- تفضيل الأئمة على الأنبياء عليهم السلام - السيد علي الميلاني ص 9 :

المساواة بين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نستدل لذلك بالكتاب أولا ، بآية المباهلة ، وقد درسنا آية المباهلة بالتفصيل في ليلة خاصة ، وتقدم البحث هناك عن كيفية دلالة قوله تعالى : ( وأنفسكم ) ( 1 ) على المساواة بين أمير المؤمنين والنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


ولما كان نبينا أفضل من جميع الأنبياء السابقين بالكتاب وبالسنة وبالإجماع ، فيكون علي أيضا كذلك ، وهذا الوجه مما استدل به علماؤنا السابقون ، لاحظوا تفسير الفخر الرازي ، وغيره ، حيث يذكرون رأي الإمامية واستدلالهم بهذه الآية المباركة على أفضلية أمير المؤمنين من الأنبياء السابقين .


يقول الرازي - في ذيل آية المباهلة - : كان في الري رجل يقال

 

 * هامش *
( 1 ) سورة آل عمران : 61 . ( * )

 

 

- ص 10 -

له محمود بن الحسن الحمصي ، وكان معلما للاثني عشرية ، وكان يزعم أن عليا أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد . قال
 : والذي يدل عليه قوله : ( وأنفسنا وأنفسكم ) ، وليس المراد بقوله : ( وأنفسنا ) نفس محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،

لأن الإنسان لا يدعو نفسه ، بل المراد به غيره ، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب ، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد ، ولا يمكن أن يكون المراد منه أن هذه النفس هي عين تلك النفس ، فالمراد أن هذه النفس مثل

تلك النفس ، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه ، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة ، وفي حق الفضل أي الأفضلية ، لقيام الدلائل على أن محمدا كان نبيا وما كان علي كذلك ، ولانعقاد الإجماع على أن محمدا كان أفضل من علي ، فيبقى فيما

وراءه معمولا به ، ثم الإجماع دل على أن محمدا كان أفضل من سائر الأنبياء ، فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء ، فهذا وجه الاستدلال بظاهر الآية المباركة ( 1 ) .


والشيخ محمود بن الحسن الحمصي من علماء القرن السابع ، له كتاب المنقذ من الضلال ، وطبع هذا الكتاب أخيرا وهو في علم الكلام .
 

 

 * هامش *
( 1 ) تفسير الرازي 8 / 81 . ( * )

 

 

- ص 11 -

ثم يقول الرازي في جواب هذا الاستدلال - لاحظوا الجواب - :

والجواب : إنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا أفضل من علي ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم - أي بين المسلمين - قبل ظهور هذا الإنسان - أي الشيخ الحمصي - فالإجماع منعقد قبل ظهور هذا وقبل وجوده على أن النبي أفضل ممن ليس

بنبي ، وأجمعوا - أي المسلمون - على أن عليا ما كان نبيا ، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص بحق محمد ، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء .


ويتلخص الجواب : في دعوى الإجماع من عموم المسلمين على أن غير النبي لا يكون أفضل من النبي ، وعلي ليس بنبي ، فالاستدلال باطل . ولو راجعتم تفسير النيسابوري أيضا لوجدتم نفس الجواب ، وكذا لو رجعتم إلى تفسير أبي حيان الأندلسي البحر المحيط .


النيسابوري يقول ، وعبارته ملخص عبارة الرازي : فأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا أفضل من سائر الأنبياء ، فكذا انعقد الإجماع بينهم على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي ، وأجمعوا على أن عليا ما كان نبيا .
 

- ص 12 -

ونفس الكلام أيضا تجدونه بتفسير أبي حيان ( 1 ) ، وتفسير النيسابوري مطبوع على هامش تفسير الطبري ( 2 ) . فكان الجواب إذن دعوى الإجماع من عموم المسلمين قبل الشيخ الحمصي على أن من ليس بنبي لا يكون أفضل من النبي .


لو ثبت هذا الإجماع ، أو كان مستندا إلى أدلة قطعية ، ولم يكن في مقابله أدلة قطعية ، لسلمنا ووافقنا على هذا الجواب . ولكن القول بأفضلية أئمة أهل البيت من سائر الأنبياء سوى نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، هذا القول موجود بين علماء


هذه الطائفة قبل الشيخ الحمصي ، فأين دعوى الإجماع - إجماع المسلمين - قبل ظهور هذا الإنسان . الشيخ الحمصي كما ذكرنا ، وفاته في أوائل القرن السابع ، لكن الاستدلال الذي ذكره الشيخ الحمصي إنما أخذه من الشيخ المفيد ، والشيخ المفيد


وفاته سنة ( 413 ) ، فقبل الشيخ الحمصي هذا القول موجود ، وهذا الاستدلال مذكور بالكتب ، على أنا إذا راجعنا كلام
الشيخ المفيد لوجدناه ينسب الاستدلال إلى من سبقه من العلماء ، فهذا الاستدلال موجود من قديم الأيام ، وإذا كان الدليل هو
 

 

 * هامش *
( 1 ) البحر المحيط في تفسير القرآن 2 / 480 .
( 2 )
تفسير النيسابوري - هامش الطبري 3 / 214 . ( * )

 

 

- ص 13 -

الإجماع ، إذن لا إجماع على أن غير النبي لا يكون أفضل من النبي ، وليس للرازي ولا لغيره جواب غير الذي قرأته لكم .


وأما المساواة بين أمير المؤمنين والنبي من السنة ، فهناك أدلة كثيرة وأحاديث صحيحة معتبرة ، متفق عليها بين الطرفين ، صريحة في هذا المعنى ، أي في أن أمير المؤمنين والنبي متساويان ، إلا في النبوة ، لقيام الإجماع على أن النبوة ختمت بمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


نذكر بعض الأحاديث : منها : حديث النور : خلقت أنا وعلي من نور واحد ، ففي تلك الأحاديث يقول رسول الله : إن الله سبحانه وتعالى قسم ذلك النور نصفين ، فنصف أنا ونصف علي ، قسم ذلك النور نصفين ، وهما مخلوقان من نور واحد ، ولما كان رسول الله أفضل البشر مطلقا ، فعلي كذلك ، وقد قرأنا هذا الحديث .


ومن الأحاديث أيضا قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالنص : أنا سيد البشر تجدون هذا الحديث في صحيح البخاري ( 1 ) ، وفي المستدرك ( 2 ) ، وفي مجمع الزوائد ( 3 ) ، وإذا كان علي مساويا لرسول الله بمقتضى
 

 

 * هامش *
( 1 ) صحيح البخاري 6 / 223 .
( 2 )
المستدرك على الصحيحين 4 / 573 .
( 3 )
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9 / 116 . ( * )

 

 

- ص 14 -

حديث النور ، وبمقتضى آية المباهلة ، فعلي أيضا سيد البشر ، وإذا كان سيد البشر ، فهو أفضل من جميع الأنبياء .

قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أنا سيد ولد آدم ، وهذا الحديث تجدونه في صحيح مسلم ( 1 ) ،
وفي سنن الترمذي ( 2 ) ، ومسند أحمد ( 3 ) ، وفي المستدرك ( 4 ) ، وفي مجمع الزوائد ( 5 ) وغير هذه المصادر .


وإذا كان علي ( عليه السلام ) بمقتضى آية المباهلة وبمقتضى حديث النور مساويا لرسول الله ، فيكون أيضا سيد ولد آدم .

 

 

 * هامش *
( 1 ) صحيح مسلم ، كتاب الفضائل باب تفضيل نبينا على جميع الخلائق .
( 2 )
سنن الترمذي 2 / 195 .
( 3 ) مسند أحمد 1 / 5 .
( 4 )
المستدرك 3 / 124 .
( 5 )
مجمع الزوائد 10 : 376 . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب