|
- الفصول المهمة في تأليف الامة - السيد شرف الدين ص 16 :
|
الفصل الثالث في نبذة مما صح
عند أهل السنة والجماعة من الأحاديث الدالة على أن من قال
" لا إله إلا الله محمد رسول الله " محترم دمه وماله وعرضه .
أوردناها لينتبه الغافل ويقنع الجاهل ، وليعلما أن أمر المسلمين ليس كما يزعمه
إخوان العصبية ، وأبناء الهمجية ، وحلفاء الحمية ، حمية الجاهلية ، الذين شقوا
عصا المسلمين وأضرموا نار الفتن بينهم ، حتى كانوا أوزاعا وشيعا ، يكفر بعضهم
بعضا ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، من غير أمر يوجب ذلك ، إلا ما
نفخته الشياطين ، أو نفثته أبالسة الأنس الذين هم أنكى للإسلام من نسل آكلة
الأكباد ، وهذا عصر العلم . عصر الإنصاف ، عصر النور ، عصر التأمل في حقائق
الأمور ، عصر
الإعراض عن كل تعصب ذميم ، والأخذ بكتاب الله العظيم ، وسنة
نبيه الكريم ، وإليك منها ما عقد الفصل لذكره :
أخرج البخاري في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : إنك ستأتي قوما أهل كتاب ،
فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ،
فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس
صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم
صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك
بذلك ، فإياك وكرائم أموالهم - الحديث ( 1 ) .
وتراه ينادي بثبوت الإسلام لهم بمجرد طاعتهم له بذلك ، بحيث
تكون أموالهم حينئذ فضلا عن أعراضهم ودمائهم محترمة كغيرهم من أفضل أفراد
المؤمنين .
ومثله في باب فضائل علي عليه السلام من الجزء الثاني من صحيح
مسلم ( 2 ) قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا عطين هذه
الراية رجلا يحب الله ورسوله ( وفي رواية أخرى هي في الصحاح أيضا ويحبه الله
ورسوله )
يفتح الله على يديه . قال عمر بن الخطاب : ما أحببت الإمارة
إلا يومئذ ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها . قال : فدعا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال : إمش ولا تلتفت . قال فسار
علي شيئا ثم وقف
ولم يلتفت ، فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس ؟ قال :
قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك
فقد منعوا منك دماءهم .
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلى
الله عليه وآله إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمنا هم ولحقت أنا ورجل من الأنصار
رجلا منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكف الأنصاري
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
وأخرجه مسلم في صحيحه بالإسناد إلى ابن
عباس أيضا . ولا يخفى تقييده بما دل على اشتراط طاعتهم له في الصوم
والحج والخمس من الصحاح الآخر .
(2)
وهو موجود في باب غزوة خيبر من الجزء الثالث من
صحيح البخاري ، وفي باب مناقب علي عليه السلام من الجزء الثاني
منه أيضا بنوع ما من التغيير في الألفاظ . ( * ) |
|
|
عنه فطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله
عليه وآله ذلك فقال : يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ قلت : كان
متعوذا . قال : فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم .
قلت : ما تمنى ذلك حتى اعتقد أن جميع ما عمله قبل هذه الواقعة
( من إيمان وصحبة وجهاد وصلاة وصوم وزكاة وحج وغيرها ) لا يذهب عنه هذه السيئة
، وأن أعماله الصالحة بأجمعها قد حبطت بها .
ولا يخفى ما في كلامه من الدلالة على أنه كان يخاف أن لا يغفر له ، ولذلك تمنى
تأخر إسلامه عن هذه الخطيئة ليكون داخلا في حكم قوله ( ص ) : " الإسلام يجب ما
قبله " .
وناهيك بهذا دليلا على احترام لا إله إلا الله وأهلها ، وإذا كانت هذه حال من
يقولها متعوذا فما ظنك بمن انعقدت بها نطفته ثم رضعها من ثديي أمه ، فاشتد
عليها عظمه ونبت بها لحمه وامتلأ من نورها قلبه ودانت بها جميع جوارحه ، فلينته
أهل العناد عن غيهم وليحذروا غضب الله تعالى وسخط نبيهم صلى الله عليه وآله
وسلم .
وفي الصحيحين بالإسناد إلى المقداد بن عمرو أنه قال : يا رسول الله أرأيت إن
لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجرة
فقال أسلمت لله ، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ فقال رسول الله صلى الله
عليه وآله : لا تقتله ، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ( 3 ) وإنك
بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ( 4 ) .
قلت : ليس في كلام العرب ولا غيرهم عبارة هي أدل على احترام الإسلام وأهله من
هذا الحديث الشريف ، وأي عبارة تكايله في ذلك أو توازنه ، وقد
| |
* هامش * |
|
| |
(3)
يعني أنه يكون من عدول المؤمنين ، لأن المقداد كان كذلك .
(4) يعني أنه يكون بمنزلة
الكافر الحربي ، لأن المقتول كان كذلك قبل أن يقول كلمته التي قالها .
( * )
|
|
|
قضى بأن المقداد على سوابقه وحسن بلائه لو قتل ذلك الرجل لكان
بمنزلة الكافرين المحاربين لله ولرسوله ، وكان المقتول بمنزلة واحد من أعاظم
السابقين وأكابر البدريين الأحديين ، وهذه أقصى غاية يؤمها المبالغ في احترام
أهل التوحيد ، فليتق الله كل مجازف عنيد .
وأخرج البخاري في باب بعث علي عليه السلام وخالد إلى اليمن : أن رجلا قام فقال
: يا رسول الله اتق الله . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ويلك ألست أحق أهل
الأرض أن يتقي الله . فقال : خالد يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال صلى الله
عليه وآله : لا ، لعله أن يكون يصلي ( 5 ) .
قلت : أعظم بهذا الحديث ودلالته على احترام الصلاة وأهلها ، وإذا كان احتمال
كونه يصلي مانعا من قتله ، وقد اعترض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهرة
وكاشفه علانية ، فما طنك بمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم الشهر ويحج
البيت ويحلل الحلال ويحرم الحرام ، ويتعبد يقول النبي ( صلى
الله عليه وآله ) وفعله وتقريره ، ويقترب إلى الله تعالى يحبه وبموالاة أهل
بيته ويرجو رحمة الله عز وجل بشفاعته متمسكا بثقليه معتصما بحبليه ، ويوالي
وليه
| |
* هامش * |
|
| |
(5)
وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي سعيد
الخدري في صفحة 4 من الجزء الثالث من مسنده
. ومثله وما نقله العسقلاني في الإصابة
في ترجمة سرحوق المناطق من أنه لما أتى به ليقتل قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم . هل يصلي ؟ قالوا : إذا رآه الناس . قال : إني
نهيت أن أقتل المصلين ا ه .
وكذلك ما أخرجه الذهبي في ترجمة عامر بن
عبد الله ابن يساف من ميزانه بسند ضعيف
عن أنس قال : ذكر عند النبي ( ص ) رجل فقيل ذلك كهف المنافقين فلما
اكثروا فيه رخص لهم في قتله ثم قال : هل يصلي ؟ قالوا : نعم لا خير
فيها . قال ( ص ) : إني نهيت عن قتل المصلين . قلت : إذا كانت هذه حاله
مع المنافقين المرائين بصلاتهم فما ظنك بالمحافظين عليها والخاشعين
المخلصين لله فيها . ( * )
|
|
|
وإن كان قاتل أبيه ويعادي عدوه وإن كان خاصته وأهليه . وأخرج
البخاري في باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان ، حيث ذكر مقتل عمر " رض "
والحديث طويل ، وفيه : يا بن عباس انظر من قتلني ؟ فجال ساعة ثم جاء فقال :
غلام المغيرة .
قال : الصنع ؟ قال : نعم . قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا
، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام ، قد كنت أنت وأبوك تحبان
أن تكثر العلوج بالمدينة . فقال : إن شئت قتلناهم . قال : كذبت بعد أن تكلموا
بلسانكم ( أي أقروا بالشهادتين ) وصلوا قبلتكم وحجوا حجتكم . . الحديث .
والظاهر من قوله " الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام " -
بقرينة ما ستسمعه من رواية ابن قتيبة وابن عبد البر - إنه كان يخشى أن يكون
قاتله مسلما فيغفر له بسبب إسلامه ، فلما عرف أنه ممن لا يدعي الإسلام علم أن
الله آخذ بحقه على كل حال ، وفي هذا من الدلالة على حسن عواقب المسلمين ما لا
تسعه عبارة .
ثم إذا نظرت إلى إنكاره على ابن عباس ، وقوله له مع جلالته " كذبت " إلى آخر
كلامه ذلك دلك على احترام أهل الشهادتين والصلاة والحج كيف كانوا .
وفي صفحة 26 من كتاب الإمامة والسياسة للإمام المجمع على فضله ابن قتيبة
المتوفى سنة مائتين وسبعين : أن عمر لما أخبر أن قاتله غلام المغيرة قال :
الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة .
وروى الحافظ أبو عمرو يوسف بن عبد البر القرطبي في ترجمة عمر من الاستيعاب أنه
قال لولده عبد الله . الحمد لله الذي لم يجعل قتلي بيد رجل يحاجني بلا إله إلا
الله ا ه .
قلت : إذا كان صاحب لا إله إلا الله بحيث لو قتل عمر بن
الخطاب وهو الخليفة الثاني لحاجة بها فأمر أهل التوحيد إذن سهل يسير ، فليتق
الله أهل الشقاق ولينهض رجال الاصلاح بأسباب الوئام والوفاق ، فقد نصب الغرب
لنا حبائله ووجه نحونا قنابله
وأظلنا منطاده بكل صاعقة وأقلنا نفقه بكل بائقة وأحاط بنا
أسطوله وضربت في أطلالنا طبوله ، ولئن لم يعتصم المسلمون بحبل الاجتماع ويبرؤا
إلى الله من هذا النزاع ليكونن أذلاء خاسئين وأرقاء صاغرين ( أينما ثقفوا أخذوا
وقتلوا تقتيلا ) .
وأخرج البخاري عن أنس " رض " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا
واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ا ه .
قلت : هل بقي بعد هذه الأحاديث الصحيحة والنصوص الصريحة ملتمس لشغب المشاغب
ومطمع يتشبث به الناصب ؟ كلا ورب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إن دين
الإسلام برئ ما يزعمه المرجفون ، مناقض لما يحاوله المجحفون ( ومن لم يحكم بما
أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) .
وفي الصحيحين بالإسناد إلى ابن عمر " رض " قال : قال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم وهو بمنى - قد أشار إلى مكة المعظمة - : أتدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله
ورسوله أعلم . قال : فإن هذا بلد حرام ، أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : الله
ورسوله أعلم . قال : إنه يوم حرام ، أتدرون أي شهر هذا ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم قال : شهر حرام . قال : فإن الله حرم عليكم دماءكم
وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهر كم هذا في بلدكم هذا ا ه .
والصحاح الستة وغيرها مشحونة من هذه الأخبار ، وهي أشهر من الشمس في رائعة
النهار .
فليت شعري أي عذر لمن اعتمد عليها ، وانحصر رجوعه في أحكام
الدين إليها ، ثم خالف في ذلك أحكامها ونبذ وراء ظهره كلامها ( 6 ) بلى إنهم
مرجفون والأمر على خلاف ما يظنون .
| |
* هامش * |
|
| |
(6)
كالشيخ نوح الحنفي حيث أفتى - مع وجود هذه الصحاح وأمثالها - بتكفير
الشيعة ، وأوجب قتالهم ، وأباح قتلهم وسبي ذراريهم ونساءهم ، سواء
تابوا أم لم يتوبوا ، فراجع فتواه هذه في باب الردة والتعزير ، من كتاب
الفتاوي الحامدية الشهير ، وسنذكرها بعين لفظه في
الفصل التاسع من هذه الفصول ، مزيفين لها بالأدلة القاطعة والبراهين
الناصعة ، فراجع ذلك الفصل وأعلم أن الفصول الثمانية التي قبله إنما هي
مقدمة للرد على هذه الفتوى القاسية ، وما ألفنا هذا الكتاب إلا لهذه
الغاية ؟ إذ لم أجد أحدا قام بهذا الواجب ، والحمد لله على التوفيق
لأدائه كما يجب . ( * )
|
|
|
|