بيد أن أبا حفص رضي الله عنه لم يدرك يومئذ حكمته واعتقده خطة
خسف فأنكره جهرة وصادر به علانية ، والقضية مشهورة وحسبك منها ما أخرجه مسلم في
باب صلح الحديبية من الجزء الأول من صحيحه أن عمر بن الخطاب قال يومئذ :
ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال رسول الله ( ص ) : بلى . قال
: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى . قال : ففيم نعطي الدنية
في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال ( ص ) : يا بن الخطاب إني
رسول الله ولن
يضيعني الله أبدا . قال : فانطلق عمر ( رض ) فلم يصبر متغيضا
، فأتى أبا بكر رضي الله عنه فقال : يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل ؟
قال : بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى . قال :
فعلى م نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال : يا بن
الخطاب أنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا - الحديث .
وأخرجه غير واحد من المحدثين بلهجة أشد مما سمعت .
وأخرج البخاري في آخر كتاب الشروط ( 25 ) من صحيحه حديثا جاء
فيه : أن عمر ( رض ) قال : فقلت ألست نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا
على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى قلت ، فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟
قال ( ص ) : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري . قلت أو ليس
كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام .
قلت : لا قال : فإنك آتيه ومطوف به ؟ قال : فأتيت أبا بكر فقلت : أليس هذا نبي
الله حقا ؟
قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال :
بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟ قال : أيها الرجل إنه لرسول الله ،
وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه ( 26 ) فوالله إنه على الحق . فقلت :
| |
* هامش * |
|
| |
(25)
في صفحة 81 من جزئه الثاني .
(26) الغرز ركاب من جلد يضع
الراكب رجله فيه ، فيكون المعنى
= |
|
|
أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرك
أنك تأتيه العام . قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال عمر ( رض ) فعملت
لذلك أعمالا ( 27 ) قال : فلما فرغ رسول الله ( ص ) من قضية الكتاب ( الذي كتبه
يومئذ في الصلح ) قال ( ص ) لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا . قال : فوالله
ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات - الحديث .
وأخرجه الإمام أحمد من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في مسنده ( 28 )
وذكر الحلبي في غزوة الحديبية من سيرته ( 29 ) أن عمر ( رض ) جعل يرد على رسول
الله ( ص ) الكلام ، فقال له أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا بن الخطاب رسول
الله ( ص ) يقول ما يقول ، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
قال الحلبي : وقال رسول الله ( ص ) يومئذ : يا عمر إني رضيت وتأبى .
وقال الحلبي وغيره أن عمر ( رض ) كان بعد ذلك يقول : ما زلت
أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به . . . إلى آخر ما هو مأثور
عنه في هذه القضية .
وأنكر رضي الله عنه يوم بدر أخذ الفداء من الأسرى وإطلاق سراحهم ، وكان من رأيه
أن يعمد حمزة إلى أخيه العباس فيقتله ، ويأخذ علي أخاه عقيلا
| |
* هامش * |
|
| |
= أعتلق به وأمسكه واتبع قوله وفعله ولا
تخالفه ، فاستعار له الغرز كالذي بمسك بركاب الراكب ويسير بسيره . وفي
القاموس : غرز كسمع أطاع السلطان بعد عصيان ، وعلى هذا فلفظ غرزه هنا
مصدر غرز فيكون المعنى استمسك بطاعته بعد العصيان .
(27)
لا تخفى دلالة كلمته هذه على أن أعماله كانت عظيمة وبسببها لم يمتثلوا
أمره إياهم بالنحر حتى أمرهم بذلك ثلاثا كما ستسمعه في الأصل .
(28) راجع آخر الصفحة 230 من
جزئه الرابع .
(29) في الصفحة 19 من الجزء
الثالث . ( * )
|
|
|
فيقتله ، وهكذا كل مسلم له قرابة في أسرى المشركين يقتله بيده
حتى لا يبقى منهم أحد ، فأعرض رسول الله ( ص ) عن هذا الرأي ، تعبدا بالوحي
الموافق للرحمة والحكمة " وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا
وحي يوحي . علمه شديد القوى "
لكن الجاهلين بعصمته وحكمته " لا
يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما "
كان الحق في هذه الواقعة مع عمر ( رض ) ، معتمدين في ذلك على أحاديث اختلقها
بعض المنافقين من أعداء الله ، " وما أنزل الله بها من
السلطان " ،
" فما قدروا الله حق قدره " وقد أمعنوا في التيه
وأوغلوا في الجهل وتسكعوا في تفسير قوله تعالى : " ما
كان لنبي أن يكون له أسري حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد
الآخرة والله عزيز حكيم . لولا كتاب من الله
سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم "
حيث اشتبهت عليهم في هذه الآية معالم القصد وعميت لديهم فيها وجوه الرشد ،
فقالوا بنزولها في التنديد برسول الله ( ص ) وأصحابه ، حيث آثروا ( بزعم هؤلاء
الجهلاء ) عرض الدنيا على الآخرة ، فاتخذوا
الأسرى ، وأخذوا منهم الفداء قبل أن يثخنوا في الأرض وزعموا
أنه لم يسلم يومئذ من الخطيئة إلا عمر رضي الله عنه ، وإنه لو نزل العذاب لم
يفلت منه إلا ابن الخطاب ، ورووا في ذلك من الروايات الموضوعة ما شاءه جهلهم ،
واقتضاه نفاق الواضعين وعداوتهم .
وكذب من زعم أنه ( ص ) اتخذ الأسرى وأخذ منهم الفداء قبل أن يثخن في الأرض ،
فإنه بأبي وأمي إنما فعل ذلك بعد أن أثخن في الأرض ، وقتل صناديد قريش
وطواغيتها ، كأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد وحنظلة إلى سبعين من رؤوس الكفر
وزعماء الضلال ، كما هو معلوم بالضرورة الأولية ، فكيف يمكن
بعد هذا أن يتناوله ( ص ) اللوم المذكور في الآية ( تعالى الله عما يقول
الظالمون علوا كبيرا ) ؟ ! والصواب أن الآية إنما نزلت في التنديد بالذين كانوا
يودون العير وأصحابه
على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في هذه الواقعة عز من قائل
: " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين إنها لكم وتودون أن
غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين "
وكان صلى الله عليه وآله قد استشار أصحابه ،
فقال لهم ( 30 ) إن القوم قد خرجوا على كل صعب وذلول فما
تقولون العير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو
، وقال بعضهم حتى رآه ( ص ) مصرا على القتال : هلا ذكرت لنا القتال لنتأهب له
إنا خرجنا للعير لا
للقتال ، فتغير وجه رسول الله ( ص ) فأنزل الله تعالى :
" كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين
لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين لهم كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون "
.
وحيث أراد الله عز وجل أن يقنعهم بمعذرة النبي ( ص ) في إصراره على القتال وعدم
مبالاته بالعير وأصحابه قال عز من قائل : " ما كان لنبي
" من الأنبياء المرسلين قبل نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
" أن يكون له أسرى حتى يثخن في
الأرض " فنبيكم لا يكون له أسرى
حتى يثخن في الأرض على سنن غيره من الأنبياء عليهم السلام ، ولذلك لم يبال إذ
فاته أسر أبي سفيان وأصحابه حين هربوا بعيرهم إلى مكة ، لكنكم أنتم
" تريدون " إذ تودون أخذ العير وأسر أصحابه
" عرض
الدنيا والله يريد الآخرة "
باستئصال ذات الشوكة من أعدائه " والله عزيز حكيم "
والعزة والحكمة تقتضيان يومئذ اجتثاث عز العدو وإطفاء جمرته . ثم قال تنديدا
بهم وتهديدا لهم " لولا كتاب من الله سبق " في
علمه الأزلي بأن يمنعكم من أخذ العير
وأسر أصحابه لأسرتم القوم وأخذتم عيرهم ، ولو فعلتم ذلك
" لمسكم فيما أخذتم " قبل أن تثخنوا في الأرض
" عذاب عظيم " هذا معنى الآية الكريمة ( 31 )
وحاشا الله أن يريد منها ما ذكره أولئك الجهلاء .
| |
* هامش * |
|
| |
(30)
كما في السيرتين الحلبية والدحلانية وغيرهما من الكتب المشتملة على ذكر
هذه الواقعة .
(31) يجوز أن يكون المعنى "
لولا كتاب من الله سبق " في علمه الأزلي
بأن لا يعذبكم والنبي فيكم كما صرحت به محكمات الفرقان " لمسكم فيما
أخذتم " به من الرأي والعزم في شأن العير وأصحابه " عذاب عظيم " .
( * )
|
|
|