- الامامة والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين  ص 3 :

مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد

لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد ، فإن الضعف في الإنسان هو الأصل ، والقوة فيه استثناء ( وخلق الإنسان ضعيفا ) . والظلم والجهل فيه هما الأصل ، والعدل والمعرفة استثناء ( إنه كان ظلوما جهولا ) .


فليس عجيبا أن ترى شخصا يضعف أمام ضغوط الدنيا ومغرياتها ، ويرتكب الجهالات ، ويتجاوز على حقوق الناس . . بل العجيب أن ترى إنسانا قويا ، يقاوم الضغوط والمغريات ،

وينصف الناس من نفسه ، ولا يتصرف إلا بمعرفة ! وكما قال الإمام الصادق عليه السلام ( ما عجبت لمن هلك كيف هلك ، ولكن عجبت لمن نجا كيف نجا ) !
 

-  ص 4 -

وليس عجيبا أن ترى أن تاريخ الناس يتلخص في ركضهم وراء الحكام والدنيا ، ومعاداتهم للأنبياء والأوصياء . . بل العجيب أن تجد من الناس أتباعا للأنبياء ، ثم تجد في أتباع الأنبياء

من ثبت بعدهم ولم ينحرف ! إنها حقائق ثقيلة على الفكر ، مرة على القلب ، ولكنها حقائق . . ولا يجب أن تكون الحقيقة دائما حلوة . . وهي في منهج القرآن أبرز الحقائق في تاريخ الأمم

والأديان ، لا استثناء فيها لأمتنا ، وإن كانت خير أمة أخرجت للناس ، بل لقد أكد النبي صلى الله عليه وآله بصراحة على أن أمتنا ليست استثناء فقال ( لتركبن سنن من كان قبلكم ، حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل . . ) .


وقضية علي وشيعته القلائل الذين التفوا حوله في حياة النبي وبعد وفاته ، أنهم استوعبوا هذه الحقائق وهذه السنن ، وعقدوا عليها القلوب ، وعكفوا عليها الضلوع . . فعندما كان النبي مسجى يودع الأمة ، وأهل الحل والعقد محتشدون حوله ، أمرهم أن يأتوه
 

-  ص 5 -

بورق ودواة ليكتب لهم كتابا يؤمنهم من الضلال والانحراف ، فرفضوا ذلك ورفعوا في وجهه شعار ( حسبنا كتاب الله ) ! هنا رفع الشيعة شعار التمسك بأهل بيت النبي ، والامتثال قوله صلى الله عليه وآله ( إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) .


ومن يومها إلى يومنا هذا ، قامت علينا قيامة إخواننا الأكثرية . . ولم تقعد ! فصرنا روافض ، لأننا امتنعنا عن بيعة الخلفاء من غير أهل بيت النبي ! وصرنا مشركين ، لأننا حفظنا وصية

النبي في أهل بيته ، فأحببناهم وقدسناهم ! وأباحوا دماءنا وأموالنا والأعراض ، لأننا لم نعط الشرعية لغير أهل بيت النبي ! ودارت على أجسادنا عجلة التاريخ تطحن ما استطاعت . . حتى بنوا علينا الجدران ونحن أحياء ، وألقونا في التنانير المسجرة ،
 

-  ص 6 -

وهدموا علينا سراديب السجون ، وشردونا في جهات الدنيا الأربع ! ثم جعلوا عداوتهم إيانا ثقافة ، علموها للناس من على منابر المساجد ، وفي أواوين المدارس ، ثم ملؤوا بها بطون

الكتب ، وأورثوها الأجيال ! ثم إذا كتب شيعي كتابا أو تفوه بكلمة ، فذلك هو الذنب العظيم ، لأنه يخالف قانونا أجمعت عليه دول الخلافة ، من أول خليفة قرشي إلى آخر خليفة عثماني ،

مفاده : أنه يحرم على الشيعة أن يدافعوا عن أنفسهم ، حتى لو كان دفاعهم علميا ! وصار هذا القانون دينا يتدين به عامة إخواننا الأكثرية ، حتى أنك لتجد أذهانهم في عصرنا مسكونة بأن

الاستماع إلى حجة الشيعي ذنب ، وقراءة كتاب للشيعة ذنب أعظم ! فكل إنسان ، حتى عابد الوثن ، له حق التعبير عن معتقده ، إلا الشيعي . وكل إنسان حتى عابد الوثن يجوز الاستماع إلى دليله وحجته ، إلا الشيعي .
 

-  ص 7 -

وكل كتاب يباح دخوله إلى البلد وقراءته ، حتى كتب الإفساد والإلحاد ، إلا الكتاب الشيعي ! يقول عالم سني من الفيلبين : نشأت من صغري على الحساسية من الشيعة وكرههم والحذر الشديد من كتبهم ، لأنها كتب ضلال ، حرام قراءتها وبيعها وشراؤها .


وفي لحظة فكرت في نفسي وقلت : أليس من المنطقي أن يطلع الإنسان على وجهة النظر الأخرى ويفهمها ، ثم يناقشها ويردها ؟ أليس موقفنا شبيها بموقف الذين يقول الله تعالى عنهم

( جعلوا أصابعهم في آذانهم ) ؟ ومن ذلك اليوم قررت أن أقرأ كتب الشيعة، وليقل الناس عني ما يقولون ! إن قراءة الكتاب الشيعي تحتاج إلى مثل هذه البطولة من جهاد النفس ، وجهاد

الجو الحاكم في بعض الأوساط ! يضاف إلى ذلك أن الكتاب الشيعي في عصرنا متهم بالإضرار بالوحدة الإسلامية ، وإثارة الحساسية والتفرقة بين المسلمين . .
 

-  ص 8 -

وكأن وحدة المسلمين في مواجهة أعدائهم لا تتحقق إلا بإغماض العيون وإغلاق باب البحث العلمي في العقائد والصحابة وأهل البيت ، ثم لا تتحقق إلا بأن يتحمل الشيعة فتاوى التكفير وسيل التهم الشتائم ، تطبيقا لقانون حرمة الدفاع عن النفس ! ما هو الحل إذن ؟


الحل هو الموقف المنطقي العقلاني ، الذي ينبغي أن يتفهمه الطرفان . . فلا الوحدة تعني ترك الالتزام بالمذهب ، وتحريم البحث العلمي في مسائل العقيدة والشريعة .

ولا حرية البحث العلمي تبرر عدم مراعاة الأدب الإنساني وأدب الأخوة في الدين . . . ولهذه الحرية ينبغي أن تتسع الصدور ، وبهذا الأدب ينبغي أن يتأدب المتكلمون والكتاب .


إن الوحدة الإسلامية تعني وحدة المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وقومياتهم في صف سياسي واحد ، في مواجهة أعدائهم ونصرة قضاياهم ، مع حفظ حرية التمذهب داخل هذا الصف ، وحفظ حرية التفكير والتعبير ضمن الأدب الإسلامي والإنساني . .
 

-  ص 9 -

وإذا عودنا جمهورنا المسلم على هذه الحرية وهذا الأدب ، نكون قد روضنا جبهتنا الداخلية على التفهم والتفاهم ، وقدمنا إلى العالم نموذجا لحرية الرأي والمعتقد داخل مجتمعاتنا .


فما المانع أن يصلي المسلم السني إلى جانب أخيه الشيعي ، ويتحمل أحدهما من أخيه أن يسبل يديه في صلاته ، أو يكتفهما ، أو يرفعهما بالقنوت لربه ، أو يصلي بدون قنوت ؟


وما المانع أن يقرأ السني كتابا شيعيا يذكر فيه الأدلة على أن هذا الصحابي قد خالف النبي في حياته ، أو انحرف عنه بعد وفاته ؟ أو يقرأ الشيعي كتابا سنيا يذكر فيه الأدلة على عدالة

جميع الصحابة ، ووجوب موالاتهم وموالاة أوليائهم ، وأنهم أفضل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ؟


وما المانع أن يقوم السني مع أخيه الشيعي بعملية ضد الاحتلال الصهيوني فيبدأها الشيعي بنداء ( يا الله يا محمد يا علي ) ويبدأها السني بنداء ( يا الله يا محمد يا عمر ) ؟ إن من غير

المعقول أن ننتظر من أتباع المذاهب أن يحققوا الوحدة الإسلامية باتباع مذهب واحد . . فهذه المذاهب ستبقى
 

-  ص 10 -

كما يبدو حتى ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، الذي يعتقد به الجميع ، ويوحد الإسلام في مذهبه الأصلي . . ولا حل إذن إلا بالتعايش بين أهل المذاهب وتحقيق الوحدة العامة الخارجية ، وإعطاء حرية البحث السليم داخليا .


من هذه الرؤية نبدأ باسم الله تعالى هذه السلسلة الفكرية التي تبحث في أهم المسائل العقائدية والفقهية والفكرية ، التي تتعلق بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، ومذهبهم ، وشيعتهم .

والتي يقوم بإصدارها ( مركز المصطفى للدراسات الإسلامية ) الذي تم تأسيسه بأمر سيدنا المرجع : آية الله العظمى السيد علي السيستاني مد ظله الشريف ونسأل الله تعالى أن تكون

مفيدة للجميع ، لالتزامنا فيها بالبحث العلمي الذي يتحرى الحق ، ويحفظ الحقوق والآداب ، والله المسدد للصواب .

الحوزة العلمية بقم المشرفة 21 صفر الخير 1417

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية

علي الكوراني العاملي

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

فهرس الكتاب