اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- الفصول المهمة في تأليف الامة - السيد شرف الدين ص 143 :

الفصل التاسع فيمن أفتى بكفر الشيعة


وتفصيل ما استدل به على ذلك والغرض استئصال بذور الشقاق بإيضاح خطأه واجتثاث أرومة الافتراق ببيان اشتباهه حرصا على أن لا يكال بصاعه ، واتقاء من تصديقه واتباعه ، وقد اقتصرنا من ذلك على ما وجدناه في باب الردة والتعزير من

الفتاوى الحامدية وتنقيحها بإمضاء الشيخ نوح الحنفي لاشتهار هذين الكتابين ورجوع من بأيديهم منصب الفتوى في المملكة المحروسة إليهما .


قال في جواب من سأله عن السبب في وجوب مقاتلة الشيعة وجواز قتلهم : إعلم أسعدك الله أن هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد ، وأنواع الفسق والزندقة والالحاد ، ومن توقف في كفرهم وإلحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم .


قال : وسبب وجوب قتالهم وجواز قتلهم البغي والكفر معا ، أما البغي فإنهم خرجوا عن طاعة الإمام خلد الله تعالى ملكه إلى يوم القيامة ، وقد قال الله تعالى : " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " والأمر للوجوب فينبغي للمسلمين إذا دعاهم الإمام إلى قتال هؤلاء الباغين الملعونين على لسان سيد المرسلين أن لا يتأخروا عنه بل يجب عليهم أن يعينوه ويقاتلوهم معه .
 

- ص 144 -

قال : وأما الكفر فمن وجوه : منها أنهم يستخفون بالدين ويستهزئون بالشرع المبين ، ومنها أنهم يهينون العلم والعلماء ، ومنها أنهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات ، ومنها أنهم ينكرون خلافة الشيخين ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين ، ومنها

أنهم يطولون ألسنتهم على عائشة الصديقة رضي الله عنها ويتكلمون في حقها ما لا يليق بشأنها ( من أمر الإفك ) من أن الله تعالى أنزل عدة آيات في براءتها ( قال والله يعلم أنه كاذب فيما قال ) فهم كافرون بتكذيب القرآن العظيم وسابون النبي ضمنا

بنسبتهم إلى أهل بيته هذا الأمر العظيم ، ومنها أنهم يسبون الشيخين سود الله وجوههم في الدارين . . . إلى أن قال : فيجب قتل هؤلاء الأشرار الكفار تابوا أو لم يتوبوا ، ثم حكم باسترقاق نسائهم وذراريهم ا ه‍ .


قلت : هذا الذي لا تبرك الإبل على مثله ، هذا الذي لا تقوم السماء والأرض بحمله ، هذا الذي لا يتسنى للغيور أن يقيم في أرض ينشر فيه ، هذا الذي لا يستطيع الحمي أن يستظل بسماء تشرق شمسها على معتقديه ، هذا الذي ما أنزل الله به من

سلطان ، هذا الذي يأباه الله ورسوله وكل ذي وجدان ، هذا هو الاختلاف الذي ليس بعده ائتلاف ، هذا هو الافتراق الذي ليس بعده اتفاق ، هذا هو المحاربة التي ليس بعدها مصاحبة . هذا والله الإفك والبهتان ، هذا والله الظلم والعدوان .


بجدك قل لي هل درى صاحب الفتوى أي دماء من أهل الشهادتين سفكها ، وأي حرائر قانتات هتكها ، وأي حرمات لله عز وجل انتهكها ، وأي صبية من بني الإسلام سلبها ، وأي أموال مزكيات نهبها ، وأي ديار معمورة بالصلاة وتلاوة القرآن

خربها ، وأي كبد لرسول الله بذلك فراها ، وأي عين لآل محمد ( ص ) بفتواه أقذاها ، وأي فتنة بين المسلمين أججها ، وأي حرب بينهم ألجمها وأسرجها ، وأي شوكة لهم بذلك كسرها ، وأي دولة لأعدائهم أعزها ونصرها ،
 

- ص 145 -

وأي مخالفة لحكم الله ارتكبها ، وأي أوزار بتكفيره للمسلمين احتقبها " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ؟ ! ولو درى إلى أي غاية بلغ الشيعة في المحافظة على قوانين الدين ونواميس الشريعة ، أو علم إلى أي أوج ارتقوا في الاحتياط

بالأحكام ، أو إلى أي حد انتهوا في التمسك بثقلي سيد الأنام ، أو إلى أي مرتبة أخذوا بالسنة السنية أو إلى أي مقدار اقتدوا بالعترة الطاهرة الزكية ، لدعا بالويل والثبور وتمنى أن يكون قبل هذه البائقة من أهل القبور . ظن الرجل أنه قضى على

الشيعة بعداوته ، وزعم أنه أسقطهم بإفكه وبهتانه فطاش سهمه وظلت مطيته ، بل كان كالباحث عن حتفه بظلفه ، والجادع ما رن أنفه بكفه . أجل والله ما قضى إلا على مروءته ولا أسقط بأكاذيبه غير أمانته ، وقد افتضح بين علماء العالم واتضح

تحامله بالزور لدى فضلاء بني آدم ، وكان كمبغضي الأنبياء سطروا الأساطير افتراء عليهم وأعداء الأوصياء ، إذ ملأوا الطوامير في نسبة الأباطيل إليهم ، فما أثر ذلك فيهم إلا رفعة ، ولا ازدادت شرائعهم إلا عزا ومنعة " سنة الله قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا " .


كان العزم على أن نربأ عن مناقشته ولا نلوث اليراع بمحاسبته لوضوح افترائه وظهور ظلمه واعتدائه ، لكن اقتدينا بالكتاب الكريم والذكر الحكيم ، إذ تصدى للرد على كل أفاك أثيم فقال جل وعلا : " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا

بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء " إلى غير ذلك مما كان في التنزيل من هذا القبيل . ذكر الرجل لوجوب قتال الشيعة وجواز قتلهم سببين ( البغي والكفر ) وقد علم الله ورسوله وأولوا الفضل من عباده أنه ظلم الشيعة بذلك وبغى عليهم
 

- ص 146 -

كما أفك أعداء الأنبياء إذ نسبوا السحر والجنون إليهم ، ونحن نناشدكم الله أيها الناس متى كانت الشيعة غير خاضعة للسلطان ، وفي أي جهة من مملكته المحروسة كان ذلك منهم ، وبما بغوا عليه ؟ أرأيتموهم تأخروا عن أداء الخراج ، أو توقفوا

عن دفع الضرائب الاعشار والإعانات أو تخلفوا عن جهاد عدوه ، أو قصروا عن طليعة عساكره ، أو تقهقروا عن مقدمة جنوده ، أو خانوه في خدمة ، أو كفروا له نعمة ؟ ! كلا والله ما كان ذلك منهم ولا هو جائز عندهم ، والناصب الكاذب يعلم

براءتهم منه ( 1 ) ويقطع بأنهم في غاية البعد عنه ، وإنما أراد إغراء السلطان بهم وحمله على استئصالهم ومبالغة في إبادتهم واحتياطا على أن لا يكون لهم نصيب من مراحم الدولة ولا حصة من عدل القانون ولا سهم من إنصاف الولاة ولاحظ من معاشرة العامة ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) .


وأما قوله بكفرهم فإنه قول من لا يخاف من الله ؟ ولا يخشى منه نقمة ، قول لم يرجع فيه إلى دين ولا عمل فيه بما تواتر عن سيد النبيين والمرسلين ( ص ) من الحكم بالاسلام ، على كل من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام الشهر وحج البيت من أهل الشهادتين والإيمان باليوم الآخر .


وقد أفردنا في أوائل هذه الرسالة فصلا لبيان معنى الإسلام والإيمان وهو الفصل الثاني منها وأوردنا فيه وفي الفصول الثلاثة التي بعده طائفة من الصحاح الحاكمة بما قلنا ، وتكلمنا هناك بما يجدر بالباحث المدقق أن يقف عليه ، فالمرجو ممن وقف على هذا الفصل مراجعة تلك الفصول ، ليعلم أن قواعد الشريعة
 

  * هامش *  
  (1) يعلم الناصب وغيره أن الشيعة والسنة في الخضوع للسلطان وعدمه على حد سواء ، لأن من كان منهما في مملكته فهو مطيع بحكم الوجدان والعيان ، ومن كان من كلا الطائفتين في ممالك الأجانب فهو ممنوع عن طاعته وأما شيعة إيران فكأهل السنة في مراكش وأفغان فأي فرق بين الشيعة والسنة في هذا الأمر يا مسلمون ؟ . ( * )  

 

- ص 147 -

تحكم بإيمان الشيعة ، ويعرف أن الصحاح المتواترة تقضي باحترامهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة وأما الوجوه التي اعتمد الناصب عليها في التكفير فإنها من أوضح أفراد الإفك وأفضح أنواع التزوير . إفك لا يكون من صبي يرجى فلاحه ، وزور

لا تأتي به أمة وكعاء إلا أن تكون مدخولة العقل ، ونحن نذكر تلك الوجوه ( وهي ستة ) ونتكلم في كل منها بما يوجبه العلم وتقضي به الأمانة .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب