اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- الفصول المهمة في تأليف الامة - السيد شرف الدين ص 158 :

الوجه السادس : إنهم يسبون الشيخين رضي الله تعالى عنهما .


والجواب أن البحث يقع هنا في كل من صغرى هذا الوجه وكبراه وبعبارة أخرى هي أوضح يقع البحث في مقامين :

المقام الأول : في أنهم هل يسبون ؟ " أو لا " يسبون ؟ "

والثاني " في أنه هل يكفر الساب ( والعياذ بالله ) أو لا يكفر ، وقد رأيت البحث في المقام الأول عبثا صرفا ولغوا محضا ، إذ لا يمكن إذعان الخصم ببراءة الشيعة من هذا الأمر ، ولو حلفنا له برب الكعبة ، بل لا يلتفت إلى نفيه عنهم ولو جئناه بكل

آية ، والإمامية طالما أذنت فلم يسمع أذانها وشد ما أعلنت فلم يصغ لإعلانها ، فسد هذا الباب أقرب إلى الصواب وأولى بأولي الألباب ولا حول ولا قوه إلا بالله .
 

- ص 158 -

وأما المقام الثاني : فالحق فيه عدم الكفر ، ولنا على ذلك أدلة قاطعة وبراهين ساطعة نذكر منها ستة ثم نوكل الحكم بعدها لرأي المنصفين :

" الأول " الأصل مع عدم ما يدل على الكفر من عقل أو نقل أو إجماع .

" الثاني " أنا تتبعنا سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما رأيناه يكفر أحدا بشتم واحد من أصحابه رضي الله عنهم ، وكان الصحابة يتنازعون ويتشاتمون على عهده فلم يؤثر عنه تكفير أحد منهم بسبب ذلك ، حتى تشاتموا مرة أمامه وتضاربوا

بالنعال ( كما رواه البخاري في أول كتاب الصلح من صحيحه وأخرجه مسلم في آخر باب دعاء النبي إلى الله من كتاب الجهاد من صحيحه ) وتقاتل الأوس والخزرج مرة على عهده صلى الله عليه وآله وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال كما في

آخر صفحة 107 من الجزء الثاني من السيرة الحلبية وكذا في السيرة الدحلانية وغيرها ، فأصلح بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكفر بذلك أحدا منهم ، وموارد اختلافهم وتشاتمهم بل تقاتلهم وتحاربهم مسطورة في كتب الحديث

والأخبار ، فهل بلغكم تكفير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأحدهم بهذا السبب ، أم هل سمعتم ذلك عن أحد الصحابة رضي الله عنهم ؟ وإذا كان القوم لم يثبتوا لأنفسهم هذه المنزلة فكيف أثبتها لهم المجازفون ؟


" الثالث " ما سمعته في الفصول الثلاثة المنعقدة لبيان معنى الإيمان واحترام الموحدين ونجاتهم من الأحاديث الصحيحة والنصوص المتواترة الصريحة ، فراجعها لتعلم حكمها على مطلق أهل الأركان الخمسة بالإيمان والاحترام ودخول الجنة

ولا يخفى على كل من لحظها بطرفه أو رمقها ببصره أو سمع بيانها أو عرف لسانها امتناع تقييدها واستحالة تخصيصها ، ولذا أجمع المسلمون على عدم تخصيصها بما أخرجه مسلم في أوائل صحيحه من الأحاديث الظاهرة بكفر التارك للصلاة من

المسلمين والمقاتل منهم للمسلم والعبد الآبق والنائحة على الميت والطاعن في النسب ، بل قالوا إن الغرض من هذه الصحاح وأمثالها إنما هو تغليظ الحرمة وتفظيع
 

- ص 159 -

المعصية لا الكفر الحقيقي ، فلتكن الأخبار المتعلقة في السب مثلا على فرض صحتها نظير هذه الصحاح ، ويوضح لك ما نقول إجماع الخلف والسلف من أهل السنة على أن من مات موحدا دخل الجنة ولو عمل من المعاصي ما عمل ، كما ستسمعه عن الفاضل النووي قريبا إن شاء الله تعالى .


" الرابع " ما أورده القاضي عياض في الباب الأول من القسم الرابع من كتاب الشفا ، أن رجلا من المسلمين سب أبا بكر بمحضر منه رضي الله عنه فقال أبو برزة الأسلمي : خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه . فقال : اجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله ا ه‍ .

وأخرجه الإمام أحمد من حديث أبي بكر في صفحة 9 من الجزء الأول من مسنده .


بالله عليك إذا كان هذا حكم الصديق فيمن واجهه بالسب وهذه فتواه فيمن تسور على مقامه بالشتم فمن أين نحكم بعده بالتكفير ، وكيف نقضي بوجوب القتل أو نفتي بجواز التعزير ؟ أنحن أعرف منه بالأحكام أم أحرص على إقامة الحدود ؟ كلا بل لو

ارتد ذلك الساب لا قام عليه حد المرتدين ، ولو كفر بها لرتب عليه آثار الكافرين ، وحاشا أبا بكر من تعطيل حدود الله أو تبديل أحكامه عز وجل .


وقد اقتدى به في ذلك الصالحون ، ونسج على منواله المتورعون كعمر بن عبد العزيز حيث كتب إليه عامله بالكوفة يستشيره في قتل رجل سب عمر بن الخطاب ( رض ) فكتب إليه كما في الباب المتقدم ذكره من الشفا : لا يحل قتل امرئ مسلم بسبب أحد من الناس ، إلا رجلا سب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فمن سبه فقد ؟ حل دمه .


وأخرج محمد بن سعد في أحوال عمر بن عبد العزيز في صفحة 279 من الجزء الخامس من طبقاته بسنده إلى سهيل بن أبي صالح قال : إن عمر بن عبد العزيز
 

- ص 160 -

قال : لا يقتل أحد في سب أحد إلا في سب نبي -


وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة في صفحة 436 من الجزء الثاني من مسنده أن رجلا شتم أبا بكر والنبي ( ص ) جالس فجعل النبي ( ص ) يعجب ويبتسم . . . الحديث


" الخامس " إجماع فقهائهم على أن مجرد السب لا يوجب الكفر ، وقد نقله من علماء السنة خلق كثير فمنهم فقيه الحنفية في عصره ( الأمين ) ابن عابدين ، حيث جزم في كتابيه رد المحتار وتنبيه الولاة بعدم كفر المتأولين في هذه المسألة ، وصرح

في كليهما بأن القول بكفرهم مخالف لإجماع الفقهاء مناقض لما في متونهم وشروحهم ، فراجع من رد المحتار صفحة 302 من جزئها الثالث في باب المرتد لتعلم الحقيقة .


ومنهم صاحب الاختيار حيث قال - كما نص عليه ابن عابدين فيما أشرنا إليه من رد المحتار - اتفق الأئمة على تضليل أهل البدع أجمع وتخطئتهم وسب أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفرا لكن يضلل ا ه‍ .


ومنهم ابن المنذر حيث صرح - كما في رد المحتار أيضا - بما يقتضي نقل إجماع الفقهاء على عدم تكفير الخوارج ، وإن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم وكفروا الصحابة رضي الله عنهم ( 1 ) .


ومنهم صاحب فتح القدير حيث قطع بعدم كفر أحد من أهل البدع ، وإن خالف ببدعته دليلا قطعيا كالخوارج الذين يكفرون الصحابة ويسبونهم مثلا ، وذكر أن ما وقع في كلام أهل المذهب من تكفيرهم ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون وإنما هو من كلام غيرهم ، قال : ولا عبرة بغير الفقهاء والمنقول عن الفقهاء ما ذكرناه ا ه‍ .
 

  * هامش *  
  (1) إذا كان هؤلاء مسلمين ، وقد مرقوا من الدين واستحلوا ما حرم الله من دماء المسلمين فالأمر في غيرهم سهل يسير ، وهذا الاجماع دال على ما هو أعم من المطلوب مثبت لما هو أعظم من المقصود كما لا يخفى . ( * )  

 

- ص 161 -

ومنهم ابن حجر حيث قال كما في خاتمة الصواعق ، فمذهبنا ( فيمن يسب ) أنه لا يكفر بذلك ا ه‍ .


ومنهم الشيخ أبو طاهر القزويني في كتابه سراج العقول حيث نقل القول بعدك كفر أحد من أهل الأركان الخمسة من الروافض وغيرهم عن جمهور العلماء والخلفاء من أيام الصحابة إلى زمنه ، فراجع ما نقلناه عنه في الفصل المعقود لفتاوى علماء السنة .


ومنهم العارف الشعراني حيث قال في آخر المبحث 58 من يواقيته ما هذا لفظه : فقد علمت يا أخي أن جميع العلماء المتدينين أمسكوا عن القول بالتكفير لأحد من أهل القبلة ا ه‍ .


وقد أرسل ابن حزم عدم الكفر إرسال المسلمات، فقال في صفحة 257 من أواخر الجزء الثالث من فصله ما هذا لفظه : وأما من سب أحدا من الصحابة فإن كان جاهلا فمعذور وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق ،

وإن عاند الله تعالى ورسوله في ذلك فهو كافر . قال : وقد قال عمر بحضرة النبي ( ص ) عن حاطب " وحاطب مهاجري بدري " : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا بل كان مخطئا ؟ متأولا ا ه‍ .


قلت : حسبك في عدم كفر الموحدين بمجرد هذا ما هو معلوم بحكم البداهة الأولية من إجماع أهل السنة على أن مطلق الموحدين يدخلون الجنة على كل حال .


قال الفاضل النووي " في باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا من شرح الصحيح " : واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من الخلف والسلف إن من مات موحدا دخل الجنة قطعا . . . إلى أن قال : فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل ا ه‍ .
 

- ص 162 -

" السادس " أنه لا يفتى بالتكفير عندهم إلا أن يكون الموجب للكفر مجمعا على إيجابه ، لذلك قال في شرح تنوير الأبصار : واعلم أنه لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره خلاف ولو كان ذلك رواية ضعيفة ا ه‍ .


وقال الخير الرملي كما في صفحة 398 من الجزء الثالث من رد المحتار : ولو كانت " تلك الرواية " لغير أهل مذهبنا ، واستدل على ذلك باشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعا على إيجابه لذلك .


قلت : إذا كان التكفير مشروطا بهذا فكيف يفتى بالكفر في مسألتنا مع ما سمعت من انعقاد الاجماع على عدم الكفر فيها ؟ ولو أنكر الخصم ذلك الاجماع فحسبه وجود القائل بعدم التكفير ، فإنه مما لا يمكن إنكاره كما لا يخفى . وقد أغرب الناصب إذ حكم بعدم قبول توبته مع إجماعهم على قبول توبة من يسب الله عز وجل ( 2 ) .


فهل هذا إلا تحامل قبيح وظلم صريح ، وجرأة على الله عز وجل في تبديل أحكامه واستخفاف فيما شرع الله سبحانه من حلاله وحرامه ، وما أراه إلا مدفوعا على هذه الفتوى من ملوك الجور تحسينا لأفعالهم أو مستأجرا عليها من ولاة الجور تصحيحا لأعمالهم .


 ولا غرو فإن علماء السوء وقضاة الرشوة يبدلون أحكام الله بالتافه ويبيعون الأمة بالنزر القليل .
 

  * هامش *  
  (1) نسجوا في هذه الفتوى على منوال اليهود إذ أجمعت أخبارهم على أن من شتم الله تعالى يؤدب ومن شتم الأحبار يقتل ، وقد أنكر ذلك عليهم ابن حزم إذ نقله عنهم في صفحة 221 من الجزء الأول من فصله قبل انتهاء الجزء بورقتين ، ثم قال : فأعجبوا لهذا واعلموا أنهم ملحدون لا دين لهم ا ه‍ - قلت : وهب أن الرافضي كافر فقد نشأ على مذهبه وتدين به من قبل البلوغ فلم لا تقبل توبته كما تقبل توبة المجوس والصابئة يا منصفون . ( * )  

 

- ص 163 -

فقاتل الله الحرص على الدنيا ، وقبح الله التهالك على الخسائس ، ما أشد ضررهما وما أفظع خطرهما ، نبذ أولئك الدجالون حكم الله وراء ظهورهم طمعا في الوظائف ، وحكموا بما تقتضيه سياسة ملوكهم رغبة في المناصب ، وأرجفوا في المؤمنين

وفرقوا كلمة المسلمين ، ولولاهم لتعارفت الأرواح وائتلفت القلوب وامتزجت النفوس واتحدت العزائم ، فلم يطلع بالمسلمين طامع ولم يرمقهم من النواظر إلا بصر خاشع ، ولكن واأسفاه استحوذ عليهم أولئك المفسدون الذين ينحرون دين الله في سبيل

الوظائف ويضحون عباده في طلب القضاء والافتاء ، فتناكرت بفتاويهم وجوه المسلمين وتباينت بأراجيفهم رغائب الموحدين حتى كان من تفرق آرائهم وتضارب أهوائهم ما تصاعدت به الزفرات وفاضت منه العبرات ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب