- الامامة والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين  ص 201 :

أطروحة الحل


رأينا ما عندنا وما عند الآخرين من رأي في مشكلة القيادة ، واتضحت لنا الصورة بزواياها وأبعادها ، وعلينا الآن أن نفكر قليلا ونتخذ خطى جادة لإصلاح الحال ، فعلينا أن نعلن للعالم

صراحة أن ديننا الكامل ليس فيه ما يحل مشكلات عصرنا السياسية ، ومن ثم فلا حرج في أن نعيش على الفكر المستورد ، كما نعيش على الأغذية والمعلبات المستوردة .


والواقع أن الحركة الإسلامية في العالم السني تواجه من بين ما تواجه مشكلة أخرى مرتبطة بمشكلة القيادة ارتباطا قويا ، وأعني بها مشكلة شكل التحرك والتنفيذ . فالأفكار التي تدور في أذهان

-  ص 202 -

كل من تمنى تنفيذ الإسلام واشتاق لرؤيته حيا من شيوخنا وشبابنا لا تخرج عن ثلاثة :

الأول : الإنقلاب العسكري فذلك مما يؤمن الكثيرون به أسلوبا للتغيير وتنفيذ الإسلام وتطبيق الشريعة . وهؤلاء لم يفهموا قطعا طبيعة هذا الدين ونظريته . وتجربة باكستان والسودان في هذا دليلي وسندي .


الثاني : العمل السري ، لكننا إذا سألنا أصحابه : هل يمكن ضم كل الشعب إلى العمل السري ؟ ولو فرضنا نجاحه فماذا بعد التفجيرات والاغتيالات هنا وهناك ، دون قيادة جامعة ؟ أنا لا

أنكر أهمية هذا العمل في المسيرة ، لكنه ينبغي أن يكون محدودا جدا ولا يسمح به إلا في ظروف خاصة للغاية ، أما الاعتماد عليه كأساس فهذا لا يفيد .


الثالث : إلباس الحركة الإسلامية ثوب الحزبية تنظيما وتحركا على غرار الأحزاب السياسية العاملة في النظم الديمقراطية ، وهي الحفرة العميقة التي وقعت فيها الجماعة الإسلامية في باكستان فلم

-  ص 203 -

تخرج منها منذ عام 1941 ، بل أوقعت فيها غيرها من التنظيمات كالإخوان المسلمين في مصر وغيرها .

والسالكون لهذا الطريق يعاملون الإسلام كغيره من نظريات حزب العمل والمحافظين والديمقراطيين وليكود وغيرهم ، فليس الإسلام نظرية تطبق عن طريق البرلمانات وقنوات

الأكثرية والأقلية ، وأبسط ما في هذه الطريقة من إشكال أننا لو فرضنا حصول هذه الجماعة أو تلك في مصر أو باكستان أو السودان أو غيرها على أكثرية مقاعد البرلمان ، وهذا في نفسه مستحيل - وتمكنت من تطبيق الإسلام أو قوانينه فهل يتم بذلك تغيير النظام نفسه ؟


وإذا قيل نعم وسلمنا بهذا جدلا ، فماذا سيكون مصير هذه القوانين إذا جاء حزب آخر في البرلمان ، أو انقلب الجيش بتحريض من الخارج أو الداخل وعطل الحياة الدستورية ، وألغى

هذه القوانين ؟ هل نسكت على إلغائها ، فنكون قد رضينا بالكفر ؟ أم نخرج في ثورة عارمة دموية دفاعا عنها ؟ فإن كانت الأولى فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وإن كانت الثورة فلماذا لا نختارها من البداية ، بدلا
 

-  ص 204 -

من تضييع العقود بل القرون في تجريب الديمقراطية كوسيلة لتطبيق ما لا يمكن تطبيقه بأساليب غيره من النظريات ؟


وقد تناولت هذه النقطة بقدر من التفصيل في كتيب بعنوان ( بين أسلوب الدعوة وأسلوب التنفيذ ) فليرجع إليه من أراد الاستيضاح ، وما أود التأكيد عليه هنا أنني أعتقد أن الإسلام ليس

نظرية رجعية ، ولا حزبية ، بل هو نظرية ثورية شاملة لا يناسبها إلا الأسلوب الثوري في التنفيذ .


ولو افترضنا جدلا أن جمع الأساليب والطرق الثلاثة المذكورة صالحة لتنفيذ الإسلام وإقامة دولته ، فليس أن أسأل ما هو النظام البديل الذي يستلم السلطة :

هل يصلح تطبيق الإسلام في ظل نظام غير إسلامي هو الموجود حاليا ؟

فإن قيل نعم ، وقعنا في معضلة فقهية ما لنا منها مخرج ، وإن قيل لا ، قلنا فماذا عندنا من نظام بديل يملأ الفراغ الذي سيوجد بعد إسقاط النظام القديم ؟ أم تقولون نسقطه أولا وبعد ذلك تفرج ؟


وأكاد أعتقد أن أطروحة الحل ينبغي أن تكون شاملة تتوفر فيها عناصر الشمولية بحيث تحقق ما يلي :

-  ص 205 -

أولا : حل مشكلة القيادة .
 

ثانيا : تبني الأسلوب الثوري لتطبيق الإسلام ، وذلك بقدرتها على السيطرة على رجل الشارع البسيط واجتذابه .
 

ثالثا : القضاء على ظواهر الفشل الحركي كظاهرة أمراء وقادة الشقق والحواري ، وزعماء الأحزاب والتنظيمات ، وظاهرة تشكيل التنظيمات التي يحركها قادة أموات في قبورهم .

وأظن - وبعض الظن إثم - أن هذا الشق من الأطروحة والذي قبله سيكونان سبب رفض المستفيدين تجاريا واجتماعيا لها جملة وتفصيلا ، حتى قبل مناقشتها وعرضها على الشرع والعقل والقلب .


رابعا : إقامة النظام البديل الذي يتولى مكان النظام الساقط . وإن كنت أوثر ترك هذه النقطة الآن ، مكتفيا بما يمكن أن يفهمه ذهن القارئ اللبيب عن قدرة هذه الأطروحة على ضمان

وتحقيق ذلك . ولا أحسبن أحدا يتوقع مني طرح كل التفاصيل أو حتى بعضها ، لأنني لن أهتم بهذا ، إنما سأعرض الخطوط العريضة ،
 

-  ص 206 -

والسمات العامة فقط .

ولا يعني توجيه كلامي إلى مصر وأهلها ، أو صياغة الأطروحة حسب ظروف المجتمع المصري ، أنها لا تصلح لغيره بل أظنها تصلح لكثير من المجتمعات بعد شئ من النقص والزيادة هنا أو هناك .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب