتب نجدة بن عامر ( الحروري الخارجي ) إلى ابن عباس
قال ( يزيد بن هرمز ) فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه . قال :
فقال ابن عباس : والله لولا أن أرده عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه ولا نعمة عين
. قال : فكتب إليه إنك سألت عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله من هم ؟ وإنا كنا
نرى أن قرابة رسول الله ( ص ) هم نحن ، فأبى ذلك علينا قومنا - الحديث ( 13 ) .
وأخرجه أيضا الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر صفحة 294 من الجزء الأول من
مسنده ، ورواه المحدثون بطرق كلها صحيحة ، وهذا هو مذهب أهل البيت والمتواتر عن
أئمتهم عليهم السلام .
| |
* هامش * |
|
| |
(13)
فراجعه في أول صفحة 105 من ج 2 من صحيح مسلم
المطبوع سنة 1327 على نفقة الحلبي وأخويه . |
|
|