فكرنا السياسي إسلامي أم سلطوي ؟
هذه الأحداث التي ذكرناها في الفصل السابق باختصار ، هي أهم
جزء في تاريخنا السياسي ، ومن هنا فليس بمستغرب أن تكون هي الأعمدة التي قام
عليها صرح ما لدينا من فكر سياسي ودستوري نسبناه للإسلام .
كما أن هذه الأحداث العظيمة كان لها أسوأ الأثر على كيان
الأمة الواحدة - وهي خير أمة - لأنها قسمتها ثلاثة قطاعات :
قطاع استولى على السلطة -
بهذه أو تلك من الطرق - على النحو الذي رأيناه ، وبالممارسات التي سجلتها لنا
كتب الحديث والتاريخ .
وقطاع آخر معه شئ آخر كان
ينبغي سماعه ودراسته ولا زال . وهؤلاء حرموا حق التعبير عن أنفسهم في شكل كيان
سياسي مستقل ، وحوصروا إعلاميا واقتصاديا ، ثم قتلوا
وشردوا وذاقوا الأمرين ، فبقوا في زوايا التاريخ متمسكين بما عندهم ، ثابتين
عليه معارضين لكل النظم ، شاعرين بأن الحق معهم لكنه سلب ، فكان ذلك سبب انهيار
الدولة .
وقطاع ثالث رأى تنافس القطاع الأول
، واستئثاره على الآخرين ، فظل ينظر إلى الكبار وأفعالهم وممارساتهم ، ويتأسف
لها ولا يبدي رأيا ، وساعده على الاعتزال قوة شوكة الكبار
من الفريق الأول ، وعدم إشراكهم له في شئ له فيه حق .
وهؤلاء هم العامة من الناس . وظل الوضع على هذا .
نعم كان من هم في السلطة يشعرون بخطر المعارضين ، لكنهم لم
يقاوموهم فكرة بفكرة ، إذ جعلتهم قوة الحكم والسلطان في غير حاجة لفكر متين ،
فأسفر ذلك عن أمور :
الأول : أن الفكر السياسي
عند أهل السنة بدأ متأخرا جدا إذا قورن بفكر شيعة أهل البيت الذين بقوا في
المعارضة . ولما قرر علماؤنا أن يكتبوا في السياسة والدستور وجدوا أن هذا العلم
قد
تبلور واستوى ووضعت مصطلحاته - في غفلة منهم - على يد
أنصار أهل البيت المعارضين ، فلما شمروا عن سواعدهم وسيقانهم ليخوضوا في هذا
البحر ، وتكلموا فيه ، جاء كلامهم سطحيا وكتاباتهم غير مؤصلة .
الثاني : أن علم السياسة
عندنا أهل السنة ، ما كان يملك نظرية سياسية واضحة قائمة برأسها يتخذها أساسا
لما يريد أن يتكلم فيه ، ومن ثم جاءت كتابات من كتبوا فيه رد فعل لآراء
المعارضين ، فبدت كأنها إجابات - مجرد إجابات - لرد
أقوالهم ، وسد الخانات بأي شكل وأي كلام . وأول من تكلموا في هذا العلم عندنا
كالماوردي ، وأبي يعلى ، وابن العربي المالكي ،
وابن خلدون ، والجويني ، وغيرهم ، عاشوا في حدود القرنين
الرابع والخامس الهجري ، وكان الآخرون قد سبقوهم بأربعة قرون على الأقل هي نفس
الفارق في النضج السياسي اليوم بين أتباع المدرستين .
الثالث : أن هؤلاء العلماء لم
يحاولوا تأسيس نظرية مختلفة ، ولكن نحوا منحى خطيرا للغاية إذ أسسوا كتاباتهم
على أربعة أسس :
الأول : المصادقة على
الأمر الواقع ، واعتبار أن نتائج الأحداث التي وقعت هي عين ما كان ينبغي أن
يكون ، بل وهي الإسلام ونظريته السياسية .
الثاني : أنهم في تأييد ذلك
فتشوا في القرآن والحديث عن نصوص فأولوها تارة ولووا أعناقها تارة ليلائموا
بينها وبين الأحداث ، بصرف النظر عن موقف الإسلام الحقيقي .
وهذه العملية التي مارسوها لأسلمة وقائع ونتائج ربما
كانت غير إسلامية أجبرتهم على تفصيل حلل وأثواب من الأدلة الواهية ، فأدى ذلك
إلى أمرين ،
الأول : إضفاء القداسة على
أحداث التاريخ البشري الخاص بتلك الحقبة ، فاعتبرناه عبر أجيال طويلة جزء من
الدين له قداسته واحترامه بكل ما فيه ، ولو كان مخالفا للدين في بعض الأحيان .
والثاني : أن كتاباتهم -
أو دعنا نقول ما قدموه من نظرية سياسية إسلامية - جاءت تبريرية تهيئ للحكام -
كل الحكام صالحهم وفاسدهم - أدلة شرعية لتبرير أفعاله ، ولعل لافتة ( الاجتهاد
) التي لصقوها على أفعال الحكام جميعا منذ وفاة
الرسول عليه وآله الصلاة والسلام حتى العصر العباسي هي
أوضح نموذج لهذه الأدلة التبريرية ، مع التغاضي عن موقف الإسلام الصحيح خلال كل
هذه الممارسة . وحملنا معنا
هذا كله في أوردتنا وشرايينا ، وتناقلته خلايانا
الوراثية عبر قرون وقرون ، فإذا بحكام اليوم يرتكبون الأخطاء ، فتوقع المعاهدات
اللاسلامية مثلا ، أو تستدعي قوات الاحتلال من هنا
وهناك ، ثم تجدنا نتساءل بين أنفسنا : وما حكم الإسلام
في هذا ؟ وتجدهم - وهم أصلا حكام وأنظمة غير شرعية - يلجؤون إلى العلماء - إن
صح تسميتهم بهذا - ويطلبون منهم التبريرات
، فإذا بمشايخنا يخرجون من بطون الكتب ما شاءوا ويفصلون
للأفعال غير الإسلامية أثوابا إسلامية ، مزينة بآيات من القرآن وأحاديث الرسول
. إنها عملية متصلة منذ قديم ، فكما فعلوا
في الماضي يفعل أمثالهم في الحاضر . فإن قلتم إن أهل
الحاضر يقلدون أسلافهم ، قلنا فمن كان قدوة الأسلاف ؟
إن المسألة معكوسة تماما ليس فيها تقليد بل هي مدرسة
فكرية ، واتجاه سياسي توارثناه ، لأن طبيعة الفكر السياسي عندنا تبريرية ،
هدفها التعايش مع الواقع ومع كل الأنظمة أيا كان نوعها .
الثالث : أنهم فهموا
الشرعية القانونية بمفهوم سقيم - وإن كان له مؤيدوه في العصر الحاضر - فاعتبروا
التمكن هو الشرعية ، والقيادة المتمكنة هي القيادة الشرعية ، بصرف النظر عن
طريق تمكنها ، وأسلوب وصولها . فإذا وصل رجل ما - أي رجل
- إلى مركز القيادة ، وتمكن من أعنة الحكم ، فهو حاكم شرعي وقيادة شرعية نتعامل
معها على النحو الذي يأمر
به الإسلام ، فيصبح واجبنا السمع والطاعة ، ويصبح أسلوب
وصوله إسلاميا . وهذا سفه فكري ، لأن الشرعية في جميع قوانين الأرض والسماء غير
التمكن ، فالشرعية تقوم على
مواصفات إن وجدت أصبح الشئ شرعيا ، وإن لم تتوافر هذه
المواصفات فلا يصبح الشئ أو النظام شرعيا ، مهما بلغ حجم التأييد فيما بعد ،
لأن وجود الشئ بالفعل لا يعني شرعيته .
ولو سلمنا بوجهة نظر هؤلاء كان علينا الاعتراف بأن كل
الأنظمة التي تركبنا اليوم شرعية لا غبار عليها ، لأنها متمكنة من السلطة ،
وهذا رأي فاسد .
على أن ضمير الأمة ووجدانها
الاجتماعي والديني ظل يرفض هذه النظرية - ولا زال - ومن هنا وجدنا في
العصور الأولى من كان يعرف اصطلاحا ب ( الإمام بالفعل ) و ( الإمام بالحق
) فالأول هو الشخص المتمكن من السلطة فعلا ولديه القوة ،
والثاني هو الإمام الشرعي الذي كان ينبغي وجوده في السلطة ولم يحصل ، وعادة ما
كان الناس يوالون الثاني ويلتفون حوله ويحترمونه ، رغم كونه لا حول له ولا قوة
.
وأمثلة هذا في السير والتاريخ كثيرة لا داعي لذكرها هنا
فإني أخشى الإطالة . إن السلطة - أي سلطة - حقيقة واقعية ملموسة وموجودة أمام
الناس بأشكال مختلفة ، لكن شرعيتها ليست في مجرد كونها كذلك أو في وجودها
الفعلي في حيز الزمان والمكان ، بل في كونها
جاءت بالطريق الشرعي وتمثل الإرادة العامة لأفراد
المجتمع ، والعقل العام للمجتمع من حيث هو مجموعة أفراد ينتمون إلى نظرية ما ،
بشكل أو آخر .
وكان من نتائج الاقتصار على اعتبار الشرعية مرادفا لمجرد
الوجود مهما كانت طريقة تحقيق هذا الوجود ، أن وقع الانفصام بين المجتمع وبين
السلطة على مدى تاريخنا الإسلامي .
ولا زلنا نرى هذا الانفصام حقيقة شاخصة أمامنا ، لأن المذهب
السياسي هو بعينه لم يتغير بعد ، ويعتمد - كما كان من قبل - على المعيار الصوري
للشرعية لا المعيار الموضوعي لها .
فهناك دساتير رسمية أقرتها وتقرها المجالس النيابية المختلفة المنتخبة ، وهناك
هيئات تشريعية تسن القوانين وتضع القواعد ، وهناك أحزاب وصحف ومنابر ، لكن هذا
كله غير مبني على
المعيار الموضوعي للشرعية ، وهو ما يعتمد على أمرين ،
أولهما : أن يكون هذا كله نابعا من العقل العام والإرادة العامة للمجتمع ، فما
أسهل تلفيق الدساتير وطبخ القوانين وتزوير الانتخابات والاستفتاءات
وثانيهما - وهو الأهم - أن تكون خلف هذا كله نظرية هي في
ذاتها شرعية ، فإن كانت هناك نظرية شرعية ، أو قل مشروعة ، ثم اتخذت إجراءات
شكلية لتسيير الأمور لا يتوفر فيها
المعيار الموضوعي للشرعية ، أدى ذلك إلى مهالك أقلها
انفصام المجتمع وعقله ومزاجه العام عن السلطة الحاكمة ، فتصبح هي في واد والشعب
في واد .
الرابع : أنهم وضعوا لأسلمة
الأحداث والإجراءات التي رأيناها وإضفاء الشرعية عليها أساسا واهيا هو عدم
اعتراض الناس أو من أسموهم اصطلاحا بالجمهور .
أي أن سكوت أفراد المجتمع على شئ يعني شرعيته ، وهو أساس
مختل، لأن أسباب السكوت قد تكثر وتتنوع ، فربما سكت الناس بسبب الانفصام بينهم
وبين السلطة ، أو بحكم القوة ،
أو بفعل الخوف ، أو ربما الجهل ، أو سلبية التعبير عن
الرفض ، أو ربما غير ذلك ، وهذا كله يتشكل في هيئة سكوت . فالسكوت إذن ليس
دليلا على الرضا أبدا .
ثم إذا أخذنا بهذه القاعدة الآن كان علينا التسليم بشرعية كل النظم التي تركبنا
، لأن الناس أو على الأقل الأغلبية الساحقة ساكتة لا تتحرك ضدها .
وأساس السكوت هذا تعتمد عليه هذه الأنظمة في إثبات شرعيتها للعالم الخارجي ،
وكلنا يعرف أسباب السكوت ، لكنه يؤمن بعدم شرعيتها .