- الامامة والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين  ص 41 :

القيادة في ضوء ممارسات الجيل الأول


تعتبر فترة الخلافة الراشدة عندنا أهل السنة الفترة الذهبية للإسلام بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ، ومن ثم نولي وجوهنا شطرها ، ونتخذها نموذجا وقدوة .


والذي لا شك فيه هنا أن تلك الفترة كانت بالفعل كذلك ، ومنزلتها في الفكر السياسي عند المسلمين جميعا لا تنكر ، إذ أن وقائعها بحلوها ومرها هي التي صاغت الفكر السياسي عند

كل الفرق الإسلامية بلا استثناء . لكننا - حتى الآن - لم ننظر إلى أحداث تلك الفترة نظرة تحليل موضوعية ، بل قدسناها ، وبنينا على أساسها معتقدات ، بصرف النظر عن موقف الإسلام - دخلت في صلب فكرنا السياسي
 

-  ص 42 -

الديني ، وشكلت أغلب ما لدينا من بضاعة في هذه السوق ، بل ليس بمبالغة أن نقول : إن ما لدينا اليوم أصداء لما وقع آنذاك ، رسخت في عقولنا الباطنة ، وغلبت على بؤرات شعورنا ، رغم بقائها في هوامشه .


ونحن من هذه العقائد على قسمين : قسم مطلع يقرؤها ويدرسها كنموذج أمثل ، فهو يعتقدها عن وعي ، ويذب عنها بربع أو ثلث علم . وقسم آخر يستمع دون تفحص ، ويردد بلا وعي .

وكلا الفريقين عاطفي في موقفه وتصرفه وشعوره توجهه قداسة غير حقيقية لحوادث الجيل الأول بعد وفاة المؤسس الأعظم . على أننا إذا كبحنا جماح العاطفة - قليلا - وقلنا هلم نبحث

الموضوع بطريقة الباحثين عن الحق ، انتهينا إلى نتائج تخالف - دون ريب - تلك التي انتهينا إليها ونحن نتحدث تحت تخدير العاطفة .


ولئن كان الإسلام يذم الموقف الأول من القضايا الهامة ، ويحض على تبني الموقف الثاني - خصوصا في قضايا سير الأوائل ، وقوانين الحضارة والعمران والسياسة والاجتماع - ويخاطبنا مئات

-  ص 43 -

المرات ( أفلا تعقلون . . ) ( أفلا تنظرون . . . ) ( أفلا يتدبرون . . ) إلى آخر ما نحفظه جميعا من كتاب الله ، إلا أن الاتجاه السائد يتجه إلى غير هذا .


ومع ذلك ، فهناك قليل ممن يريدون أن يسبحوا ضد هذا التيار ، استجابة للنداء القرآني الموجه الذي يضيئ لنا لجج البحر الذي تعالت أمواجه ، وصارت ظلمات بعضها فوق بعض .


ورجائي من الكثرة أن تصبر علينا ونحن نسبح سباحة الباحثين عن الحقيقة حتى نتم شوطنا ، فإن أعجبتهم سباحتنا فلينزلوا معنا إلى البحر ليصدوا التيار ، وإن لم تعجبهم فليتركونا في

حرية علنا نخرج لهم بلؤلؤة تنفعهم ، أو درة تضيئ لهم ولو بشعاع ، وليضعوها في متحفهم إلى وقت قد يعم فيه الظلام فيبحثون فيه عن بصيص ضوء ، ويذكروننا حينئذ .


تعالوا إذن نستعرض أكبر الوقائع التاريخية التي سجلها لنا تاريخ العهد الذهبي في موضوع القيادة ، ونعيد قراءتها ، بعيدا عن العواطف ، قراءة مجردة ، وننظر ما تؤدي إليه من نتائج
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب