اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- الفصول المهمة في تأليف الامة - السيد شرف الدين ص 114 :

بقي هنا أمر ننبهك إليه لتكون على يقين بمعذرة المتأولين ، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه ( 32 ) ( يوم التقى الجمعان في بدر ) قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم أخرجوا إكراها ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم

فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله ، فإنه أخرج كرها . نهى عن قتل بني هاشم عموما وعن قتل العباس منهم بالخصوص حين كانوا في ساحة القتال لكونهم مكرهين على ذلك ، فالعجب ممن اقترح بعدها عليه بأبي هو وأمي أن يقتل

العباس وعقيلا بيدي أخويهما حمزة وعلي فهل هذا من مظاهر رفقه بالنبي وأهل بيته ( ص ) ، أو من موارد تعبده بنصوصه المقدسة ؟ ! كلا بل هو من الشواهد على أنه كان يؤثر رأيه على التعبد بها كما لا يخفى .


وقد استاء أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من نهي النبي ( ص ) عن قتل العباس وسائر بني هاشم حتى قال ( كما في تاريخي ابن الأثير وابن جرير وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرهما ) : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس ، والله لئن لقيته

لألجمنه بالسيف ، فبلغ النبي ذلك فقال لعمر رضي الله عنه : يا أبا حفص أما تسمع قول أبي حذيفة ، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟ فانظر كيف استنجده للدفاع عن عمه وأعجب من اقتراحه بعد ذلك عليه قتله .


وقد ذكر المؤرخون كافة أنه لما أمسى العباس مأسورا بات رسول الله بأبي هو وأمي ساهرا ، فقال له الصحابة : يا رسول الله ما لك لا تنام ؟ فقال : سمعت تضور العباس في وثاقه فمنع مني النوم فقاموا إليه فأطلقوه فنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

  * هامش *  
  (32) كما في تاريخي ابن جرير وابن الأثير وسيرتي الدحلاني والحلبي وغيرها . ( * )  

 

- ص 115 -

وإن رحمته ( ص ) للعالمين ورأفته بالمؤمنين وإشفاقه على عشيرته الأقربين وخصوصا على أبي الفضل صنو أبيه والبقية من أهليه لمما هو غني عن البيان ومن ذا يجهل حرصه يومئذ على سلامتهم ورغبته التامة في بقائهم ليفوزوا بعد ذلك بخدمته

وكانوا في الواقع مؤمنين لكنهم لم يتمكنوا من الهجرة إليه فأكرهوا على الخروج كما نص عليه النبي ( ص ) فاقترح قتلهم والحال هذه أكبر شاهد على أنهم كانوا يؤثرون إرادتهم في مثل هذا المقام على التعبد بإرادته وأوامره عليه وآله الصلاة

والسلام . ولهم في أحد حالات تشهد بما قلناه ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد استقبل المدينة في هذه الغزوة وترك أحدا خلف ظهره وجعل الرماة وراءه وكانوا خمسين رجلا أمر عليهم عبد الله بن جبير رحمه الله وقال له

( فيما نص عليه المؤرخون والمحدثون كافة ) انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت ( 33 ) مكانك إن كانت لنا أو علينا ، وحضهم على ذلك بما لا مزيد عليه وشدد عليهم الأمر في طاعة أميرهم عبد الله - لكنهم ( واأسفاه ) لم يتعبدوا يومئذ

بأوامره ونواهيه ( ص ) ترجيحا لآرائهم عليها ، وذلك حيث حمي الوطيس واشتد بأس المسلمين بسطوة حيدرة الكرار على فيالق المشركين وصولته على أصحاب لوائهم وهم ثمانية من بني عبد الدار ، كانوا أسود الوقائع واحلاس الخيل وتاسعهم

عبدهم صواب كان من طينتهم وعلى شاكلتهم فقتلهم أمير المؤمنين ( 34 ) واحدا بعد واحد وبقي لواؤهم مطروحا على الأرض لا يدنو منه

  * هامش *  
  (33) راجع تاريخي الطبري وابن الأثير وغيرهما تجد قوله ( ص ) هذا بعينه : وكل من أرخ واقعة أحد ذكره أو أشار إليه .
(34)
نص ابن الأثير في غزوة أحد من كامله على أن الذي قتل أصحاب اللواء يومئذ علي بن أبي طالب ، وصرح بذلك غير واحد من المؤرخين والمحدثين . ( * )
 

 

- ص 116 -

أحد ، فانكشف الكفار حينئذ عن المسلمين هاربين على غير انتظام ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون ما تركوه من أسلحة وأمتعة وذخائر ومؤن فلما نظر الرماة إلى المسلمين وقد أكبوا على الغنائم دفعهم الطمع في النهب إلى مفارقة محلهم ( 35 )

الذي أمروا أن لا يفارقوه فنهاهم أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه فلم ينتهوا وقالوا : ما مقامنا ها هنا وقد انهزم المشركون . فقال عبد الله ( 36 ) والله لا أجاوز أمر رسول الله ( ص ) وثبت مكانه مع أقل من عشرة فنظر خالد ابن الوليد

المخزومي إلى قلة من في الجبل من الرماة فكر بالخيل عليهم ( 37 ) ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فقتلوهم ومثلوا بعبد الله بن جبير فأخرجوا حشوة بطنه وهجموا على المسلمين وهم غافلون وتنادوا بشعارهم يا للعزى يا لهبل ، ووضعوا السيوف في

المسلمين وهم آمنون فكان البلاء ، وقتل حمزة سيد الشهداء وسبعون من صناديد المهاجرين والأنصار ، وأصيب النبي بأبي هو وأمي بجروح يقرح القلوب ذكرها ويهيج الأحزان بيانها ، فجزاه الله عنا خيرا ما جزى نبيا عن أمته ، وإنما كان هذا

البلاء كله بعدهم بأوامره ونواهيه المقدسة عفا الله تعالى عنهم ولهم ثمة واقعة ثانية قدموا فيها رأيهم أيضا ، وهي أعظم من الأولى ، وذلك أنه لما اشتد البلاء بهجوم خالد على المسلمين تركوا سيد الأنبياء بين أولئك الأعداء ، وأسلموه لأحقادهم

البدرية وضغائنهم الكفرية ، وفروا مصعدين لا يلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم فلا يلبونه كما حكاه الله عز وجل حيث

  * هامش *  
  (35) كما في غزوة أحد من تاريخ ابن الأثير وغيره من سائر كتب السير والأخبار .
(26)
كما في تاريخ ابن الأثير وغيره .
(27)
صرح بهذا كل من أرخ غزوة أحد فراجع ما شئت من كتب السير والأخبار . ( * )
 

 

- ص 117 -

يقول ( 38 ) " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم " ولم يثبت معه إلا نفر يسير لا يزيدون على أربعة عشر رجلا ( 39 ) يحمل لواءهم علي ابن أبي طالب ( 40 ) وله ثمة مواقف شكرها الله له ورسوله

وجبرئيل والمؤمنون ، حيث قام في نصرة النبي صلى الله عليه وآله على ساقه وشد لها حيازيمه ، فحمل على جموع الأعداء حملته العظيمة فكشفهم عن النبي وقد أثخن بأبي هو وأمي فجعل تارة يدافع عنه الأعداء وأخرى ينقل له الماء من المهراس

في درقته فيغسل جرحه ( 41 ) وجعل صلى الله عليه وآله كلما أبصر جماعة من الأعداء يقول : اكفينيهم يا علي ( 42 ) فيشد عليهم بسيفه فلا يرجع حتى يفرق شملهم ويمزق جمعهم وقد عجبت بذلك ملائكة السماء من مواساته فقال جبرائيل عليه

السلام ( 43 ) : يا رسول الله هذه المواساة . فقال ( ص ) : إنه مني وأنا منه فقال جبرائيل عليه السلام : وأنا منكما . وسمعوا حينئذ مناديا ينادي لا سيف إلا ذو الفقار ( 44 ) ولا فتى إلا علي .
 

  * هامش *  
  (38) أجمع المفسرون والمحدثون والمؤرخون على نزول هذه الآية في هذه الواقعة .
(39)
كما في تاريخ ابن الأثير وغيره .
(40)
لا كلام في أن حامل لواء المسلمين يوم أحد إنما كان أولا مصعب ابن عمير ، فلما استشهد رحمه الله حمله علي باتفاق أهل الأخبار ، ولم يزل يومئذ حاملا له حتى انتهى القتال .

(41)
كل من أرخ غزوة أحد من الأولين والآخرين ذكر نقل علي الماء من المهراس بدرقته إلى رسول الله ( ص ) فراجع .
(42)
راجع غزوة أحد من تاريخ ابن الأثير وغيره .
(43)
كما في تاريخ ابن الأثير وابن جرير وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها .
(44)
راجع غزوة أحد من تاريخي ابن جرير وابن الأثير والسيرة الحلبية وغيرها تجد هذا النداء . ( * )
 

 

- ص 118 -

شط بنا القلم عن المقصود فلنعد إليه فنقول : إن القوم أسلموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأوغلوا في الهرب حتى قال المحدثون والمؤرخون واللفظ لابن الأثير في كامله : قد انتهت الهزيمة بجماعة المسلمين وفيهم عثمان بن عفان وغيره

إلى الأحوص فأقاموا به ثلاث ثم أتوا النبي ( ص ) فقال لهم حين رآهم : لقد ذهبتهم فيها عريضة . هذا مع ما سمعوه من النواهي الصريحة في تحريم ذلك ، وحسبك منها قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذ لقيتم الذين كفوا زحفا فلا تولوهم الأدبار " الآية .


وهناك نص آخر عدل البعض عن العمل به أيضا ، وذلك أنه لما اشتد البلاء وعظم الخطب بفرار المسلمين أرهف المشركون لقتل رسول الله ( ص ) غرار عزمهم وأرصدوا لذلك جميع اهبهم ، فتعاقد خمسة من شياطينهم على ذلك كانوا كالفدائية في

هذا السبيل ، وهم عبد الله بن شهاب الزهري ، وعتبة بن أبي وقاص وابن قمأة الليثي وأبي بن خلف وعبد الله بن حميد الأسدي القرشي لعنهم الله وأخزاهم ، فأما ابن شهاب فأصاب جبهته الميمونة ، وأما عتبة فرماه ( تبت يداه ) بأربعة أحجار

فكسر رباعيته وشق شفته ، وأما ابن قمأة ( قاتله الله ) فكم وجنته ودخل من خلف المغفر فيها ، وعلاه بالسيف ( شلت يداه ) فلم يطق أن يقطع فسقط صلى الله عليه وآله إلى الأرض . وأما أبي بن خلف فشد عليه بحربته فأخذها رسول الله منه وقتله

بها ، وأما عبد الله بن حميد فقتله أبو دجانة الأنصاري شكر الله سعيه وأعلى في الجنان مقامه فإنه ممن أبلى يومئذ بلاء حسنا ، ثم حمل ابن قمأة على مصعب بن عمير وهو يظنه رسول الله ( ص ) فقتله ورجع إلى قريش يبشرهم بقتل محمد ، فجعل

الناس يقولون قتل محمد قتل محمد ، فانخلعت قلوب المسلمين جزعا وكادت نفوسهم أن تزهق هلعا وأوغلوا في الهرب مدلهين مدهوشين لا يرتابون في قتل رسول الله ( ص ) وقد سقط في أيديهم ، وكان
 

- ص 119 -

أول من عرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حي كعب بن مالك . قال ( 45 ) فناديت يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله حي لم يقتل فأشار إليه النبي ( ص ) أن انصت مخافة أن يسمعه العدو فيثب عليه ، فسكت الرجل ثم أشرف

أبو سفيان على المسلمين فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تجيبوه ( 46 ) مخافة أن يعرف إنه حي فيشد عليه بمن معه من أعداء الله ورسوله ثم نادى : أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا ؟ فقال عمر ( 47 ) اللهم

لا وإنه والله ليسمع كلامك فقال أبو سفيان : أنت أصدق من ابن قمأ . وأنت تراه قد أجاب أبا سفيان مع نهيه ( ص ) إياهم عن جوابه ، وما ذاك إلا لكونه متأولا وحسبك بهذا دليلا على معذرة المتأولين .



 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب