- الامامة والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين  ص 44 :

 1 - بيعة أبي بكر ( رض )


توفي رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ، وانشغل بتغسيله وتجهيزه ودفنه بعض أهله كعلي بن أبي طالب ، وعمه العباس وولديه ، وبعض مواليه .

وفي أثناء ذلك ، انشغل قسم آخر من الصحابة بحسم مشكلة القيادة على نحو رواه عمر بن الخطاب ( رض ) فقال : ( فلا يغرن أمراء أن يقول أن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فقد كانت

كذلك غير أن الله وقى شرها ، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت

فاطمة ، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم ، فلقينا رجلان صالحان قد شهدا

بدرا ، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا نريد إخواننا من الأنصار ، قالا فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم ، فقلنا والله لنأتينهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة

-  ص 45 -

وإذا بين أظهرهم رجل مزمل قلت من هذا ؟ قالوا سعد بن عبادة ، فقلت : ما شأنه ؟ قالوا : وجع ، فقام رجل منهم فحمد الله وقال : أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا ، وقد دفت إلينا من قومكم دافة .


فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، ويغصبونا الأمر وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر ، وقد كنت أداري منه بعض الحد ، وكان هو أوقر مني وأحلم ، فلما

أردت أن أتكلم قال : على رسلك ، فكرهت أن أعصيه ، فقام فحمد الله وأثنى عليه فما ترك شيئا كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت إلا قد جاء به أو بأحسن منه ، وقال :

أما بعد يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلا إلا وأنتم له أهل ، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لحي من قريش ، وهم أوسط دارا ونسبا ، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين

الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا
 

-  ص 46 -

أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ، فارتفعت الأصوات ، وكثر اللغط فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبي بكر : أبسط يدك أبايعك ، فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون والأنصار ، ثم نزونا

على سعد حتى قال قائلهم قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت قتل الله سعدا . وإنا والله لم نجد أمرا أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نتابعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون فساد ) ( 1 ) .


وقد روى المؤرخون قالوا : ( اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، وتركوا جنازة رسول الله يغسله أهله ، فقالوا نولي هذا الأمر بعد محمد سعد بن عبادة ، وأخرجوا سعدا إليهم وهو

مريض . . فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر سابقة الأنصار في الدين ، وفضيلتهم في الإسلام ، وإعزازهم للنبي وأصحابه ، وجهادهم لأعدائه حتى استقامت
 

 

( 1 ) تاريخ الطبري : 2 / 446 - 447 ، مصر ، 1939 .
صحيح البخاري : كتاب الحدود ، باب رجم الحبلى من الزنا . ( * )

 

 

-  ص 47 -

العرب ، وتوفي الرسول وهو عنهم راض ( أي سعد ) استبدوا بهذا الأمر دون الناس ، فأجابوه بأجمعهم : أن قد وفقت في الرأي ، وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت ، نوليك هذا الأمر ) ( 1 ) .

سمع أبو بكر وعمر ( رض ) بذلك فأسرعا إلى السقيفة ، وتكلم أبو بكر ( رض ) فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب ، وقال ( فهم أول

من عبد الله في الأرض ، وآمن بالرسول ، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم ) ثم ذكر فضيلة الأنصار وقال : ( فليس بعد المهاجرين

الأولين عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تفتاتون بمشورة ، ولا نقضي دونكم الأمور .


فقام الحباب بن المنذر وقال : يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم ، فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ، وينتقض عليكم أمركم ، فإن أبى هؤلاء ما سمعتم ، فمنا أمير ومنهم أمير .

 

( 1 ) الطبري : 2 / 456 . ( * )

 

 

-  ص 48 -

فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن . . والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم ، وولي أمرهم منهم ، ولنا

بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين ، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط في هلكة ؟


فقام الحباب بن المنذر وقال : يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فأجلوهم عن هذه البلاد

، وتولوا عليهم هذه الأمور ، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم ، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به ، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة . قال عمر : إذن يقتلك الله . قال بل إياك يقتل .


فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار إنكم إن كنتم أول من ناصر وآزر ، فلا تكونوا أول من بدل وغير .

-  ص 49 -

فقام بشير بن سعد أبو نعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين ، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح

لأنفسنا ، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا ، فإن الله ولي النعمة علينا بذلك ، ألا إن محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش وقومه أحق به . . .


ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ، وما تدعو إليه قريش ، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة ، لا زالت لهم

عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر ، فقاموا إليه فبايعوه ، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم ) ( 1 ) .


وفي رواية أخرى :

 

( 1 ) الطبري : 2 / 456 - 458 . السيرة النبوية لابن هشام : 4 / 337 - 339 ، القاهرة 1937 . ( * )

 

 

-  ص 50 -

( فقال أبو بكر هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا ، فقالا : والله لا نتولى هذا الأمر عليك . . وقام عبد الرحمن بن عوف وتكلم فقال : يا معشر الأنصار إنكم وإن كنتم على فضل

، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وقام المنذر بن الأرقم فقال : ما ندفع فضل من ذكرت ، وإن فيهم لرجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد ، يعني علي بن أبي طالب ) ( 1 ) .


ولما كثر اللغط ، واشتد الاختلاف قال عمر لأبي بكر ( رض ) أبسط يدك أبايعك ، وتمت البيعة.

وفي رواية أن عمر ( رض ) قال مهددا الناس إذا أخرجوا القيادة عن قريش ( والله ما يخالفنا أحد إلا قتلناه ) ( 2 ) ورفض سعد بن عبادة بيعة أبي بكر وقال حين أرسلوا إليه ليبايع ( أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل ، وأخضب
 

 

( 1 ) تاريخ اليعقوبي : 2 / 103 ، النجف ( العراق ) 1358 ه‍ والموفقيات للزبير ابن بكار : ص 579 ، نقلا عن معالم المدرستين للسيد مرتضى العسكري : 1 / 117 ، إيران 1406 ه‍ .
( 2 ) السيرة النبوية لابن هشام : 4 / 338 . ( * )

 

 

-  ص 51 -

سنان رمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي ، فلا أفعل وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الأنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم

ما حسابي ) فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع معهم ، ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم ( 1 ) وبقي كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر .


وقيل إن عمر أرسل إليه رجلا في خلافة أبي بكر يدعوه إلى البيعة فإن أبي فليقاتله ، فلما أبي سعد البيعة رماه بسهم فقتله ( 2 ) .


وأما من رفضوا بيعة أبي بكر فتحصنوا في بيت السيدة فاطمة الزهراء وكانوا جماعة من بني هاشم ، وجمع من المهاجرين والأنصار بزعامة الإمام علي ( ع ) والعباس بن عبد المطلب ،

وسلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأبي ذر الغفاري ، وأبي بن كعب ، وغيرهم ، رضي الله عنهم
 

 

( 1 ) الطبري : 2 / 459 .
( 2 ) أنساب الأشراف للبلاذري : 1 / 589 ، مصر 1959 م ، العقد الفريد لابن عبد ربه : 4 / 260 ، مصر 1944 م .

 

 

-  ص 52 -

وقد روت هذه الواقعة كتب السير والتاريخ والصحاح والمسانيد ، ومنهم من صرح بما جرى فيها ومنهم من تعامى عنها .


وممن صرح ببعض ما جرى البلاذري فقال ( بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي رضي الله عنهم حين قعد عن بيعته وقال : ائتني به بأعنف العنف ، فلما جرى بينهما كلام فقال ( أي علي ) أحلب حلبا لك شطره ، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غدا )
( 1 ) .


وذكر المؤرخون أن أبا بكر أرسل جماعة ، منهم عبد الرحمن بن عوف ، وخالد بن الوليد ، برئاسة عمر بن الخطاب ( رض ) ليخرجوهم من بيت فاطمة ، وقال لهم إن أبوا فقاتلوهم ،

فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيتهم فاطمة فقالت : يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال نعم ، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة ( 2 ) واقتحموا دار سيدة نساء العالمين بنت

 

( 1 ) أنساب الأشراف : 1 / 587 .
( 2 ) العقد الفريد : 4 / 260 ، تاريخ أبي الفدا : 1 / 156 ، مصر 1325 ه‍ ، الطبري : 2 / 443 ،
أنساب الأشراف
: 1 / 586 ، الرياض النضرة للمحب الطبري : 1 / 218 ، مصر 1953 م .
تاريخ اليعقوبي
: 2 / 105 وفيه أن عمر صارع عليا بسيفه فصرعه وكسر سيفه . ( * )

 

 

-  ص 53 -

رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام لملاحقة المعارضين وقتالهم وتحريقهم بالنار حتى يبايعوا أبا بكر قسرا ! . وبقي علي وبنو هاشم لم يبايعوا أبا بكر ستة أشهر حتى توفيت السيدة فاطمة

عليها سلام الله غاضبة على الشيخين ، وانصرف الناس عن علي ( ع ) فضرع إلى مبايعة أبي بكر .

هذا ما هو مسطور في تراثنا عن أول أزمة سياسية ودستورية واجهتها الدولة الوليدة يوم وفاة مؤسسها . فلو صحت هذه الروايات ، وربطنا بين ماضينا وحاضرنا ، استطعنا أن نرى

بصماتها مطبوعة واضحة في حياة المسلمين عامة ، لأنها شكلت - وما زالت - خلفية الشعور لدى جميع المسلمين .


وإذا نظرنا إلى هذه الأزمة الدستورية بعين السابحين ضد التيار ، الباحثين عن منهج سياسي في الإسلام ، رأينا فيها ما لا يراه أرباب العواطف . الموجهة فأول ما نراه فيها أن بيعة أبي

بكر ( رض ) لم تتم في ظروف عادية بل تمت دون أن يعلم بها الناس جميعا ، أو على الأقل جميع أكابر الصحابة ، أو حتى زعماء الاتجاهات السياسية الموجودة في المجتمع كلهم ، فقد اجتمع في

-  ص 54 -

السقيفة نفر من الأنصار ليبت في أمر القيادة في غياب الآخرين ، ثم لحق بهم نفر من المهاجرين لينافسوهم ويمنعوا القوة السياسية الأولى من الانفراد بالقيادة .


ولم يعلم بالأمر أكبر وأهم قوة سياسية ودينية آنذاك وهي بنو هاشم وآل بيت القائد المؤسس ، بعد أن انتهز هذا النفر القليل من المهاجرين والأنصار انشغالهم بتغسيل وتكفين الرسول القائد،

وتم ما تم دون إعلام الناس ، وبغير انتظار لتهدأ مشاعر الأمة ، وقد حلت بها كارثة غياب رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ، القائد الذي لا يملأ فراغه أحد .


فالسياق العام الذي تمت فيه هذه البيعة التي حددت القيادة بعد رسول الله لم يكن طبيعيا ، ولا يمكن أن تستريح له أنفس الناس باحثين وغير باحثين .


ثم إن القوم لم يتفقوا على مرشح بعينه في السقيفة ( فكثر القول حتى كاد يكون بينهم في السقيفة حرب ، وتوعد بعضهم بعضا ، فوثب عمر فأخذ بيد أبي بكر )
( 1 ) بل إن في رواية عمر نفسه ما يدل على أن بيعة أبي بكر ( رض ) تمت في ظروف غير

  ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام : 4 / 338 ، الرياض النضرة : 1 / 214 . ( * )  

 

-  ص 55 -

طبيعية ، وبطريقة غير طبيعية ، وذلك حين قال ( فارتفعت الأصوات وكثر اللغط ) أي أنه - كما رأينا - بعد عرض مرشح الأنصار للأسباب التي اعتقد على أساسها استحقاق حزبه

بالقيادة ، ثم عرض أبي بكر ( رض ) لأحقية المهاجرين بها ، ولم تسفر هذه المداولات عن اتفاق الموجودين وهم نفر قليل من الأمة على شخص يتصدى للقيادة ، بل ارتفعت الأصوات

تتنازع ، فانتهز عمر ( رض ) هذا الفرصة وحسم الأمر بالطريقة التي تحسم بها الصفقات والمزادات في الأسواق ، وهو ما أكسبته المهنة إياه ، إذ كلنا يعرف أنه ( رض ) كان سمسارا

يعقد الصفقات في الأسواق ، ومال معه المؤيدون لأبي بكر ، ووجد الآخرون أنفسهم في مأزق ، فبايع منهم من بايع ورفض من رفض .


ولذلك اعتبرها عمر ( رض ) نفسه فلتة غير أن الله وقى شرها ( 1 ) كما اعتبرها الضحاك بن خليفة ( فلتة كفلتات الجاهلية ) ( 2 )

 

( 1 ) الطبري : 2 / 446 .                               ( 2 ) نفس المصدر : 2 / 459 . ( * )

 

 

-  ص 56 -

ولما رأى أبو بكر ( رض ) نفسه أنه لا إجماع على أحد من الموجودين ، عرض تقسيم السلطة بينهم وبين الأنصار فقال ( نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تفتاتون بمشورة ولا نقضي دونكم

الأمور ) ( 1 ) وهو ما رفضته الأنصار ، ورأت المشاركة المتساوية في الحكم ( منا أمير ومنكم أمير ) .


ولأن السياق الذي تمت فيه البيعة ، والطريقة التي حسمت بها القيادة لم تكن مقنعة ، ندم أبو بكر ( رض ) على تقمصها حين حضرته الوفاة اقتضاء لطبيعة النفس البشرية ، وتمنى لو سأل

رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام عمن ينبغي أن تؤول له القيادة بعد وفاته ( 2 ) فإن صحت هذه الرواية فهي دليل على أنه هو نفسه كان في شك من أحقيته بالقيادة بعد رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام .

 

( 1 ) نفس المصدر : 2 / 458 .                         ( 2 ) نفس المصدر : 2 / 619 - 620 . ( * )

 

 

-  ص 57 -

ثانيا : إن الذين اجتمعوا في السقيفة - إن صحت روايات المؤرخين - لم يضعوا الإسلام ولا نظرية الدولة وفكرها ، ولا حتى مصلحة الأمة العامة هدفا أمامهم وهم يحسمون قضية القيادة،

بل قدم كل منهم نفسه على أنه ( مهاجر ) و ( أنصار ) ثم وصل الأمر ببعضهم أن طالب بطرد المهاجرين من المدينة ، مثلهم مثل زعماء الجاهلية قديما وحديثا . فمن نابوا عن قريش

تحدثوا باسمها وبمنزلتها في الإسلام ، ومن مثلوا الأنصار سلكوا نفس السبيل ، ثم برزت في السقيفة الأحقاد القبلية القديمة التي كان من المفروض أنها دفنت تحت الأقدام في ظل الإسلام

وتعاليمه ، وإذا بالأوس تنضم إلى قريش نكاية في الخزرج وزعيمها ، لأنها خافت أن تؤول القيادة إليها فتسبقها في الفضل .


ثالثا : إن رأي الأمة أو الجمهور لم يستطلع أصلا في مسألة تعيين القيادة ، وإنما قرر مصير الأمة كلها نفر قليل - مائة أو أقل أو أكثر قليلا بقدر ما تتسع السقيفة - تزعم النقاش منهم خمسة أفراد فقط ، وقرروا مستقبل الشعب والدولة

-  ص 58 -

وقد يصرخ أحدنا غاضبا ويقول : يا أخي ، لقد كانوا أهل عقد وحل ، فأقول : ألم يكن في الناس غيرهم أهل عقد وحل ؟ فلماذا لم ينتظروا إخوانهم ليشاركوهم الرأي ؟ ثم كونهم أهل

عقد وحل ليس عليه دليل من كتاب أو سنة ، لأن هذا الاصطلاح من نحت مشايخنا ومؤرخينا الذين كتبوا في هذا الموضوع بعد قرون لتبرير هذه الوقائع ، والأولى بنا أن نعيد النظر في هذه التحديدات والآراء السلطانية الموروثة التي نرددها بلا وعي .


والخلاصة أن السلوك الذي سلكته القدوة في السقيفة من تجاهل لرأي الناس لأنهم رعاع وغوغاء ، كما وصفهم بذلك عبد الرحمن بن عوف
( 1 ) الرحمن بن عوف ( 1 ) لرأي الناس

لأنهم رعاع وغوغاء ، كما وصفهم بذلك عبد الرحمن بن عوف ( 1 ) وعدم اعتبار رأيهم ، والاكتفاء برأي النخبة في حسم القضايا المصيرية ، وعدم إعطاء كل فرد حقه في التعبير عن

رأيه بحرية . . . كل هذا ورثناه وتشربته أنسجة مجتمعاتنا سداتها ولحمتها ، وانسكب في أصلابنا جيلا بعد جيل ، فإذا بكل أمورنا تقررها طغمات تدبر أنظمة ، أو نخبات تقود أحزابا
 

 

( 1 ) الطبري : 2 / 445 . ابن هشام : 4 / 336 . ( * )

 

 

-  ص 59 -

ومنظمات ، دون أخذ بما يجيش في نفوس القاعدة العريضة التي يقوم عليها بناء المجتمع .


إن ما حدث في السقيفة - إذا نظرنا إليه بعين الخائضين في السياسة وأردنا تقديمه إلى الناس في القرن العشرين - لا يمكن اعتباره إجراء سليما يتفق ومبادئ الإسلام السياسية ، لأنه لم

يعط صوتا لكل مواطن بل أعطى صوتا لكل قبيلة حضرت ، دون معاملة بقية القبائل والقوى السياسية الأخرى بنفس المعاملة ، ومن ثم تجاهل القطاع الأعرض من الشعب ، وحرمهم

حقهم في المشاركة في اتخاذ القرار واختيار القيادة . رابعا : إذا أخذنا بشروط الأهلية التي ذكرها كل من أبي بكر وعمر ( رض ) لمن ينبغي أن يكون في منصب القيادة بعد رسول الله

عليه وآله السلام ، وجدنا أنها لم تكن تنطبق على أي منهما قدر انطباقها على آل البيت ، فلقد قال أبو بكر ( رض ) ( وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لحي من قريش وهم أوسط دارا ونسبا ) ( 1 )

وقال ( أول من عبد الله في الأرض وهم أولياؤه
 

 

( 1 ) الطبري : 2 / 446 . ابن هشام : 4 / 339 . ( * )

 

 

-  ص 60 -

وعشيرته ( 1 )

وقال عمر ( رض ) ( العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ، وولي أمورهم منهم ، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين ، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم ، أو متورط في هلكة ؟)( 2 )
 

فإن كانت هذه شروط الأهلية كان الأولى بالقيادة بعد محمد آل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام ، إذ لم يكن في العرب أوسط منهم دارا ونسبا ، وكانوا هم أولياء النبي وعشيرته ، وفيهم النبوة والقيادة ، وبيتهم مهبط الوحي ومحف الملائكة .


ثم إن مقالة عمر ( رض ) بذاتها تثبت أن من نازع من هم بهذه المواصفات منصب القيادة فهو ( مدل بباطل ومتجانف لإثم ومتورط في هلكة )

أفلا ندرك ما في هذه العبارة من معان ؟

إن مرشح الأنصار لم يكن بالشخصية التي يجمع عليها المسلمون آنذاك ، كما لم تكن شروط الأهلية المذكورة متوفرة في
 

 

( 1 ) الطبري ، نفس الموضع .                        ( 2 ) نفس المصدر : 2 / 457 . ( * )

 

 

-  ص 61 -

مرشح المهاجرين ، رغم ادعائهم هذه الصفات لأنفسهم ، ومع ذلك حسم الأمر في غياب الحزب الذي لو أعطى رئيسه الفرصة لترشيح نفسه ما نازعه أحد ، وهو علي بن أبي طالب عليه سلام الله ، كما صرح بهذا الصحابي الجليل المنذر بن الأرقم ( 1 ) .


وحتى لو أخذنا برأي ابن خلدون في قيام الدول وما اشترط من العصبية ، وهي نظريته التي يرى بها القرشية ضرورة لازمة لتأسيس الدولة من وجهة نظر السياسة والعمران ، لأنها

عصبية ، فإن العصبية كانت أكثر في آل البيت إذ فيهم اجتمعت عصبية القبيلة وهي القرشية ، وعصبية الفكر والعقيدة لكونهم بيت النبوة وصاحب الرسالة ، وعلى هذا فكون الإمام من آل

البيت - وفق نظرية ابن خلدون - أمر تقتضيه قوانين السياسة والعمران التي ذكرها ، بل إن الإمام في هذه الحالة يكون أكفأ وأقدر ، مما يجعل الدولة أرسخ وأقوى ، لكن الرجل قدم نظرية ثم حاد عن الحق وهو يطبقها .
 

  ( 1 ) تاريخ اليعقوبي : 2 / 103 . ( * )  

 

-  ص 62 -

هكذا حسمت القيادة في غياب الأصلح ، مما أسفر عن شرخ كيان الأمة شرخا عانت منه الويلات على مدى القرون الأربعة عشر الماضية ، ولا زالت ، لأن عامة المهاجرين وجل الأنصار ما كانوا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ( 1 ) .


خامسا : إن أسلوب التعامل مع المعارضين والمخالفين في الرأي خلال هذه الأزمة الدستورية ، لم يكن متسقا ومبادئ الإسلام وروحه العامة التي نسيناها ووضعنا مكانها أمامنا تصرفات البعض كنموذج يحتذى ، فغطت ظلالها حياتنا حكاما ومحكومين في العصر الحديث .


نعم كان كبار الجيل الأول وهم في السلطة لا يغضبون إن أمسك بتلابيب أحدهم رجل من العامة وطالبهم بحق من حقوقه ، لكن هذه كانت نماذج فردية تتعلق بأمور غير السلطة والشرعية ،

 

( 1 ) الموفقيات للزبير بن بكار : ص 580 نقلا عن معالم المدرستين : 1 / 119 ،
وأنظر تاريخ اليعقوبي : 2 / 103 . ( * )

 

 

-  ص 63 -

فأما حين كانت المعارضة للسلطة من حيث هي كذلك ، وجدنا أسلوبهم مختلفا ، فأصل في مجتمعاتنا التجبر واضطهاد المخالفين وانتهاك الحرمات في ذلك ولو كانت حرمة بنت رسول

الله ! فسعد بن عبادة ( قتله الله ) لأنه عارض رأي بعضهم ، وهو منافق يستحق القتل ( 1 ) لأنه رفض البيعة ، ولم يستريحوا حتى قتلوه لأنه يشكل خطرا سياسيا ، غير أن مؤرخينا

انقسموا فمنهم من استحى أن يذكر واقعة قتله ، لأنها تشكل مخالفة شرعية لأحكام الإسلام الذي لا يبيح قتل من اختلف في الرأي أو عارض السلطة ، ومنهم من استخف بعقولنا فنسب قتله

إلى الجن ( 2 ) لكنه فشل في تقديم سبب عداء الجن له ، فهل كان الجن في السلطة ورفض سعد مبايعتهم ؟

 

( 1 ) هذا ما قاله عنه عمر ، أنظر الطبري : 2 / 459 .
( 2 ) الرياض النضرة : 2 / 218 ، الإستيعاب لابن عبد البر : 2 / 599 ، طبع . نهضة مصر ، تحقيق البجاوي بدون تاريخ . البلاذري : 1 / 589 ، العقد الفريد : 4 / 260 . ( * )

 

 

-  ص 64 -

ليس هذا فحسب بل إن محاولة إحراق المعارضين بالنار وفيهم بنت رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ، وابن عمه وغيرهما من صلحاء الأمة ، لمعارضتهم شرعية بيعة أبي بكر

( رض ) كما سبق تفصيله ، كان أبشع نموذج لقمع المخالفين واضطهاد المعارضين ، حتى أن أبا بكر ( رض ) ظل يندم عليه ويقول ( ليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب ) ( 1 ) .


هذه التصرفات التي ارتكبها الأوائل لم تمر هكذا بلا أثر ، بل حفرت بأظفارها في عقل الأمة الباطن ونقشت فيه روحها ، فإذا بمن علينا من حكام يقلدونها ، فإن ذهبنا إلى التنظيمات

الإسلامية التي تريد إعادة الخلافة وجدناها لا تتحمل رأيا مخالفا أبدا ، وتسارع في إصدار الفتاوى وإهدار الدماء ، فأصبح الجو العام السائد في مجتمعاتنا جوا إرهابيا ، يخشى أصحاب الرأي فيه على

 

( 1 ) تاريخ اليعقوبي : 2 / 115 ، وانظر البلاذري : 1 / 587 والطبري : 2 / 619 . ( * )

 

 

-  ص 65 -

أنفسهم ، فيعتزلون الناس ، ويقبعون في بيوتهم ، لأن المعارضة الواعية لا يتحملها أي طرف من الأطراف الموجودة في السلطة أو خارجها ، ولأن قمع المعارضين وقتلهم وإحراقهم

ممارسات غير شرعية ، أضفينا عليها الشرعية بتقديسنا لمن ارتكبوها عبر قرون ، ولسنا الآن على استعداد لأن نناقض شرعيتها وموقف الإسلام الحقيقي منها ، لأننا لو فعلنا ذلك اضطررنا إلى تخطئة الأشخاص وهم أقدس عندنا من الإسلام نفسه .


سادسا : أنه لو قيل أن سبب التعجيل بحسم مشكلة القيادة ببيعة أبي بكر
(رض) وجوب ألا تبقى الأمة والدولة بلا قيادة يوما واحدا ، وهو ما ذكره عمر ، وأن هذه قاعدة عامة في الإسلام من

أجل المصلحة القومية العليا ، قلنا فلماذا أبقى هو نفسه على الدولة ثلاثة أيام بلا قيادة ، لإعطاء فسحة للتشاور في أمر القيادة كما سيأتي بيانه ؟


فإن قيل أن مجلس الشورى آنذاك كان في محل القيادة ، قلنا فكيف بقيت الدولة بلا قيادة حوالي أسبوع بعد وفاة

-  ص 66 -

عثمان ( رض ) مع أن الظروف وقتها كانت تستدعي فرض الأحكام العرفية بلغة عصرنا ، إذ كانت الأمصار قد انتفضت على الخليفة في ثورة عارمة ، وحاصره الثائرون أربعين يوما كما

في بعض الروايات ، وأرادوا خلعه ، ثم أخيرا قتلوه ( 1 ) فقاعدة المصلحة - إذا تمسك بها البعض في بيعة أبي بكر - لم يجد لها وجودا فيما تلاها من ظروف اقتضتها ، وبالتالي فلم تكن قاعدة ، أو كانت قاعدة ، لكنها طبقت وفق المزاج والهوى .


سابعا : أن الاهتمام بالقيادة وتعيينها أساس في الإسلام إذا نظرنا إلى روحه ، إذ كل قوم لا بد لهم من قيادة حتى الكفرة ( فقاتلوا أئمة الكفر ) التوبة - 12 ، وقد اهتم الرسول عليه وآله

أفضل الصلاة والسلام بتعيين القيادات في حياته ، فكان يؤمر أصحابه في البعوث والأسفار والحج وغير ذلك ، ووضع الإسلام تفاصيل الأمور العادية ، كالغسل وتكفين الموتى واللباس والطعام والشراب ، فكيف يهتم بهذا ولا يهتم بتعيين القيادة بعد وفاة
 

 

( 1 ) أنظر الطبري : 3 / 441 ، 442 ، 443 ، 457 . ( * )

 

 

-  ص 67 -

مؤسس الدولة ؟

وكيف يشغل هذا الأمر أبا بكر وعمر ( رض ) فيعين كل منهما القيادة بعده ، في حين لا يهتم الله ورسوله بشئ من هذا ؟


ونحن إن أغمضنا أعيننا عن وجهة نظر الشيعة في أن الوصية بقيادة الأمة بعد النبي كانت لعلي عليه السلام ، بل افترضنا - من أجل إراحة إخواننا الذين قد يشمون في كلامنا رائحة

تشيع - أن جميع أهل البيت لم يكن لهم وجود في التاريخ أصلا ، فإن أهمية منصب القيادة في الإسلام ، وروح هذا الدين ، وطبيعة نظريته السياسية ، تقتضي أن يكون الرسول قد ترك في

مسألة تعيين القيادة شيئا ، ونذهب بخيالنا أبعد من هذا ، فنفترض من أجل سواد عيون إخواننا - أن مؤسس الدولة أوصى بالقيادة بعده لهذا أو ذاك من الصحابة ، أو بتشكيل مجلس ، أو

بشكل آخر من أشكال تعيين القيادة ، ولو جملة تكون لها منزلة الدستور الذي تسير عليه الدولة ، كأي دولة من الدول في التاريخ عند النصارى واليهود والبوذيين والمجوس والهندوس وكل أمم الأرض ، لأن دستور الدولة أيا كان مسألة طبيعية بل بدهية في تاريخ الأمم
 

-  ص 68 -

والشعوب ، وأول ما في الدستور تحديد قيادة الدولة ، إذ من المستحيل عقلا وشرعا أن يكون الإسلام وحده من بين أديان البشر قبل الميلاد وبعده ، وثنية وثانوية وتوحيدية وتثليثية قد ترك الفصل في القيادة لمزاج الناس ، وعصبيات القبائل ، وضغائن النفس البشرية .


أقول إذا افترضنا أن مؤسس الدولة ترك لها دستورا يحدد القيادة ، كان اجتماع من اجتمعوا في السقيفة ، والإجراء الذي اتخذوه أول مخالفة دستورية ، وأول درجة من الانحراف الذي ما فتئ ينفرج ويزداد ، حتى أصبح ثورة مضادة كاملة المعالم ، شاخصة أمام الأبصار .


ثامنا : أنه لو صحت روايات المؤرخين التي ذكرت أن من اجتمعوا في السقيفة استدلوا في شأن أبي بكر
( رض ) باستخلافه في الصلاة على استخلافه في القيادة ، وقالوا : ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ؟ ( 1 )

وقعنا في عدة إشكالات :

 

( 1 ) ابن خلدون : ص 219 . ( * )

 

 

-  ص 69 -

الأول : أن القيادة وفق هذا الرأي من أمور الدنيا لا من أمور الدين ، وهذه مقولة نشأت فيما بعد ، وأدخلها المؤرخون في فكرنا السياسي ، وما دامت القيادة من أمور الدنيا ، فلماذا نسعى

لها اليوم ونطالب بإبعاد الطواغيت عنها ؟ لذلك أظن - وليس كل الظن إثما - أن هذه الرواية محشورة حشرا في تاريخنا ، لأنها تعلوها مسحة من فكر السلطة السياسي ، الذي نشأ بعد قرون من انتهاء الخلافة .


الثاني : أن هذه الرواية لو صحت كانت أول درجة من درجات فصل الدين عن الدولة والسياسة إذ معناها أن القيادة أمر دنيوي والصلاة أمر ديني ، وهذا تفريق لا يعرفه الإسلام .


الثالث : أن إمامة الصلاة أهم من إمامة الدولة وقيادتها ، وهي النتيجة التي انتهى إليها ابن خلدون بناء على هذه الرواية
( 1 ) واعتقادي أن العكس هو الصحيح ، فمن يصلح لإمامة الصلاة بمعايير الإسلام لا يصلح بالضرورة لقيادة الأمة ، أما من ينفع
 

 

( 1 ) نفس المصدر ، نفس الموضع . ( * )

 

 

-  ص 70 -

لقيادة الأمة - أيضا وفق معايير الإسلام - ينفع بالضرورة لإمامة الصلاة .

ولو سلمنا بأن كل من يصلح للصلاة إماما يستطيع قيادة الدولة أنجر ذلك بنا إلى فساد عظيم يعرفه كل أحد .
 

ومن الأسف أن هذا الرأي اخترق أجيالا ووصل إلينا في الدم ، فصار كل من استطاع أن يؤم الناس في ركعتين مفتيا وأميرا وقائدا .
 

وللشاعر الثائر محمد إقبال شعر في هذا يقول فيه : ما الذي أدرى إمام الركعتين المسكين بالشعوب وإمامتها ؟ ( 1 )


واعتقاد البعض بأن من يصلح لإمامة الصلاة يصلح لقيادة الدولة ، يوقعنا في تناقض عظيم ، فالصلاة - عندنا أهل السنة - جائزة خلف كل مسلم بر وفاجر ( 2 ) بينما إمامة الفاسق والفاسد

لا تجوز لقوله تعالى ( إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) البقرة - 124 ( 3 )
 

 

( 1 ) كليات اقبال : ص 487 ، طبع غلام علي ، باكستان ، مارس 1982 .
( 2 ) شرح الفقه الأكبر ، ملا علي القاري ، ص 91 طبع الهند ، بدون تاريخ .
( 3 ) أحكام القرآن ، أبو بكر الجصاص : 1 / 80 ، مصر 1347 ه‍ . ( * )

 

 

-  ص 71 -

الرابع : أنه لو صح استخلاف أحد في الصلاة دليلا على استخلافه في قيادة الدولة ، لكان صهيب أولى الناس بالقيادة بعد عمر إذ استخلفه في الصلاة بعد وفاته ثلاثة أيام ، بينما أسند مهمة تعيين القيادة إلى مجلس الشورى الذي ضم ستة آخرين غيره .


كذلك صلى بالناس حين حصر عثمان أبو أيوب وسهل بن حنيف وخالد بن زيد
( 1 ) ولم يفتح أحد فمه ويردد نفس القاعدة ويرى أيا منهم أحق بالقيادة بعد وفاة الخليفة .

فهل كانت هذه قاعدة دستورية ؟

وإن كانت كذلك فهل هي من عند الله ، أم من عند رسوله ، أم من اجتهادات قائلها ، أم من إدخال المؤرخين ؟

ولو افترضنا أنها قاعدة فلماذا عمل بها في حق أبي بكر ، ولم يعمل بها في حق الآخرين ؟

هكذا تم تعيين القيادة في الدولة الإسلامية الوليدة بعد وفاة مؤسسها ببيعة أبي بكر ( رض ) فنظر فيها مؤرخونا وعلماء

 

( 1 ) الطبري : 3 / 447 . ( * )

 

 

-  ص 72 -

سياستنا - الشرعية - وأفتونا بأن تعيين القيادة في الأمة ، واختيار القائد في الدولة الإسلام يتم ببيعة خمسة أو ثلاثة أو حتى واحد ، كما سنذكر من بعد ، ووضعوا ما وضعوا في ضوء هذا

الحدث التاريخي من آراء ونظريات سياسية ألزموا المسلمين بها ، فشاعت فيهم ، واستقرت في عقولهم الباطنة ، وانعكست على سلوكهم السياسي ، وشكلت الخلفية الدينية السياسية عند

من تحمسوا للإسلام وأرادوا استعادة مجده ، وقد عرضناها هنا عرضا شديد الاختصار ، وأشرنا في اقتضاب إلى نتائجها ومتضمناتها ، ناظرين إليها بعين المنطق الواعي ، والعقل

السليم ، من أجل إصلاح الحاضر وصناعة المستقبل ، بعيدا عن فورات العواطف وتضليل الحب الأعمى .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب