اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- الفصول المهمة في تأليف الامة - السيد شرف الدين ص 110 :

ومن تأمل أحوالهم زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلا عن أيام خلافتهم على أنهم كانوا كما نبهناك إليه .

ألا تراهم يوم تبوك كيف أنكروا إذن النبي ( ص ) يومئذ بنحر إبلهم وأكل لحومها ، إذ أملقوا في تلك الغزوة وجاعوا فأنكر عمر رضي الله عنه ذلك وقال : ما بقاؤكم بعد إبلكم والقضية ثابتة معروفة ، أخرجها البخاري في باب حمل الزاد في الغزو من كتاب الجهاد والسير من الجزء الأول من صحيحه ، ورواها سائر المحدثين .


وأنكروا عليه صلح الحديبية بتلك العبارات المزعجة ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم مأمورا به والحكمة كانت فيه بالغة ، إذ دخل بسببه في الدين أضعاف ما دخل فيه قبل ذلك ، فكان في الواقع فتحا مبينا ( 24 ) ونصرا عزيزا
 

  * هامش *  
  (24) وفيه أنزل الله تعالى " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " عن الشعبي وغيره كما في الكشاف وغيره . وعن موسى بن عقبة كما في الكشاف أيضا أقبل رسول الله ( ص ) من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح ، لقد صدونا عن البيت وصد هدينا ، فبلغ النبي ( ص ) ذلك فقال : بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح - الحديث . ( * )  

 

- ص 110 -

بيد أن أبا حفص رضي الله عنه لم يدرك يومئذ حكمته واعتقده خطة خسف فأنكره جهرة وصادر به علانية ، والقضية مشهورة وحسبك منها ما أخرجه مسلم في باب صلح الحديبية من الجزء الأول من صحيحه أن عمر بن الخطاب قال يومئذ :

ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال رسول الله ( ص ) : بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى . قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال ( ص ) : يا بن الخطاب إني رسول الله ولن

يضيعني الله أبدا . قال : فانطلق عمر ( رض ) فلم يصبر متغيضا ، فأتى أبا بكر رضي الله عنه فقال : يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى . قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال : يا بن الخطاب أنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا - الحديث .


وأخرجه غير واحد من المحدثين بلهجة أشد مما سمعت .

وأخرج البخاري في آخر كتاب الشروط ( 25 ) من صحيحه حديثا جاء فيه : أن عمر ( رض ) قال : فقلت ألست نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى قلت ، فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟

قال ( ص ) : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري . قلت أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام . قلت : لا قال : فإنك آتيه ومطوف به ؟ قال : فأتيت أبا بكر فقلت : أليس هذا نبي الله حقا ؟

قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟ قال : أيها الرجل إنه لرسول الله ، وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه ( 26 ) فوالله إنه على الحق . فقلت :
 

  * هامش *  
  (25) في صفحة 81 من جزئه الثاني .
(26)
الغرز ركاب من جلد يضع الراكب رجله فيه ، فيكون المعنى =
 

 

- ص 111 -

أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام . قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال عمر ( رض ) فعملت لذلك أعمالا ( 27 ) قال : فلما فرغ رسول الله ( ص ) من قضية الكتاب ( الذي كتبه يومئذ في الصلح ) قال ( ص ) لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا . قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات - الحديث .


وأخرجه الإمام أحمد من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في مسنده ( 28 ) وذكر الحلبي في غزوة الحديبية من سيرته ( 29 ) أن عمر ( رض ) جعل يرد على رسول الله ( ص ) الكلام ، فقال له أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا بن الخطاب رسول الله ( ص ) يقول ما يقول ، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم .


قال الحلبي : وقال رسول الله ( ص ) يومئذ : يا عمر إني رضيت وتأبى .

وقال الحلبي وغيره أن عمر ( رض ) كان بعد ذلك يقول : ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به . . . إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية .


وأنكر رضي الله عنه يوم بدر أخذ الفداء من الأسرى وإطلاق سراحهم ، وكان من رأيه أن يعمد حمزة إلى أخيه العباس فيقتله ، ويأخذ علي أخاه عقيلا

  * هامش *  
   = أعتلق به وأمسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه ، فاستعار له الغرز كالذي بمسك بركاب الراكب ويسير بسيره . وفي القاموس : غرز كسمع أطاع السلطان بعد عصيان ، وعلى هذا فلفظ غرزه هنا مصدر غرز فيكون المعنى استمسك بطاعته بعد العصيان .

(27) لا تخفى دلالة كلمته هذه على أن أعماله كانت عظيمة وبسببها لم يمتثلوا أمره إياهم بالنحر حتى أمرهم بذلك ثلاثا كما ستسمعه في الأصل .
(28)
راجع آخر الصفحة 230 من جزئه الرابع .
(29)
في الصفحة 19 من الجزء الثالث . ( * )

 

 

- ص 112 -

فيقتله ، وهكذا كل مسلم له قرابة في أسرى المشركين يقتله بيده حتى لا يبقى منهم أحد ، فأعرض رسول الله ( ص ) عن هذا الرأي ، تعبدا بالوحي الموافق للرحمة والحكمة " وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحي . علمه شديد القوى "

لكن الجاهلين بعصمته وحكمته " لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما " كان الحق في هذه الواقعة مع عمر ( رض ) ، معتمدين في ذلك على أحاديث اختلقها بعض المنافقين من أعداء الله ، " وما أنزل الله بها من

السلطان " ، " فما قدروا الله حق قدره " وقد أمعنوا في التيه وأوغلوا في الجهل وتسكعوا في تفسير قوله تعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسري حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم . لولا كتاب من الله

سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " حيث اشتبهت عليهم في هذه الآية معالم القصد وعميت لديهم فيها وجوه الرشد ، فقالوا بنزولها في التنديد برسول الله ( ص ) وأصحابه ، حيث آثروا ( بزعم هؤلاء الجهلاء ) عرض الدنيا على الآخرة ، فاتخذوا

الأسرى ، وأخذوا منهم الفداء قبل أن يثخنوا في الأرض وزعموا أنه لم يسلم يومئذ من الخطيئة إلا عمر رضي الله عنه ، وإنه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطاب ، ورووا في ذلك من الروايات الموضوعة ما شاءه جهلهم ، واقتضاه نفاق الواضعين وعداوتهم .


وكذب من زعم أنه ( ص ) اتخذ الأسرى وأخذ منهم الفداء قبل أن يثخن في الأرض ، فإنه بأبي وأمي إنما فعل ذلك بعد أن أثخن في الأرض ، وقتل صناديد قريش وطواغيتها ، كأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد وحنظلة إلى سبعين من رؤوس الكفر

وزعماء الضلال ، كما هو معلوم بالضرورة الأولية ، فكيف يمكن بعد هذا أن يتناوله ( ص ) اللوم المذكور في الآية ( تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ) ؟ ! والصواب أن الآية إنما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودون العير وأصحابه
 

- ص 113 -

على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في هذه الواقعة عز من قائل : " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين إنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين " وكان صلى الله عليه وآله قد استشار أصحابه ،

فقال لهم ( 30 ) إن القوم قد خرجوا على كل صعب وذلول فما تقولون العير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو ، وقال بعضهم حتى رآه ( ص ) مصرا على القتال : هلا ذكرت لنا القتال لنتأهب له إنا خرجنا للعير لا

للقتال ، فتغير وجه رسول الله ( ص ) فأنزل الله تعالى : " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين لهم كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " .


وحيث أراد الله عز وجل أن يقنعهم بمعذرة النبي ( ص ) في إصراره على القتال وعدم مبالاته بالعير وأصحابه قال عز من قائل : " ما كان لنبي " من الأنبياء المرسلين قبل نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم : " أن يكون له أسرى حتى يثخن في

الأرض " فنبيكم لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض على سنن غيره من الأنبياء عليهم السلام ، ولذلك لم يبال إذ فاته أسر أبي سفيان وأصحابه حين هربوا بعيرهم إلى مكة ، لكنكم أنتم " تريدون " إذ تودون أخذ العير وأسر أصحابه " عرض

الدنيا والله يريد الآخرة " باستئصال ذات الشوكة من أعدائه " والله عزيز حكيم " والعزة والحكمة تقتضيان يومئذ اجتثاث عز العدو وإطفاء جمرته . ثم قال تنديدا بهم وتهديدا لهم " لولا كتاب من الله سبق " في علمه الأزلي بأن يمنعكم من أخذ العير

وأسر أصحابه لأسرتم القوم وأخذتم عيرهم ، ولو فعلتم ذلك " لمسكم فيما أخذتم " قبل أن تثخنوا في الأرض " عذاب عظيم " هذا معنى الآية الكريمة ( 31 ) وحاشا الله أن يريد منها ما ذكره أولئك الجهلاء .
 

  * هامش *  
  (30) كما في السيرتين الحلبية والدحلانية وغيرهما من الكتب المشتملة على ذكر هذه الواقعة .
(31)
يجوز أن يكون المعنى " لولا كتاب من الله سبق " في علمه الأزلي  بأن لا يعذبكم والنبي فيكم كما صرحت به محكمات الفرقان " لمسكم فيما أخذتم " به من الرأي والعزم في شأن العير وأصحابه " عذاب عظيم " . ( * )
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب