القيادة في ضوء ممارسات الجيل
الأول
تعتبر فترة الخلافة الراشدة عندنا أهل السنة الفترة الذهبية
للإسلام بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ، ومن ثم نولي
وجوهنا شطرها ، ونتخذها نموذجا وقدوة .
والذي لا شك فيه هنا أن تلك الفترة كانت بالفعل كذلك ،
ومنزلتها في الفكر السياسي عند المسلمين جميعا لا تنكر ، إذ أن وقائعها بحلوها
ومرها هي التي صاغت الفكر السياسي عند
كل الفرق الإسلامية بلا استثناء . لكننا - حتى الآن - لم
ننظر إلى أحداث تلك الفترة نظرة تحليل موضوعية ، بل قدسناها ، وبنينا على
أساسها معتقدات ، بصرف النظر عن موقف الإسلام - دخلت في صلب فكرنا السياسي
الديني ، وشكلت أغلب ما لدينا من بضاعة في هذه السوق ،
بل ليس بمبالغة أن نقول : إن ما لدينا اليوم أصداء لما وقع آنذاك ، رسخت في
عقولنا الباطنة ، وغلبت على بؤرات شعورنا ، رغم بقائها في هوامشه .
ونحن من هذه العقائد على قسمين :
قسم مطلع يقرؤها ويدرسها كنموذج أمثل ، فهو يعتقدها عن وعي ، ويذب عنها بربع أو
ثلث علم . وقسم آخر يستمع دون تفحص ، ويردد بلا وعي .
وكلا الفريقين عاطفي في موقفه وتصرفه وشعوره توجهه قداسة
غير حقيقية لحوادث الجيل الأول بعد وفاة المؤسس الأعظم . على أننا إذا كبحنا
جماح العاطفة - قليلا - وقلنا هلم نبحث
الموضوع بطريقة الباحثين عن الحق ، انتهينا إلى نتائج
تخالف - دون ريب - تلك التي انتهينا إليها ونحن نتحدث تحت تخدير العاطفة .
ولئن كان الإسلام يذم الموقف الأول من القضايا الهامة ،
ويحض على تبني الموقف الثاني - خصوصا في قضايا سير الأوائل ، وقوانين الحضارة
والعمران والسياسة والاجتماع - ويخاطبنا مئات
المرات ( أفلا تعقلون . . ) ( أفلا تنظرون . . . ) (
أفلا يتدبرون . . ) إلى آخر ما نحفظه جميعا من كتاب الله ، إلا أن الاتجاه
السائد يتجه إلى غير هذا .
ومع ذلك ، فهناك قليل ممن يريدون أن يسبحوا ضد هذا التيار ،
استجابة للنداء القرآني الموجه الذي يضيئ لنا لجج البحر الذي تعالت أمواجه ،
وصارت ظلمات بعضها فوق بعض .
ورجائي من الكثرة أن تصبر علينا ونحن نسبح سباحة الباحثين
عن الحقيقة حتى نتم شوطنا ، فإن أعجبتهم سباحتنا فلينزلوا معنا إلى البحر
ليصدوا التيار ، وإن لم تعجبهم فليتركونا في
حرية علنا نخرج لهم بلؤلؤة تنفعهم ، أو درة تضيئ لهم ولو
بشعاع ، وليضعوها في متحفهم إلى وقت قد يعم فيه الظلام فيبحثون فيه عن بصيص ضوء
، ويذكروننا حينئذ .
تعالوا إذن نستعرض أكبر الوقائع التاريخية التي سجلها لنا
تاريخ العهد الذهبي في موضوع القيادة ، ونعيد قراءتها ، بعيدا عن العواطف ،
قراءة مجردة ، وننظر ما تؤدي إليه من نتائج