|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 1 - ص
97 - |
|
9 -
تربة الحسين عليه السلام
قال : "
رسول الله (ص) وعلي والحسن أفضل من الحسين عند السنة والشيعة ومع هذا لا
يعظم ترابهم عند الشيعة كما يعظم تراب الحسين " .
نقول : عظمة الحسين (ع) من عظمة جده النبي (ص) الذي قال فيه : "حسين مني وأنا من
حسين " رواه الترمذي وحسنه (1) ، وإنما اكتسب الحسين
(ع) العظمة لقول رسول الله (ص)
فيه هذه الكلمة ونسبه إلى ذاته الشريفة ، فلا تنظر الشيعة إلى عظمته (ع) كشيء
منفصل يضاهي عظمة رسول الله (ص) فهم يروون عن الباقر (ع) مخاطبا جابر : " أول ما
خلق الله نور نبيك يا جابر " (2) ، فهو أعظم المخلوقات وأشرفها وأطهرها ألا
يكفي أنه الوحيد الذي استحق أن يكون قاب قوسين أو أدنى من الذات الإلهية
المقدسة ؟
فمن المُسلّم إذن أن لا شيء يضاهي روح رسول الله ، وتعظيمه إنما هو فوق تعظيم
جميع البشر بلا استثناء .
وأما ما ورد من السجود على التربة الحسينية وتعظيمها والاستشفاء بها دون غيرها
فهو أمر شرعي يتعبد به الشيعة ، بناءا على روايات صحيحة في الفقه الجعفري نقلها
|
|
(1)
سنن الترمذي - ج5 ص658 |
(2)
بحار الأنوار -
ج15 ص24 |
|
|
الإمام المعصوم (ع) ، والاستدلال بها يعتمد على تثبيت مباحث
الإمامة أولا ،كما ستبحث بعض جوانبها في بحوث قادمة بإذن الله .
هذا فضلا عن أنك تجد ذكرا واسعا لتربة الحسين (ع) في الروايات الصحيحة الواردة في
مصادر السنة ، فقد روى أبو يعلى في مسنده " عن نجي أنه سار مع علي وكان صاحب
مطهرته فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي : اصبر أبا عبد الله اصبر
أبا عبد الله بشط الفرات قلت : وما ذا أبا عبد الله ؟ قال : دخلت على النبي (ص)
ذات يوم وعيناه تفيضان قال : قلت : يا نبي الله أغضبك أحد ؟ ما شأن عيناك
تفيضان ؟ قال : " بل قام من عندي جبريل قبل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات "
، قال : فقال : " هل لك إلى أن أشمك من تربته ؟ " قال : قلت : نعم فمد يده فقبض
قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا " .
قال محقق الكتاب حسين سليم : " إسناده حسن " (1) .
وقال الهيثمي في ( مجمع الزائد ) معلقا على الرواية : " رواه أحمد وأبو يعلى
والبزار والطبراني ورجاله ثقات ولم ينفرد نجي بهذا " (2) .
وروى الطبراني في ( المعجم الكبير ) عن أم سلمة قالت : كان رسول الله
(ص) جالسا
ذات يوم في بيتي فقال : " لا يدخل علي أحد فانتظرت فدخل الحسين (رض) فسمعت نشيج
رسول الله (ص) يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره ، والنـبي (ص) يمسح جبينه وهو يبكي
فقلت : والله ما علمت حين دخل ، فقال : إن جبريل عليه السلام كان معنا في البيت
قال : تحبه ؟ قلت : أما من الدنيا فنعم ، قال : إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال
لها كربلاء ، فتناول جبريل عليه السلام من تربتها ، فأراها
|
|
(1)
مسند أبي يعلي الموصلي - ج1 ص298 |
(2)
مجمع الزوائد -
ج9 ص187 |
|
|
النبي (ص) ... " (1) ، قال الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) معلقا على
سند الرواية : " رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات " (2) .
وروى الحاكم في ( المستدرك ) عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله
(ص)
فقالت : يا رسول الله إني
رأيت حلما منكرا الليلة قال : ما هو ؟ قالت : إنه
شديد ، قال : ما هو ؟ قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري ، فقال
رسول الله (ص) : رأيت خيرا تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فيكون في حجرك ، فولدت
فاطمة الحسين
فكان في حجري كما قال رسول الله (ص) فدخلت يوما إلى رسول الله (ص)
فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله تهريقان من الدموع
قالت : فقلت يا نبي الله بأبي وأمي مالك ؟ قال : " أتاني جبريل عليه الصلاة
والسلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا ، فقلت : هذا ! فقال : نعم ، وأتاني
بتربة من تربته حمراء " (3) .
فهل ترى هذا التركيز في الحديث عن تربة الحسين (ع) في الروايات السابقة أمر
اعتباطي لا قيمة له ، مع أن مثل هذا لم يذكر مع كثيرين تنبأ رسول الله (ص)
باستشهادهم .
ثم قال :
" إن من اعتقادات الشيعة أن تربة الحسين هي الكفيلة لشفاء الدواء والأسقام بشتى
أنواعها وأشكالها ... مخالفين بذلك قول الله : ( وَإِنْ
يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هو ) وقوله : ( وَإِذَا
|
|
(1)
المعجم الكبير - ج3 ص108 |
(2)
مجمع الزوائد -
ج9 ص189 |
(3)
المستدرك على الصحيحين
- ج3 ص176 |
|
|
مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين ) ، فهم باعتقادهم بهذا التراب
الدواء والشفاء قد شابهوا المشركين في اعتقادهم بأحجارهم النفع والضر " .
نقول : لا يمكننا أن نعرف كيف يمكن لإنسان مسلم يؤمن بأن الجناح الثاني للذبابة
فيها دواء كما في رواية البخاري كتاب بدء الخلق باب إذا وقع الذباب
(1) ، وبأن
العسل شفاء من الأمراض كما نص على ذلك الكتاب الكريم ، وأن الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين كما روى البخاري عن رسول الله (ص) في كتاب التفسير
(2) ، ثم
يتهم من يؤمن بأن تربة الإمام الحسين (ع) شفاء من الأمراض بناءا على النص الشرعي
الثابت لديه بأن فعله مخالف لقوله تعالى ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ
فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُو ) (3) ، فهل الاعتقاد بأن العسل فيه الشفاء ينافي
الآية ؟
وهل الذي يعتبر الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين أو قام بغمس الذبابة في شرابه
ثم نزعها بقصد تحصيل الشفاء بجناحها الآخر كما في رواية أبي هريرة مخالف لقوله
تعالى ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) (4) ؟! وهل يتهم بالشرك ؟
أو هل المستعين بأدوية الأطباء يخالف هذا الأساس ؟! وكيف يمكن أن يشابه الشيعة
المشركين بالاستشفاء بتربة الإمام الحسين (ع) ولا يشبههم من يستشفي بالعسل أو
بالكمأة أو بالحبة السوداء وغير ذلك ؟!
وإذا قلنا أن الفارق هو النص الصحيح المأثور عن رسول الله (ص) بإسناد صحيح ،
فلاشك أن الشيعة يعتمدون في ذلك على روايات صحيحة منتهية إلى
رسول الله (ص) ، وهذا مبحث آخر حول دراسة روايات الشيعة واعتبارها ولا علاقة له
بالشرك والتكفير .
|
|
(1)
صحيح البخاري - ج4 ص158 |
(2)
المصدر السابق
- ج6 ص22 |
(3)
الأنعام : 17 |
(4) الشعراء :
80 |
|
|
|