2 - نظام الاجتهاد :
فإن اختارت الأمة لنفسها المذهب الجعفري فلا إشكال إذن لأن
قواعد هذا المذهب ، وما فيه من مبادئ حركية كفيلة بحل كل مشكلات المسيرة .
وإن اختارت مذهبا آخر فعلينا أولا أن نغرس في نفوس الناس
عامتهم وخاصتهم حب العلماء واحترامهم وإجلالهم ، كما على العلماء بدورهم
التعبير عن مشكلات الشعب وأمانيه ووجهة
نظره ، وتبني موقفه ، والكلام بلسانه ، والتصرف في
المواقف بأسلوب الأحرار وطريقتهم ، لا بطريقة عبيد الحكومة وحاشية السلطان .
وعلينا بعد ذلك أن نشكل مجلسا من مجتهدي المذهب الذي
نختاره ، ودرجات الاجتهاد ، وصفات المجتهدين مشروحة مدونة في مظانها فليرجع
إليها من أراد ، لكنه لا ينبغي أن يكون
المجتهد مجتهدا في الحيض والنفاس وما إليه من الأحكام
فحسب ، بل يجب أن يكون كذلك في كل جوانب الحياة وما يتعلق بها من أحكام ، وأن
يكون واعيا بسياسة الدولة وقوانينها ، فاهما
للإستراتيجية وعلومها ، مستوعبا للقانون الدولي وطرق
تسيير الدولة وقيادة الأمم ، لأن المعركة التي تخاض في سبيل تأسيس دولة الإسلام
لن تكون حول أحكام الحيض والنفاس
وأحكام المولود والزكاة والمواريث ، بل ستكون معركة
نواجه فيها العالم بقواه الكبرى ، التي ستجتمع لإبادة هذا الدين .
إذ من السذاجة أن نتصور أن
العالم سيستريح لقيام دولة إسلامية في مصر أو في غيرها . لا بد إذن أن يكون
المجتهد حيا يعرف ما يدور في زماننا من مشكلات ، ويعي حلولها في ضوء أحكام
المذهب والقوانين الدولية ، لأن الشافعي وأبا حنيفة ومالك وغيرهم يرقدون في
قبورهم لا يدرون من أمر دنيانا شيئا ، فإن أردنا إقامة
الدولة على أي من مذاهبهم فلا بد من إحياء نظام الاجتهاد بأن يكون ثمة مجتهدون
أحياء يجدون حلولا لمشكلات عصرنا ، بشرط
أن يتوفر فيهم العدالة بشروطها علاوة على الإخلاص وسعة
العقل وسلامة الدين وزهد الدنيا وحب الشهادة وشجاعة الفؤاد وحب الوطن ، والقدرة
على التصدي للشرق والغرب والاكتمال في جوانب القيادة ، فيكون الواحد منهم زعيما
روحيا وقيادة سياسية حكيمة ومرجعا فقهيا عاما
ثم علينا إنشاء نظام تعليم ديني
توضع مناهجه وأسسه بحيث تضمن إنتاج وتخريج أنماط من هؤلاء المجتهدين يقودون
الشارع الإسلامي على طريق الحق .
ولتكن هذه المدارس أهلية ينفق عليها المسلمون أنفسهم بدلا
من إنشاء بنوك إسلامية، وشركات استثمار ، وسوبر ماركيت ، وغير ذلك من المؤسسات
التي تخدم في النهاية نظام الكفر
المسيطر عليها وعلى المجتمع . فإذا توفر لدينا ثلاثة أو
أربعة مجتهدين من هذا النوع ، فعلى أحدهم أن يتصدى لخوض المعركة السياسية
لإقامة الدولة
الإسلامية وعلى الآخرين تأييده لا منازعته ولا مخالفته ، على أن يكون هذا
المجتهد المتصدي تقيا زاهدا واعيا فاهما طاهرا نظيف الجيب شريف اليد عفيف النفس
ناصع الماضي واضح الرؤية . هذا على مستوى القيادة .
فأما على مستوى القاعدة فينبغي إلزام كل من ليس
له رتبة الاجتهاد ، ولا يستطيع النظر في الأدلة الشرعية بتقليد أحد المجتهدين ،
وينبغي أن نفهم أن رباط التقليد بين المقلد والمرجع
ليس رباطا واهيا ولا ضعيفا إنما هو من أقوى الأربطة وأمتن الصلات ، إذ يشد
القاعدة بالقمة ، ويربط الفرد العادي بقيادته . والناس وفق هذا النظام أحرار في
اختيار من يقلدون ولا إجبار لهم في تقليد هذا من المجتهدين أو ذاك .