3 - الإستقلال الاقتصادي :
استقلال العلماء اقتصاديا أهم أمر من أمور الحركة ،
وبدونه لا يمكن إقامة دولة ونظام من الطراز الذي نتحدث عنه .
وفي غياب الاستقلال الاقتصادي نجد أن العلماء - وهذا لفظ
أستخدمه هنا مجازا لأن العالم الحقيقي عف اليد شريف النفس - أقول نجد
العلماء يختارون واحدا من الطرق الآتية لسد ضروراتهم
واحتياجات عوائلهم : أما الانسلاك في وظائف الحكومة وهذا يؤدي بهم إلى موافقة
الحاكم حفاظا على الرواتب .
ولما كان الحاكم وحكومته كما نعلم ، فإن هؤلاء العلماء
يضطرون لإرضائه بما يسخط الرب ، وبهذا يخرج كثير منهم عن الجادة . فإن لم ينسلك
العالم في سلك الحكام وأراد أن يلعب في
دائرة المعارضين للنظام في الدول التي فيها معارضة اسمية
، نراه يحتاج إلى المال ، إذ لا سياسة بلا مال ، ولا نشاط بدون نفقات ، فإذا
بمثل هذا يتسكعون أمام السفارات ، ينتهزون
النزاعات الدولية والإقليمية فيعرضون خدماتهم على أحد
طرفي النزاع ، ويقبضون منه ، ويؤيدونه ولو كان موقفه باطلا لا شك في بطلانه .
وقد كشفة الحرب بين إيران والعراق
لنا كثيرا من هؤلاء . وبهذا يتحول هذا القسم إلى تجار دين ، مثلهم مثل القسم
الأول لأن كليهما يخدم نظاما مقابل قرش .
فإن لم يفعل العالم هذا أو تلك ، خرج في إعارة هنا أو
هناك ليجمع قرشين يعدل بهما حاله ، ويزوج أبناءه وبناته ، وهذا يحافظ على راتبه
بإرضاء الدولة المعار منها والمعار إليها ، فلا فرق أيضا بين هذا ومن سبقوه .
أو تراه مثلا افتتح له دكانا إسلاميا في شكل مدرسة أو جامعة
إسلامية ، جمع باسمها التبرعات ووجد لها من يمولها ، خاضعا في ذلك لتنفيذ سياسة
الممولين . هكذا نرى أن الاسم الجامع لهذه الأشكال التعايشية كلها مهما اختلفت
وسائلها ودوافعها هو ( التجارة ) ولا شئ غيرها .
وهؤلاء لا يمكن لعاقل أن يتوقع منهم مساندة الحق أو التضحية
بما هم عليه في سبيل هذا الدين . فلا بد إذن من تحقيق الاستقلال الاقتصادي
للعلماء في ظل نظام المجتهدين الأحياء ، ولذلك أرى ضرورة دفع الزكاة والصدقات
والكفارات من قبل المقلد إلى المجتهد الذي يقلده .
ولا أرى بأسا في الأخذ بنظام الخمس كما في المذهب الجعفري ،
وهو أن يدفع كل مقلد خمس ماله المتبقي بعد أن يدخر له ولأولاده ما
يكفي مؤونة عام . ثم يقوم المجتهدون بالإنفاق من هذا المال المجتمع لديهم وهو
كثير ، على أنفسهم بالمعروف، وعلى بقية العلماء وطلاب المدارس الدينية والحركة
الإسلامية وما تحتاجه
وهكذا يتحقق الاستقلال الاقتصادي للعلماء ، فإذا تحقق هذا استطاعوا الوقوف في
وجه الظالمين ، بدلا من مساندتهم وإرضائهم بما يسخط الله .