|
- الامامة
والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين ص 15 :
|
القيادة إمامة وخلافة
مشكلة القيادة في العمل الإسلامي من المشكلات التي صاحبت
هذا العمل منذ بدايته بعد انقطاع الوحي بوفاة مؤسس الدولة رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
ولأن القيادة صمام الأمان في كل مجتمع ، وجدنا مجتمعاتنا
فوضى ، تعمل ولا نتيجة لعملها ، وتزرع ولا تجني إلا قبض الريح . ويميل بعض
علماء السياسة والاجتماع إلى رد الفشل في
إفراز قيادة واحدة واعية إلى سوء الشعب أو ( القوم )
نفسه ، بينما يرى البعض الآخر عكس ذلك ، أي أن فشل القوم أساسه سوء القيادة
وفشلها . وكل من هؤلاء وأولئك يسوق لتأييد رأيه أدلة وبراهين .
والحقيقة أن العلاقة بين القيادة والشعب أو الجمهور أو
القوم أو غير ذلك من مترادفات اصطلاحية سياسية للتعبير عن ( الناس ) إنما هي
علاقة
ديناميكية يؤثر فيها كل طرف في الطرف الآخر ويتأثر به .
فهي علاقة ازدواجية التفاعل لا أحاديته . ومن ثم وجدنا بين أيدينا أحاديث
وأقوالا ظاهرها التناقض وهي ليست كذلك . فيقال
مثلا ( الناس على دين ملوكهم ) ومعناه أن الحاكم إذا صلح
صلحت الرعية وبالعكس ، ويقال أيضا ( كما تكونوا يولى عليكم ) وهو ما يعني أن
الشعب إذا صلح صلحت القيادة أو الحاكم والعكس بالعكس .
لكن الأمر لا يخلو من تناقض إذ العلاقة بين الطرفين - كما
أسلفت - علاقة ازدواجية متبادلة يؤثر فيها سوء أحد الطرفين أو صلاحه في الطرف
الآخر سلبا وإيجابا ، فتقع المسئولية على كليهما .
ولقد ظهرت مشكلة القيادة في
المجتمع الإسلامي بعد وفاة مؤسس الدولة وواضع منهجها والمشرف على سيرها رسول
الله عليه وآله الصلاة والسلام ، ثم اختلفت المذاهب الإسلامية بشأنها على النحو
الموضح في كتب الكلام والعقيدة والسياسة لدى كل منها .
والحقيقة أن مطالعة ما عند الفرق الإسلامية من بضاعة في
موضوع الإمامة أو الخلافة كما سموها يؤكد أن أهل السنة يخلطون الإمامة بالخلافة
برئاسة الجمهورية ، وأنهم استخدموا
اصطلاح الإمامة حينا والخلافة أحيانا للتعبير عن معنى
واحد هو رئاسة الدولة ، فالاصطلاح عندهم غير محدد يستوى في ذلك القدماء
كالماوردي وابن خلدون ، والمحدثون كالمودودي ورشيد رضا وأبي زهرة .
لكننا لا نقف على شئ من هذا الخلط عند الشيعة قديما وحديثا
فنظرية الإمامة عندهم - والقيادة جزء منها - مؤصلة مؤطرة .
وما يهمنا في هذا كله - لوقد أغمضنا العين عن رؤية الخلط -
حكم الإمامة أو القيادة الشرعي عند كليهما ، فهي عند الشيعة أصل من أصول الدين
( 1 )
يسوقون في تأييده أدلة عقلية ونقلية كثيرة لا يهمنا إيرادها هنا فالمجال مختصر
محدود ، وهي عند السنة
| |
( 1 ) الشيعة في عقائدهم وأحكامهم ، أمير
محمد الكاظمي القزويني ص 42 وما بعدها ، لبنان 1972 . ( * )
|
|
|
فرض كفاية
( 1 )
كصلاة الجنازة ورد التحية وهو ما يوضح بذاته منزلة هذا المنصب الخطير في فكرهم
السياسي . أما الدليل على أنها فرض كفاية ، فليس عندهم غير إجماع الصحابة ، دون
نص من كتاب أو سنة .
ولست أبغي - في هذا المجال الضيق - استقصاء آراء
الأصوليين في هذه النقطة ، وهل يتقرر الفرض فرضا بإجماع الصحابة فعلا أو قولا
أو تقريرا ، وأسأل : إذا كان الصحابة رضوان
الله عليهم قد شعروا بخطورة هذا المنصب وأهميته فأجمعوا على ضرورة إيجاده -
وهذا كله عملية عقلية محضة ناتجة عن إعمال العقل والفكر في غياب النص - فهل
يتوقع منهم كمال
العقل وإدراك حاجة الدولة ونظامها ، ولا يتوقع ذلك من الله ورسوله وهو الذي نص
على أن الدين قد اكتمل ، والكتاب قد تم ( اليوم أكملت
لكم دينكم ) المائدة - 3 ( ما فرطنا في الكتاب من
شئ ) الأنعام - 38 .
| |
( 1 ) الأحكام السلطانية للمارودي ص 3
طبع المطبعة المحمودية مصر بدون تاريخ ، الأحكام
السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 3 ، مصر 1938 ،
المقدمة لابن خلدون ص 191 ، لبنان ،
الطبعة الخامسة 1984 . ( 8 )
|
|
|
وأختلف بشدة مع ابن خلدون في أن الخلافة - وهي عندي كما
قلت قيادة - لم تكن مهمة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
( 1 )
ومن ثم لم يترك فيها شيئا .
ومع أن أبا يعلى يقول أن طريق وجوبها السمع لا العقل
( 2 )
إلا أنه لم يقدم لنا نصا مسموعا يؤيد مذهبه ، إلا أن يكون قد أراد سماع أحداث
السقيفة وما تلاها فنعود إلى نفس العقدة ، وهي محل ألف نظر . .
كما أن أحكام مشايخنا - نحن أهل السنة -
واعتبارهم القيادة من أمور الدنيا والمصالح العامة المتروكة للخلق يفعلون بها
ما شاؤوا
( 3 )
تتناقض وتاريخنا ، ولولا أن القيادة حجر زاوية في ديننا لما استشهد في سبيل
تطهيرها من دنس الطواغيت أبرارنا منذ
| |
( 1 ) المقدمة ص 213 .
( 2 ) الأحكام السلطانية ص 3 .
( 3 ) مقدمة ابن خلدون ص 212 .
الملل والنحل للشهرستاني : هامش ص 144 ج 1 ، مصر 1948 . ( * )
|
|
|
القدم حتى اليوم ، فهل هي حقا من أصول ديننا كما يعتقد
إخواننا الشيعة
( 1 )
وإذا كانت المسألة ليس فيها نص مما جعل ابن خلدون والماوردي ومن سار سيرتهما من
كتاب السلاطين
وزعماء التبرير ، يجتهدون ويفتون بما أفتوا ، فلماذا نقيد حياتنا في القرن
العشرين بآراء هؤلاء وقد عاشوا في بيئة غير بيئتنا ، وظروف اجتماعية وسياسية
غير ظروفنا ، وتحت نظم حكم غير التي تحكمنا ؟ ولماذا نقدس من لا يستحق التقديس
؟ .
إن هذا الأمر يحتاج إلى صرخة قوية في وجه علمائنا أن يجتهدوا ويبينوا لنا وفق
روح العصر حكم الإسلام في القيادة التي هي أهم أمر في جميع الدول وأنظمتها ،
ولئن كنت أعتقد أن قحط الرجال قد عم وغلب ، لكني لا أعتقد أن البقية الباقية من
الرجال قد ابتليت بقحط الفكر .
ولقائل أن يقول إن شيخ الإسلام ابن تيمية اعتبرها من أعظم واجبات الدين ، وأقول
: صحيح وقد قال ( إن ولاية أمر الناس
| |
( 1 ) الكافي ، حديث رقم ( 1 ) من باب في
فضل الإمام وصفاته . ( * )
|
|
|
من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها ، فإن
بني آدم لا تتم مصالحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى البعض ، ولا بد لهم عند
الاجتماع من رأس ، حتى قال النبي صلى الله
عليه وسلم إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم . . .
فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله ، فإن التقرب إليه فيها
بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات )
( 1 )
لكن كلامه هذا عن جميع المناصب لا عن القيادة خاصة فدخل فيه إمارة بيت المال
والقضاء وغيره من مناصب الدولة . كما أنه أيضا لم يأت بدليل صريح على هذا ، بل
استنبطه
استنباطا بالعقل من أحاديث عامة كما ترى . على أن رأيه لا يمثل كثرة أهل السنة
، ولم يذكر كيف تعين القيادة العامة بل ردد نفس المقولات التي مرت بنا من قبل .
| |
( 1 ) السياسة الشرعية ، نشر دار المتنبي
ببغداد ، ص 165 - 166 . ( * )
|
|
|
|