- الامامة والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين  ص 127 :

فكرنا السياسي إسلامي أم سلطوي ؟


هذه الأحداث التي ذكرناها في الفصل السابق باختصار ، هي أهم جزء في تاريخنا السياسي ، ومن هنا فليس بمستغرب أن تكون هي الأعمدة التي قام عليها صرح ما لدينا من فكر سياسي ودستوري نسبناه للإسلام .


كما أن هذه الأحداث العظيمة كان لها أسوأ الأثر على كيان الأمة الواحدة - وهي خير أمة - لأنها قسمتها ثلاثة قطاعات :

قطاع استولى على السلطة - بهذه أو تلك من الطرق - على النحو الذي رأيناه ، وبالممارسات التي سجلتها لنا كتب الحديث والتاريخ .
 

وقطاع آخر معه شئ آخر كان ينبغي سماعه ودراسته ولا زال . وهؤلاء حرموا حق التعبير عن أنفسهم في شكل كيان
 

-  ص 128 -

سياسي مستقل ، وحوصروا إعلاميا واقتصاديا ، ثم قتلوا وشردوا وذاقوا الأمرين ، فبقوا في زوايا التاريخ متمسكين بما عندهم ، ثابتين عليه معارضين لكل النظم ، شاعرين بأن الحق معهم لكنه سلب ، فكان ذلك سبب انهيار الدولة .


وقطاع ثالث رأى تنافس القطاع الأول ، واستئثاره على الآخرين ، فظل ينظر إلى الكبار وأفعالهم وممارساتهم ، ويتأسف لها ولا يبدي رأيا ، وساعده على الاعتزال قوة شوكة الكبار

من الفريق الأول ، وعدم إشراكهم له في شئ له فيه حق . وهؤلاء هم العامة من الناس . وظل الوضع على هذا .


نعم كان من هم في السلطة يشعرون بخطر المعارضين ، لكنهم لم يقاوموهم فكرة بفكرة ، إذ جعلتهم قوة الحكم والسلطان في غير حاجة لفكر متين ، فأسفر ذلك عن أمور :

الأول : أن الفكر السياسي عند أهل السنة بدأ متأخرا جدا إذا قورن بفكر شيعة أهل البيت الذين بقوا في المعارضة . ولما قرر علماؤنا أن يكتبوا في السياسة والدستور وجدوا أن هذا العلم قد
 

-  ص 129 -

تبلور واستوى ووضعت مصطلحاته - في غفلة منهم - على يد أنصار أهل البيت المعارضين ، فلما شمروا عن سواعدهم وسيقانهم ليخوضوا في هذا البحر ، وتكلموا فيه ، جاء كلامهم سطحيا وكتاباتهم غير مؤصلة .


الثاني : أن علم السياسة عندنا أهل السنة ، ما كان يملك نظرية سياسية واضحة قائمة برأسها يتخذها أساسا لما يريد أن يتكلم فيه ، ومن ثم جاءت كتابات من كتبوا فيه رد فعل لآراء

المعارضين ، فبدت كأنها إجابات - مجرد إجابات - لرد أقوالهم ، وسد الخانات بأي شكل وأي كلام . وأول من تكلموا في هذا العلم عندنا كالماوردي ، وأبي يعلى ، وابن العربي المالكي ،

وابن خلدون ، والجويني ، وغيرهم ، عاشوا في حدود القرنين الرابع والخامس الهجري ، وكان الآخرون قد سبقوهم بأربعة قرون على الأقل هي نفس الفارق في النضج السياسي اليوم بين أتباع المدرستين .


الثالث : أن هؤلاء العلماء لم يحاولوا تأسيس نظرية مختلفة ، ولكن نحوا منحى خطيرا للغاية إذ أسسوا كتاباتهم على أربعة أسس :

-  ص 130 -

الأول : المصادقة على الأمر الواقع ، واعتبار أن نتائج الأحداث التي وقعت هي عين ما كان ينبغي أن يكون ، بل وهي الإسلام ونظريته السياسية .


الثاني : أنهم في تأييد ذلك فتشوا في القرآن والحديث عن نصوص فأولوها تارة ولووا أعناقها تارة ليلائموا بينها وبين الأحداث ، بصرف النظر عن موقف الإسلام الحقيقي .

وهذه العملية التي مارسوها لأسلمة وقائع ونتائج ربما كانت غير إسلامية أجبرتهم على تفصيل حلل وأثواب من الأدلة الواهية ، فأدى ذلك إلى أمرين ،

الأول : إضفاء القداسة على أحداث التاريخ البشري الخاص بتلك الحقبة ، فاعتبرناه عبر أجيال طويلة جزء من الدين له قداسته واحترامه بكل ما فيه ، ولو كان مخالفا للدين في بعض الأحيان .

والثاني : أن كتاباتهم - أو دعنا نقول ما قدموه من نظرية سياسية إسلامية - جاءت تبريرية تهيئ للحكام - كل الحكام صالحهم وفاسدهم - أدلة شرعية لتبرير أفعاله ، ولعل لافتة ( الاجتهاد ) التي لصقوها على أفعال الحكام جميعا منذ وفاة
 

-  ص 131 -

الرسول عليه وآله الصلاة والسلام حتى العصر العباسي هي أوضح نموذج لهذه الأدلة التبريرية ، مع التغاضي عن موقف الإسلام الصحيح خلال كل هذه الممارسة . وحملنا معنا

هذا كله في أوردتنا وشرايينا ، وتناقلته خلايانا الوراثية عبر قرون وقرون ، فإذا بحكام اليوم يرتكبون الأخطاء ، فتوقع المعاهدات اللاسلامية مثلا ، أو تستدعي قوات الاحتلال من هنا

وهناك ، ثم تجدنا نتساءل بين أنفسنا : وما حكم الإسلام في هذا ؟ وتجدهم - وهم أصلا حكام وأنظمة غير شرعية - يلجؤون إلى العلماء - إن صح تسميتهم بهذا - ويطلبون منهم التبريرات

، فإذا بمشايخنا يخرجون من بطون الكتب ما شاءوا ويفصلون للأفعال غير الإسلامية أثوابا إسلامية ، مزينة بآيات من القرآن وأحاديث الرسول . إنها عملية متصلة منذ قديم ، فكما فعلوا

في الماضي يفعل أمثالهم في الحاضر . فإن قلتم إن أهل الحاضر يقلدون أسلافهم ، قلنا فمن كان قدوة الأسلاف ؟
 

-  ص 132 -

إن المسألة معكوسة تماما ليس فيها تقليد بل هي مدرسة فكرية ، واتجاه سياسي توارثناه ، لأن طبيعة الفكر السياسي عندنا تبريرية ، هدفها التعايش مع الواقع ومع كل الأنظمة أيا كان نوعها .

الثالث : أنهم فهموا الشرعية القانونية بمفهوم سقيم - وإن كان له مؤيدوه في العصر الحاضر - فاعتبروا التمكن هو الشرعية ، والقيادة المتمكنة هي القيادة الشرعية ، بصرف النظر عن

طريق تمكنها ، وأسلوب وصولها . فإذا وصل رجل ما - أي رجل - إلى مركز القيادة ، وتمكن من أعنة الحكم ، فهو حاكم شرعي وقيادة شرعية نتعامل معها على النحو الذي يأمر

به الإسلام ، فيصبح واجبنا السمع والطاعة ، ويصبح أسلوب وصوله إسلاميا . وهذا سفه فكري ، لأن الشرعية في جميع قوانين الأرض والسماء غير التمكن ، فالشرعية تقوم على

مواصفات إن وجدت أصبح الشئ شرعيا ، وإن لم تتوافر هذه المواصفات فلا يصبح الشئ أو النظام شرعيا ، مهما بلغ حجم التأييد فيما بعد ، لأن وجود الشئ بالفعل لا يعني شرعيته .
 

-  ص 133 -

ولو سلمنا بوجهة نظر هؤلاء كان علينا الاعتراف بأن كل الأنظمة التي تركبنا اليوم شرعية لا غبار عليها ، لأنها متمكنة من السلطة ، وهذا رأي فاسد .


على أن ضمير الأمة ووجدانها الاجتماعي والديني ظل يرفض هذه النظرية - ولا زال - ومن هنا وجدنا في العصور الأولى من كان يعرف اصطلاحا ب‍ ( الإمام بالفعل ) و ( الإمام بالحق

) فالأول هو الشخص المتمكن من السلطة فعلا ولديه القوة ، والثاني هو الإمام الشرعي الذي كان ينبغي وجوده في السلطة ولم يحصل ، وعادة ما كان الناس يوالون الثاني ويلتفون حوله ويحترمونه ، رغم كونه لا حول له ولا قوة .


وأمثلة هذا في السير والتاريخ كثيرة لا داعي لذكرها هنا فإني أخشى الإطالة . إن السلطة - أي سلطة - حقيقة واقعية ملموسة وموجودة أمام الناس بأشكال مختلفة ، لكن شرعيتها ليست في مجرد كونها كذلك أو في وجودها الفعلي في حيز الزمان والمكان ، بل في كونها
 

-  ص 134 -

جاءت بالطريق الشرعي وتمثل الإرادة العامة لأفراد المجتمع ، والعقل العام للمجتمع من حيث هو مجموعة أفراد ينتمون إلى نظرية ما ، بشكل أو آخر .


وكان من نتائج الاقتصار على اعتبار الشرعية مرادفا لمجرد الوجود مهما كانت طريقة تحقيق هذا الوجود ، أن وقع الانفصام بين المجتمع وبين السلطة على مدى تاريخنا الإسلامي .


ولا زلنا نرى هذا الانفصام حقيقة شاخصة أمامنا ، لأن المذهب السياسي هو بعينه لم يتغير بعد ، ويعتمد - كما كان من قبل - على المعيار الصوري للشرعية لا المعيار الموضوعي لها .


فهناك دساتير رسمية أقرتها وتقرها المجالس النيابية المختلفة المنتخبة ، وهناك هيئات تشريعية تسن القوانين وتضع القواعد ، وهناك أحزاب وصحف ومنابر ، لكن هذا كله غير مبني على

المعيار الموضوعي للشرعية ، وهو ما يعتمد على أمرين ، أولهما : أن يكون هذا كله نابعا من العقل العام والإرادة العامة للمجتمع ، فما أسهل تلفيق الدساتير وطبخ القوانين وتزوير الانتخابات والاستفتاءات
 

-  ص 135 -

وثانيهما - وهو الأهم - أن تكون خلف هذا كله نظرية هي في ذاتها شرعية ، فإن كانت هناك نظرية شرعية ، أو قل مشروعة ، ثم اتخذت إجراءات شكلية لتسيير الأمور لا يتوفر فيها

المعيار الموضوعي للشرعية ، أدى ذلك إلى مهالك أقلها انفصام المجتمع وعقله ومزاجه العام عن السلطة الحاكمة ، فتصبح هي في واد والشعب في واد .


الرابع : أنهم وضعوا لأسلمة الأحداث والإجراءات التي رأيناها وإضفاء الشرعية عليها أساسا واهيا هو عدم اعتراض الناس أو من أسموهم اصطلاحا بالجمهور .


أي أن سكوت أفراد المجتمع على شئ يعني شرعيته ، وهو أساس مختل، لأن أسباب السكوت قد تكثر وتتنوع ، فربما سكت الناس بسبب الانفصام بينهم وبين السلطة ، أو بحكم القوة ،

أو بفعل الخوف ، أو ربما الجهل ، أو سلبية التعبير عن الرفض ، أو ربما غير ذلك ، وهذا كله يتشكل في هيئة سكوت . فالسكوت إذن ليس دليلا على الرضا أبدا .
 

-  ص 136 -

ثم إذا أخذنا بهذه القاعدة الآن كان علينا التسليم بشرعية كل النظم التي تركبنا ، لأن الناس أو على الأقل الأغلبية الساحقة ساكتة لا تتحرك ضدها .


وأساس السكوت هذا تعتمد عليه هذه الأنظمة في إثبات شرعيتها للعالم الخارجي ، وكلنا يعرف أسباب السكوت ، لكنه يؤمن بعدم شرعيتها .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب