النفيس في بيان رزية الخميس ج 1 - ص 141 -

 16- رزية الخميس

قيل تعليقا على واقعة رزية الخميس : " يحاول الشيعة أن يدخلوا بهذه القصة مدخلا خطيرا وهو الطعن في أصحاب رسول الله (ص) " ، ثم عرض القائل عدة ردود على مآخذ الشيعة وفق النقاط التالية .

 1- دفاعا عن عدم استجابة الصحابة لطلب النبي (ص) قيل أنهم لم يستجيبوا لأمر النبي (ص) شفقة عليه من وجعه لذا قالوا : " إن النبي غلبه الوجع " .

فهل الشفقة تتناسب أيضا مع قولهم "حسبنا كتاب الله " التي صدرت من عمر كما نقل البخاري في صحيحه كتاب الطب ، باب قول المريض قوموا عني (1) ؟!

بل أن كلمة مثل "حسبنا كتاب الله " ، ليست كلمة صغيرة يمكن التجاوز عن قائلها بسهولة وخاصة في محضر النبي (ص) وردا عليه ، وقد نهى (ص) عن ذلك في قوله : " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول ما أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " ، والحديث في ( سنن الترمذي ) (2) ، و ( المستدرك على الصحيحين ) (3) ، قال الحاكم : قد أقام سفيان بن عيينة هذا الإسناد وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه والذي عندي

 

(1) صحيح البخاري - ج7 ص156

(2) سنن الترمذي - ج5 ص37 (3) المستدرك على الصحيحين - ج1 ص108  
 

- ج1 ص 142 -

أنهما تركاه لاختلاف المصريين في الإسناد ، وقال الذهبي في التلخيص : على شرطهما ، ومثله في صحيح ابن حبان (1) .

فأين هو قول عمر : " حسبنا كتاب الله " من حديث النبي (ص) ؟ أو قول عمر أيضا لقرظة بن كعب الذي قال : " لما سيرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر قال : أتدرون لم شيعتكم ؟ قالوا : نعم تكرمة لنا ، قال : ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم ، فلما قدم قرظـة بن كعب قالـوا : حدثنا فقال : نهانا عمر " ، رواه الذهبي في ( تذكرة الحفاظ ) (2) والحاكم في ( المستدرك ) (3) وقال : هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها .

والأعجب ذكر القرطبي - كما نقل عنه ابن حجر في ( الفتح ) (4) - لقوله تعالى ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) وقوله تعالى ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) تأييدا لقول عمر : "حسبنا كتاب الله " ، فهل يريد القرطبي القول أن القرآن شامل حتى لأعداد الصلوات وركعاتها وكيفيتها وبذلك يكون القرآن ناقصا فعلا ؟ أم أن التفريط منفي عن القرآن إنما هو بالإرجاع إلى رسـول الله (ص) في تلك الأمور الجزئية والتفاصيل الفقهية ، وهذا معنى قوله تعالى ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) فالأخذ بقول رسول الله (ص) في كل الأحوال هو من مقتضيات الأخذ بالكتاب الإلهـي ، لا أن يرد قول رسول الله (ص) بحجة وجود كتاب الله ، ثم يدعون أنه حسبهم .

 

(1) صحيح ابن حبان - ج1 ص78
(2) تذكرة الحفاظ - ج1 ص7

(3) المستدرك على الصحيحين - ج1 ص183
(4) فتح الباري - ج1 ص208
 
 

- ج1 ص 143 -

وإذا قلنا أن الفريقين بين مشفق على حال رسول الله (ص) ومن يريد تنفيذ وصيته في إحضار ما يكتـب به ، فلماذا غضب رسول الله (ص) وقال : قوموا عني ؟ فهل يغضب رسول الله (ص) دون أن يكون هناك موجب للغضب ؟ أم تريدون القول أنه غضب على من يريد تنفيذ الوصية ؟!

والعجب أن المانعين مجموعة عبر عنهم البخاري في كتاب الخمس باب إخراج اليهود من جزيرة العرب بواو الجماعة " فقالوا : ما له أهجر ؟ استفهموه " (1) .

وقد روى البخاري كتاب الاعتصام باب كراهية الاختلاف أن الحضور عند رسول الله اختلفوا إلى فريقين عن ابن عباس : " لما حضر النبي (ص) قال : وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ، قال عمر : إن النبي (ص) غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله ، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله (ص) كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عن النبي (ص) قال : قوموا عني " ، قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم " (2) .

فإذن هناك فريقان لا أكثر منهم من أراد رضا رسول الله (ص) وتقريب الكتاب ومنهم من أراد خلاف رسول الله (ص) وفيهم عمر ، بصريح الرواية : " ومنهم من يقول ما قال عمر " ، فقد تزعم عمر الفريق الآخر الرافض تقديم ما يكتب به رسول الله (ص) وصيته الأخيرة ، والتي تحمل الأهمية العظمى لقوله (ص) : " كتابا

 

(1) صحيح البخاري - ج4 ص121

(2) نفس المصدر السابق - ج9 ص137  
 

- ج1 ص 144 -

لن تضلوا بعده " ، وقد غضب رسول الله (ص) من الفريق الرافض ، وتؤكد رواية ابن سعد في ( الطبقات الكبرى ) هذا الأمر فيقول : " أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني قرة بن خالد أخبرنا أبو الزبير أخبرنا جابر بن عبد الله الأنصاري قال لما كان في مرض رسول الله (ص) الذي توفي فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمته كتابا لا يضلون ولا يضلون قال : فكان في البيت لغط وكلام وتكلم عمر بن الخطاب قال : فرفضه النبي (ص) " (1) .

فهل لغضب رسول الله (ص) قيمة ؟ أم المشكلة أنكم تعتقدون إلى اليوم تبعا لعمر أن رسول الله غلبه الوجع وكان مخطئا في طلبه والصواب مع عمر ، فهو من يوافقه الوحي دائما وأما رسول الله (ص) فالوحي يخطأه ، وهنا الطامة .

أما المحاولة الفاشلة والمتكلفة لإجراء سبر منطقي بالقول : " نسأل الشيعة هل هذا من التبليغ الواجب وهو مردود بآية إكمال الدين إذن فهو إما استحبابا أو لزيادة بيان لا أكثر " .

فالمرء يتعجب منه إذ إن الكاتب بقوله لزيادة بيان يقر بأنه يمكن أن يكون واجبا لزيادة بيان ، فرسول الله (ص) يريد تبيلغ أمر واجب قد بلغه فيما سبق ويريد هنا تأكيده بالكتابة لأهميته وخطورته ، ألا يمكن أن يكون توثيقه بالكتابة أمرا واجبا يلزم به رسول الله (ص) المسلمين ، ومن أين سلمت أن رسول الله (ص) إذا بلغ أمرا وأراد أن يؤكده بالكتابة لهم الحق في رد طلبه لأنه تأكيد ، فيقولون : لا داعي لطاعتك يا رسول (ص) الله في الأمور التأكيدية ؟!! من أين ينبع مثل هذا المنطق العجيب ؟

 

(1) الطبقات الكبرى - ج2 ص242

 
 

- ج1 ص 145 -

ثم هل قوله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (1) نسخ لزوم طاعة الرسول المستفاد من قوله تعالى ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (2) أم نسخ قوله تعالى ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ) (3) أم قوله تعالى ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (4) ، بخ بخ لهذه الاكتشافات ؟!

ثم كيف نجمع بين كون الأمر استحبابيا أو لزيادة بيان لا لزوم له والمنقول في صحيح البخاري (5) أن دموع ابن عباس كانت تسيل "حتى بل دمعه الحصى " حينما يذكر رزية يوم الخميس ويقول بعدها " إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم " ، فهل كل هذا الحزن على أمر استحبابي ؟

ثم ما علاقة علي (ع) بالأمر حتى يسأل : " أين كان علي ولماذا لم يستجب لرسول الله ؟ " ، فهذا القائل أصبح ديدنه عند العجز عن حل الإشكال السعي للرمي الكرة في ملعب الشيعة ، لكن بنحو مضحك وهزيل فيسأل هنا عن موقف الإمام علي (ع) من الحادثة والرواية صريحة في انقسام الحضور إلى فريقين منهم من قال : قربوا يكتب لكم كتابا .. ومنهم من قال غير ذلك " ، فإن لم يكن موجودا فلا حجة لك وإن كان موجودا فكل من له إطلاع بتاريخ علي (ع) يعرف في أي صف يقف علي (ع) ، ولكن رسول الله (ص) بعد أن كشفهم لم يصر على الكتابة

 

(1) المائدة : 3
(2) الحشر : 7

(3) المائدة : 92
(4) الأحزاب : 36
(5) صحيح البخاري - ج4 ص121  
 

- ج1 ص 146 -

فلم يكن محل لمبادرة علي (ع) ، ولكن نقول : الأفضل لك الانشغال بالبحث عن الأعذار للخليفة وتبرئته .

ثم أورد الكاتب خبرا عن مسند أحمد مفاده أن رسول الله (ص) طلب الكتابة فقال علي (ع) : إني أحفظ ، فوصاه بالصلاة والزكاة وما ملكت اليمين ، على أنها هي ما أراده النبي (ص) أن يبلغه إلى أمته .

وقد تشبث بحسن سنده بقول أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد وهو يعلم خطأه في ذلك ، فابن كثير قال في ( البداية والنهاية ) : " تفرد به أحمد من هذا الوجه " (1) .

فلم ينقل عن غير نعيم بن يزيد ، قال عنه الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) : مجهول ما روى عنه سوى عمر بن الفضل السلمي (2) ، وقال ابن حجر في ( تقريب التهذيب ) (3) وفي ( تهذيب التهذيب ) (4) و ( لسان الميزان ) (5) مجهول .

ولذا قال الشيخ شعيب أرناؤوط معلقا على الرواية التي في مسند أحمد : " إسناده ضعيف ، نعيم بن يزيد لم يرو عنه غير عمر بن الفضل ، وقال أبو حاتم : مجهول (6) ، وأخرجه ابن سعد في ( الطبقات ) (7) ، والبخاري في ( الأدب المفرد ) (8) من طريق حفص بن عمر عن عمر بن الفضل بهذا الإسناد " .
بل لا يوجد في جميع المتون الروائية لنعيم بن يزيد هذا غير هذه الرواية .

فمن الغريب أن يعتمد على هذه الرواية في دعوى أن الأمر كان موجها إلى علي فقط بينما رواية البخاري تؤكد أن المأمور الحضور كلهم ، بل روايات الصحيحين

 

(1) البداية والنهاية - ج5 ص259
(2) ميزان الاعتدال - ج4 ص271
(3) تقريب التهذيب - ج2 ص251
(4) تهذيب التهذيب - ج10 ص418

(5) لسان الميزان - ج7 ص417
(6) مسند أحمد - ج2 ص105 - الطبعة الحديثة لمؤسسة الرسالة
(7) الطبقات الكبرى - ج1 ص517
(8) الأدب المفرد - ص66
 
 

- ج1 ص 147 -

تصرح بأن الصحابة نسوا أحد الأمور التي وصى بها رسول الله (ص) ، فهل اكتشفها هذا القائل بهذا الدليل الواهي ؟
فقد روى البخاري في كتاب المغازي باب كتاب النبي (ص) إلى كسرى في ذيل نقله لرزية الخميس "… وأوصاهم بثلاث قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال : فنسيتها " (1) ، وفي رواية " والثالثة خير إما أن سكت عنها وإما أن قالها فنسيتها " قال سفيان : هذا من قول سليمان .

فالوصية قد تمت إلى جميع الصحابة الحضور الذين شاءت الصدفة أن ينسوا جميعا ما هي الوصية الثالثة بحيث لم تثبت في التاريخ ، رغم أن من المفترض عقلا أن تكون وصية خاتم الأنبياء (ص) هي أول ما يذكره الصحابة نظرا لمكانة رسول الله (ص) عندهم .

وأما ترك رسول الله (ص) الكتابة وعدم الإصرار عليها بعد رميهم له بالهجر فلأنه لا ينبغي أن يكتب كتابا تتلقاه الأمة بتأثير المتنفذين على أنه كتب حال غلبة الوجع أو أنه هجر من القول ، فيفقد رسول حجيته في الأمة فضلا عن فقد تلك الوصية لحجيتها في الأمة بسبب ما أدعوا على رسول الله (ص) .

ثم أن عمر عرف في الصحاح بالشدة على من يتهجم على رسول الله (ص) ويمس شخصه الشريف كقوله " دعني أقتل هذا المنافق " لأعرابي قال لرسول الله (ص) : " اعدل يا محمد " ، فماذا كان دوره وهو حاضر مشهد احتضار النبي (ص) ثم يرمي البعض رسول الله (ص) بالهجر بل كيف الحال لو كان هو القائل ؟

 

(1) صحيح البخاري - ج6 ص11

 
 

- ج1 ص 148 -

 2- السؤال الذي يطرح نفسه هنا : ماذا أراد رسول الله (ص) أن يكتب ؟ وما هي هذه الوصية ؟ إن جملة " لن تضلوا بعده أبدا " قد ذكرها رسول الله (ص) مرتين يصف بها أمرين :
الأول :
الوصية التي أراد (ص) إثبـاتها بالكتابة هنا في اللحظات الأخيرة .

والثاني : " ما وصى به في غدير خم بعد رجوعه من حجة الوداع كما رواها مسلم في صحيحـه عن زيد بن أرقم قال : " قام رسول الله (ص) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال : أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدي والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال : وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي … " (1) ، وكرر العبارة الأخيرة ثلاث مرات .

وفي رواية الترمذي أنه قال (ص) :
" إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " .
رواه الترمذي قال : هذا حديث حسن غريب (2) ، وقال الشيخ الألباني : صحيح .

فهي إذن وصية بعد وصية ، وصية أرادها رسول الله (ص) أن تكون مكتوبة بعد تبلغها شفاها للأمة والعامل المشترك فيها أنه أمر لن يضلوا بعده أبدا .

 

(1) صحيح مسلم - ج4 ص1873

(2) سنن الترمذي - ج5 ص663  
 

- ج1 ص 149 -

فهل يغيب عن ذي لب أن ما أراد النبي (ص) أن يوثقه كتابة للمسلمين يوم مرض موته (ص) هو ما أراده ووصى به يوم الغدير وهو يتحدث عن قرب رحيله وإجابة دعوة ربه (ص) ؟
وأما التشبث برواية نعيم السابقة لإثبات الأمر الموصى به فهو مثل تشبث الغريق بالقشة .

 3- ذكر الكاتب أحد مآخذ الشيعة " أن هذا الكتاب يتوقف عليه ضلال الأمة وهداها " وأجاب بقوله " ليس في الحديث أن النبي (ص) لم يبلغ ، بل حديث علي يبين لنا أنه أخبر عليا بما يريد أن يكتب " .

فاحكم أيها القاريء ما علاقة الجواب بالشبهة ؟! لكن نرجع ونقول أن رواية البخاري التي مر ذكرها تصرح بأن هناك وصية نسيت أو أنسيت .

 4- وأما قوله بأن الصحابة لم يكن قصدهم منع النبي (ص) بدليل أنه (ص) ترك الأمر كتابة وبلغه شفهيا يدل على أن القائل لا يفقه ما يقرأ ولا ما يقول .

فعبارة عمر " أن رسول الله غلبه الوجع حسبنا كتاب الله " ألا يقصد به أنه لا داعي للكتابة ولا تأتوا بالدواة والكتف .

وعبارة الرواي المنقولة في صحيح البخاري " فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلون بعده ومنهم من يقول غير ذلك " ، فمن يقول " غير ذلك " ألم يكن يقصد المنع ؟! بل إن الكاتب قد أقر أنهم لم يستجيبوا لرسول الله (ص) وقال : " لم يستجب الصحابة لأمر النبي شفقة " .

والأعجب أن يقول أن الدليل على صحة موقف عمر هو أن النبي (ص) ترك الأمر كتابة ، بينما نص البخاري صريح في أن رسول الله (ص) تركها بسبب اختلافهم

- ج1 ص 150 -

ولغطهم لا أنه تبين خطأه أو غير رأيه أو لأنه كان مستحبا فتركه قال الراوي : " فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله (ص) : قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع " ، بل نقل البخاري باب مرض النبي (ص) ووفاته قول الراوي : " فذهبوا يردون عليه ، فقال (ص) : دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه " (1) .


 5- القول بأن :
" غضب النبي (ص) هذا ( في رزية يوم الخميس ) يشبه قوله لعلي في الحديبية : " امح " ، فرفض علي أمر النبي حتى أخذ النبي (ص) الكتاب من علي (ع) ومحاه بيده الشريفة .

نقول : قد مرت هذه القضية سابقا ، ولكن هذا الكاتب يحاول أن يدعي هنا أن رسول الله (ص) غضب على علي (ع) ، ودليله ما روي من أن رسول الله (ص) أخذ الكتاب من يد علي (ع) فهل هناك تلازم بين أخذ الكتاب من يد علي والغضب ؟ الحكم لك أيها القارئ .

ثم إن الرواية من غرائب روايات البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب عمرة القضاء وهي على النحو التالي " فأخذ رسول الله (ص) الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله " (2) .

وهي أولا : تعارض ما عرف عن رسول الله (ص) أنه كان أميا ، لذا وقع العلماء في حيص وبيص في تفسيرهم للعبارة ، وخاصة زيادة " وليس يحسن يكتب " .

وثانيا : تعارض ما رواه البخاري كتاب الجزية والموادعة باب المصالحة على ثلاثة أيام ، " فقـال علي : والله لا أمحاه أبدا فقال : فأرنيه قال فأراه إياه فمحاه النبي (ص) بيده " (3) ، فإذا رسول الله (ص) طلب من علي أن يريه مكان الكلمة ليمحوها

 

(1) صحيح البخاري - ج6 ص11
(2) نفس المصدر السابق - ج5 ص180

(3) نفس المصدر السابق - ج4 ص126  
 

- ج1 ص 151 -

 فكيف يكتب شيئا مكانها وهو لم يستطع أن يقرأها في كتاب الصلح !! وإذا كان المقصود حدوث معجزة فلم لا تكون في معرفة مكانها ومحوه بيده الشريفة ؟!

وثالثا : تعارض أيضا ما رواه البخاري كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد ، " فقال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي (ص) : والله إني رسـول الله وإن كذبتموني ، اكتـب محمد بن عبد الله " (1) ، فهي صريحة في أن رسول الله (ص) يأمر غيره بالكتابة .

ورابعا : هل يصح أن يضيف كاتب يحترم علمه كلمة الغضب إلى الرواية وخصوصا مع عدم القرينة بل القرائن على الخلاف ؟!

هذا وقد بين ابن حجر في ( فتح الباري ) المعنى الصحيح للرواية جمعا بين الأحاديث فقال بعد أن أورد بعض الروايات التي تدل على دراية رسول الله (ص) بشئون الخط : " وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي وقد صرح في حديث المسور أن عليا هو الذي كتب ، فيحمل على أن النكتة في قوله ( فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب ) لبيان أن قوله ( ارني إياها ) أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه لا يحسن الكتابة وعلى أن قوله بعد ذلك ( فكتب ) فيه حذف تقديره فمحاها فأعادها لعلي فكتب ، وبهذا جزم ابن التين وأطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة وهو كثير كقوله : كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى " (2) انتهى .

 

(1) صحيح البخاري - ج3 ص255

(2) فتح الباري - ج7 ص504  
 

- ج1 ص 152 -

والحاصل أنه يجب حمل أخذ رسول الله (ص) الكتاب على ما ورد في الروايات الأخرى من أن رسول الله (ص) طلب من علي (ع) أن يريه مكان الكلمة ، لا أنه تعبير عن غضب رسول الله (ص) كما حاول الكاتب أن يوهم .

والصحيح هو ما نقله النسائي في ( السنن الكبرى ) من قول علي (ع) : " هو والله رسول الله (ص) وإن رغم أنفك لا والله لا أمحوها " (1) كلام موجه إلى سهيل بن عمر لا إلى رسول الله (ص) .

وأما صيغة الخطاب الذي وجه علي (ع) لرسول الله (ص) حينما طلب منه محو وصف الرسالة كما في ( البحار ) عن ( أعلام الورى ) فهي قوله (ع) : " يا رسول الله إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة " (2) ، فهل يشبه قوله هذا قول الصحابي الذي قال : " إن النبي غلبه الوجع " أو " إن النبي يهجر " ؟!

هل يشبه حال الذي استولى عليه تقديس النبوة فأبدى عجزه عن محو الاسم المقدس لرسول الله (ص) حال من أعلن استغناءه عما يريد رسول الله (ص) قوله فقال : "حسبنا كتاب الله " ؟!

أو هل يشبه قول رسول الله (ص) لعلي : " ضع يدي عليها " أو " ارني إياها " فمحاها بيده الشريفة يشبه قوله (ص) : " قوموا عني لا ينبغي عند نبي التنازع " ؟

 6- قوله " إن عمر اتهم النبي (ص) بأنه يهجر كذب ، لم يصدر عن عمر …" .

نقول : لا شك إن الحكم بأن عمر هو القائل ناشئ من تبادر اتحاد القائل في الحديثين اللذين يذكر في أحدهما " هجر " وفي الآخر " غلبه الوجع " ، وقد نقلهما

 

(1) السنن الكبرى - ج5 ص167

(2) بحار الأنوار - ج20 ص362  
 

- ج1 ص 153 -

البخاري عدة مرات في كتابه ونقلهما معا في كتاب المغازي باب مرض النبي (ص) ووفاته .

وتجد الحديث الأول في البخاري كتاب الجهاد باب جوائز الوفد عن ابن عباس (رض) أنه قال : " يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال : اشتـد برسول الله (ص) وجعه يوم الخميس ، فقال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا : هجر رسول الله (ص) قال : دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه ، وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة " (1) .

وتجد الثاني في كتاب العلم باب كتابة العلم عن ابن عباس قال : " لما اشتد بالنبي (ص) وجعه قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده قال عمر : إن النبي (ص) غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط قال : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع ، فخرج ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين كتابه " (2) .

فالمتبادر أن المتكلم في الحالتين شخص واحد ، ولكن حينما ذكرت العبارة الشديدة أبهم اسم القائل ، ويصرح به حينما خففت واستبدلت بعبارة " غلبه الوجع " .

ولكن مع ذلك كله فقد صرح ابن الأثير في ( النهاية في غريب الأثر ) ونقل عنه ابن منظور في ( لسان العرب ) أن قائل كلمة " هجر " هو عمر ، فقال ابن الأثير في مادة ( هجر ) : " ومنه حديث مرض النبي (ص) قالوا : ما شأنه ؟ أهجر ؟ أي

 

(1) صحيح البخاري - ج4 ص85

(2) نفس المصدر السابق - ج1 ص39  
 

- ج1 ص 154 -

اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام ، أي هل تغير كلامه واختلط ، لأجل ما به من المرض ، وهذا أحسن ما يقال فيه ولا يجعل إخبار فيكون إما من الفحش أو الهذيان ، والقائل كان عمر ، ولا يظن به ذلك " (1) . ومقصوده أن العبارة هي : " أهجر ؟ " على نحو الاستفهام ، ولا يجوز أن يعتبر إخبارا لأنه إما اتهام للرسول (ص) بأنه يتكلم بالفحش أو أنه يهذي وهنا القائل عمر ، فإذن لا يمكن أن يتهم رسول الله (ص) بالفحش والهذيان .

ولأن حاول ابن الأثير تنزيه عمر بتحويل الإخبار إلى استفهام فكيف يجيب عن الصيغة الواردة في رواية مسلم في كتاب الوصية باب ترك الوصية : " … فقالوا : إن رسول الله (ص) يهجر " (2) ، فهي صريحة في الإخبار لا الاستفهام .

 

(1) النهاية في غريب الحديث - ج5 ص212 ، لسان العرب - ج5 ص254

(2) صحيح مسلم - ج3 ص1259  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب