اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- الفصول المهمة في تأليف الامة - السيد شرف الدين ص 90 :

ومنها اقتصارهم في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات ، كما هو معلوم من فقه أهل المذاهب الأربعة وسيرتهم ، وأول من جمع الناس على ذلك عمر بن الخطاب ( رض ) كما نص عليه جماعة كثيرون ، منهم السيوطي حيث ذكر أوليات عمر في

تاريخ الخلفاء ، وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تأريخه روضة المناظر ( 14 ) وغيرهما من أهل الأخبار .


ويدلك على تأولهم في هذه المسألة ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث زيد ابن أرقم في صفحة 370 من الجزء الرابع من مسنده عن عبد الأعلى قال : صليت
 

  * هامش *  
  (14) وهو مطبوع في هامش ابن الأثير وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 122 من جزء 11 . ( * )  

 

- ص 91 -

خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسا ، فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال : نسيت ؟ قال لا ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي صلى الله عليه وآله فكبر خمسا فلا أتركها أبدا ا ه‍ .


ومنها تأولهم في البكاء على الميت حيث حرمه الخليفة الثاني ، حتى أخرج الطبري عند ذكر وفاة أبي بكر في حوادث سنة 13 من الجزء الرابع من تأريخه بالإسناد إلى سعيد بن المسيب قال : لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح فأقبل عمر

بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبي بكر فأبين أن ينتهين فقال عمر لهشام بن الوليد : أدخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة . فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : إني أحرج عليك بيتي . فقال عمر لهشام : أدخل فقد أذنت لك فدخل هشام فأخرج أم فروة أخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك ا ه‍ .


هذا مع ما أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس في صفحة 335 من الجزء الأول من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وبكاء النساء عليها قال : فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي دعهن يبكين ، وقعد على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي . قال : فجعل النبي يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة ا ه‍ .


وأخرج أحمد أيضا من حديث أبي هريرة في صفحة 333 من الجزء الثاني من مسنده حديثا جاء فيه أنه : مر على رسول الله جنازة معها بواكي فنهرهن عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : دعهن فإن النفس مصابة والعين دامعة .


وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر في صفحة 40 من مسنده قال : رجع رسول الله من أحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ولكن حمزة لا بواكي له قال : ثم نام
 

- ص 92 -

فانتبه وهو يبكين حمزة قال : فهن اليوم إذا بكين يندبن حمزة ا ه‍ - وهذا الحديث مستفيض بين المسلمين ، وقد ذكره ابن جرير ، وابن الأثير ، وصاحب العقد الفريد ، وجميع أهل السير والأخبار .


وفي ترجمة حمزة الاستيعاب نقلا عن الواقدي ، قال : لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله " لكن حمزة لا بواكي له " إلى اليوم إلا بدأت بالبكاء على حمزة . وذكر ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه قال : لما جاء النبي ( ص ) نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها . قال ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه ، فقال رسول الله ( ص ) على مثل جعفر فلتبك البواكي .


وأخرج البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه أنه صلى الله عليه وآله وسلم بكى على زيد وجعفر ، وذكر ابن عبد البر في ترجمة زيد من استيعابه أنه صلى الله عليه وآله بكى على جعفر وزيد ، وقال : أخواي ومؤنساي ومحدثاي .

وبكى على ولده إبراهيم فقال له عبد الرحمن بن عوف ( كما في الجزء الأول من صحيح البخاري ) وأنت يا رسول الله ؟ قال : بابن عوف إنها رحمة ، ثم اتبعها - يعني عبرته - بأخرى فقال : إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وأنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون .


وقد علم الناس كافة بكاءه على عمه حمزة حتى قال ابن عبد البر في ترجمته من الاستيعاب : لما رأى النبي حمزة قتيلا بكى ، فلما رأى ما مثل به شهق .


وذكر الواقدي ( كما في أواخر صفحة 387 من المجلد الثالث من شرح النهج أن النبي ( ص ) كان يومئذ إذا بكت صفية يبكي وإذا نشجت ينشج ، قال : وجعلت فاطمة تبكي فلما بكت بكى رسول الله . وبكى صلى الله عليه وآله على صبي مات لإحدى بناته ، فقال له
 

- ص 93 -

سعد ( كما في صحيحي البخاري ومسلم ) ما هذا يا رسول الله ؟ قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ا ه‍ - إلى ما لا يحصى من قبيل هذه الأحاديث المشهورة ، مما لا يمكن استقصاؤه وفي هذا المقدار كفاية .


وأما ما جاء في الصحيحين من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، وفي رواية ببعض بكاء أهله عليه ، وفي رواية ببكاء الحي ، وفي رواية يعذب في قبره بما نيح عليه ، وفي رواية من يبك عليه يعذب ، فإنه خطأ من الراوي بحكم العقل والنقل .


قال الفاضل النووي ( عند ذكر هذه الروايات في باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من شرح صحيح مسلم ) : هذه الروايات كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ، قال : وأنكرت عائشة عليهما ، ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه واحتجت بقوله تعالى : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " .


قلت : وأنكر هذه الروايات أيضا ابن عباس واحتج على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى ناحت على أبيها يوم مات ، فكان بينها وبين عمر ما قد سمعت ، والتفصيل في رسالتنا " الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة " وفي مقدمة مجالسنا الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة ( 15 ) .


وللسلف تأولات غير الذي ذكرناه كتأخيرهم مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم ( 16 ) وكان ملصقا بالبيت ، وتوسعتهم المسجد الحرام سنة 17 للهجرة

  * هامش *  
  (15) المطبوعة سنة 1332 .
(16)
أخره الخليفة الثاني كما هو مستفيض عنه فراجع صفحة 113 من المجلد الثالث من شرح النهج الحديدي طبع مصر ، ومادة " الديك " من حياة الحيوان للفاضل الدميري . وقال ابن سعد في ترجمة عمر من =
 

 

- ص 94 -

بإضافة دور جماعة من حوله إليه ، وكانوا أبوا بيعها فهدمها الخليفة الثاني عليهم ( 17 ) ووضع أثمانها في بيت المال حتى أخذوها ، وكحكمه على اليمانيين بدية أبي خراش الهذلي الشاعر الصحابي المشهور ( 18 ) إذ باتوا ضيوفا عنده ، فذهب

يستقي لهم فمات من حية نهشته في الطريق ، وكنفيه نصر بن الحجاج بن علابط السلمي إلى البصرة ( 19 ) إذ تغنت به امرأة في دارها وكان في غاية من الحسن والجمال ( 20 ) وكقضاياه المختلفة في ميراث الجد مع الإخوة ( 21 ) حتى رجع إلى رأي زيد بن ثابت الأنصاري .


وكتأوله آية التجسس ، إذ رأى فيه صلاح المملكة ونفع الرعية ، فكان

  * هامش *  
   = طبقاته ما هذا لفظه : وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت ا ه‍ - ونقل السيوطي ذلك في أحوال عمر من تاريخ الخلفاء
(17)
نص على ذلك جميع أرباب السير كابن الأثير في حوادث تلك السنة من كامله وغيره .
(18)
ذكر هذه القضية ابن عبد البر في ترجمة أبي خراش من كتاب الكنى من الاستيعاب ، ونقلها عنه الدميري في مادة " الحية " من كتاب حياة الحيوان .

(19)
هذه القضية مستفيضة فراجع صفحة 99 من المجلد الثالث من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر تجد تفصيلها ، وقد ذكرها ابن خلكان في ترجمة نصر بن الحجاج من وفياته تفصيلا .
(20)
وكنفيه ضبيع التميمي إلى البصرة أيضا بعد ضربه الضرب المبرح إذ سأله عن تفسير آية من القرآن في قضية ذكرها ابن أبي الحديد في صفحة 122 من المجلد الثالث من شرح نهج البلاغة .
(21)
في صفحة 173 من الجزء الثاني المطبوع في هامشه كتاب عوارف المعارف . . ( * )
 

 

- ص 95 -

يتجسس نهارا ويعس ليلا ، حتى ذكر الغزالي في إحياء العلوم ( 22 ) إنه سمع وهو يعس بالمدينة صوت رجل يتغنى في بيته فتسور عليه ، فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال : يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته ؟ فقال : إن كنت

عصيت الله في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاث . قال الله : " ولا تجسسوا " وقد تجسست ، وقال : " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " وقد تسورت علي ، وقال " لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ، الآية ، وقد دخلت بيتي بغير إذن ولا سلام .

فقال عمر ( رض ) : هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال : نعم فتركه وخرج ، إلى غير ذلك من مصاديق اجتهاداته وموارد تأولاته التي عدل بها عن ظواهر الأدلة حرصا على توطيد دعائم السياسة وابتغاء لتنظيم شؤونها ، وتقديما لمصلحة

المملكة ، وإيثارا لتقوية الشوكة من وضعه الخراج على السواد ، وكيفية ترتيبه للجزية وعهده بالشورى على الوجه المعلوم ، وقوله ( 23 ) يومئذ : " لو كان سالم ( ابن معقل مولى أبي حذيفة ) حيا استخلفته " مع انعقاد الاجماع ( 24 ) نصا وفتوى

على عدم جواز عقد الإمامة لمثله ، ضرورة إنه من أهل فارس ، إما من إصطخر أو من كرمد ، استرقته زوجة أبي حذيفة ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكانت من الأنصار .
 

  * هامش *  
  (22) روى ذلك طارق بن شهاب الزهري ، والتفصيل في مادة " الحية " من حياة الحيوان للدميري .

(23) هذا القول متواتر عنه ، وهو موجود في كامل ابن الأثير وغيره من كتب السير والأخبار حتى صرح ابن عبد البر ، حيث أورد هذه المقالة في ترجمة سالم من استيعابه بأنها عن رأي رآه عمر واجتهاد أدى إليه نظره ، وأخرج أحمد من حديث عمر في صفحة 20 من مسنده أنه قال : لو أدركني أحد رجلين لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة .

(24) صرح بانعقاد الاجماع على ذلك جماعة كثيرون ، منهم النووي في أول كتاب الإمارة من شرحه لصحيح مسلم ، ولو راجعت ذلك الكتاب في صحيح مسلم لازددت بصيرة في أئمتك الاثني عشر عليهم السلام . . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب