اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- الفصول المهمة في تأليف الامة - السيد شرف الدين ص 153 :

الوجه الرابع : أنهم ينكرون خلافة الشيخين ، ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين ( 1 ) والجواب لا ينكر استخلاف الشيخين رضي الله عنهما ذو شعور ، ولا يرتاب فيه ذو وجدان ، وقد امتدت إمارتهما من سنة 11 إلى سنة 23 وفتحت بها الفتوحات

وضرب الدين فيها بجرانه ، على أن خلافتهما من الشؤون السياسية التي خرجت بانقضائها وتصرمها عن محل الابتلاء ، فأي وجه لتنافر المسلمين لليوم بسببها وأي ثمرة عملية تترتب فعلا على الاعتقاد بها .


فهلموا يا قومنا للنظر في سياستنا الحاضرة وعرجوا عما كان من شؤون السياسة الغابرة ، فإن الأحوال حرجة والمآزق ضيقة لا يناسبها نبش الدفائن ولا يليق بها إثارة الضغائن ، وقد آن للمسلمين أن يلتفتوا إلى ما حل بهم من هذه المنابذات والمشاغبات التي غادرتهم طعمة الوحوش وفرائس الحشرات .


وأي وجه لتكفير المسلمين بإنكار سياسة خالية وخلافة ماضية ؟ قد أجمع أهل القبلة على أنها ليست من أصول الدين ، وتصافقوا على أنها ليست مما بني الإسلام عليه ، ونحن نظرنا فيما صح عند أهل السنة عن رسول الله ( ص ) من تفسير

معنى الإسلام والإيمان فلم نجده ( 2 ) مقيدا بها ، وتتبعنا الأمور التي جعلها ( ص ) سببا في احترام الدماء والأعراض والأموال فلم تكن ( 3 ) من جملتها ، واستقرأنا من نصوصه شرائط دخول الجنة فلم نجدها ( 4 ) في زمرتها ، فأي مانع
 

  * هامش *  
  (1) لم يأت بهذه الفقرة " أعني قوله ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين " إلا لمجرد السجع وإلا فقد عرفت أنهم أحوط الناس على الدين .
(2)
راجع الفصل 3 المعقود لبيان معنى الإسلام من هذه الرسالة .
(3)
راجع الفصل 3 المختص باحترام الموحدين من هذه الرسالة .
(4)
راجع الفصل 5 المتعلق بنجاة الموحدين من هذه الرسالة . ( * )
 

 

- ص 154 -

بعد هذا من جريان الاجتهاد فيها ، وأي دليل كفر المتأولين من منكريها . فإن القوم لم تكن بينهم وبين الحق عداوة وإنما قادتهم الأدلة الشرعية إلى القطع باشتراط أمور في القائم في مقام رسول الله ( ص ) والمستوي على مرقاة الخلافة عند ،

كعدم سبق الكفر منه على الإيمان وكعصمته والعهد إليه وعدم كونه مفضولا ، واستدلوا على هذه الشروط بأدلة من الكتاب والسنة والعقل كثيرة لا يسع المقام بيانها ، وقد استقصيناها في كتابنا " سبيل المؤمنين " .


وهبها شبها كما تقول لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه لأنها من الكتاب والسنة ، وقد ألجأته إلى القطع بما صار إليه ، فإن كان مصيبا وإلا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين وإن أخطأ كما سمعته في فصل المتأولين .

على أنه لا وجه للتكفير بإنكارها حتى لو فرضنا أنها من أصول الدين عندهم ، لأنها ليست من الضروريات التي يرجع إنكارها إلى تكذيب النبي ( ص ) ولا هي في نظر منكريها من الأمور التي قد انعقد الاجماع عليها ، وقد سبقوا بشبهة من

الكتاب والسنة تمنعهم من الاعتقاد بها ، ألا ترى أن الشيعة لم تكفر أهل السنة بإنكارها إمامة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام مع أن إمامتهم من أصول الدين على رأي الشيعة ، وكذلك العدلية من الشيعة والمعتزلة لم تكفر طائفة الأشاعرة بإنكارها العدل مع أنه من الأصول عندهم أيضا .


وقد تأول في إنكار هذه الخلافة سعد بن عبادة وحباب بن المنذر الأنصاريان وتخلف عنها جماعة وأكره عليها آخرون كما ذكرناه في فصل المتأولين فلم يكفر أحد من أولئك بما كان منه ولا فسق بما تواتر من القول والفعل عنه ، فكيف هؤلاء وحكم

الله واحد يا أيها المنصفون ؟ على أن الأحاديث المتواترة من طريق العترة الطاهرة والصحاح الوافرة من طريق أهل السنة ، ألجأت هؤلاء إلى القطع بعهد النبي ( ص ) إلى على من بعده ، فدانوا بما رأوا أنه الحق من دين
 

- ص 155 -

الإسلام ، فهم معذورون بل مأجورون إن أصابوا بذلك وإن أخطأوا بالإجماع .


قال ابن حزم حيث تكلم فيمن يكفر ولا يكفر في صفحة 247 من الجزء الثالث من فصله ما هذا نصه : وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا ، وإن كل من اجتهد في شئ من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال ، إن أصاب فأجران وإن اخطأ فأجر واحد .

قال : وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداوود ابن علي ، وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة من الصحابة ( رض ) لا نعلم منهم خلافا في ذلك أصلا .


قلت : إجماع الصحابة وهؤلاء الأئمة يقطع دابر المشاغبين وينقض أساس المجازفين ، ضروة أن القائلين بخلافة علي والمنكرين لغيره لم يقولوا هذا القول ولم يعتقدوا هذا الأمر إلا بعد الاجتهاد التام واستفراغ الوسع والطاقة وبذل الجهد في

الاستنباط من الكتاب والسنة ، ولقد عز عليهم فراق إخوانهم من أهل السنة في هذه المسألة ، وقاسوا في سبيلها من أنواع البلايا وأقسام المحن والرزايا ما قد علمه جميع الناس ، ولكن ما يصنعون فيما يرونه الحق ويقطعون بأنه عين الصواب ،

وقد صرح بمعذرتهم وكونهم مأجورين جماعة من أفاضل المعاصرين كالعلامة القاسمي الدمشقي حيث قال في ميزان الجرح والتعديل بعد ذكر الشيعة واحتجاج مسلم بهم في صحيحه ما هذا لفظه : لأن مجتهدي كل فرقة من فرق الإسلام مأجورون أصابوا أم أخطأوا بنص الحديث النبوي ا ه‍ .


قلت : ومن راجع هذه الرسالة الفصل المشتمل على فتاوى علماء السنة يجدهم مجمعين على ذلك ، ومن سبر فصل المتأولين لا يرتاب فيه والحمد لله رب العالمين .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب