|
النفيس في بيان رزية
الخميس ج 1 - ص
30 - |
|
رابعا : ارتداد الصحابة
وأما ما يتعلق بارتداد الصحابة فالنصوص الشيعية التي تذكر ذلك المضمون لا تقصد
الارتداد بمعنى الخروج عن الدين وبمعنى الكفر ، بل المقصود بها ما قصد من
الرواية الواردة في صحيح البخار
كفارا عن ابن عباس قال : قال النبي (ص) :
" لا ترتدوا بعدي
كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " (1) ، وكذلك قوله (ص) " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر
" (2) .
فهل يمكن الجزم بناءا على ما قاله (ص) بأن طلحة والزبير وعائشة ومعاوية وعلي
عليه السلام
ارتدوا وكفروا لأنهم تقاتلوا ؟ وهل نحكم بكفر من يؤمن بصحة هذه الرواية ؟
أم يجب تأويل كلمة الارتداد وكلمة الكفر الواردة في أحاديث الباب المذكور في
صحيح البخاري إلى الكفر بالحق لا الكفر بالشهادتين .
ولاحظ في ذلك ما ذكره ابن تيمية في ( مجموعة الفتاوى ) من قول محمد بن نصر : "
وقالت طائفة أخرى من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء إلا أنهم سموه مسلما لخروجه
من ملل الكفر ولإقراره بالله وبما قال ولم يسموه مؤمنا ، وزعموا أنهم مع
تسميتهم إياه بالإسلام كافر ، لا كافر بالله ولكن كافر من طريق العمل وقالوا
كفر لا ينقل عن الملة … فأما قول من احتج علينا فزعم أنا إذا سميناه كافرا
لزمنا أن يحكم عليه بحكم الكافرين بالله فنستتيبه ونبطل الحدود عنه
… فإنا لم نذهب في ذلك حيث ذهبوا … فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان
الكفر بالله وبما قال وترك التصديق به وله ، وضد الإيمان الذي هو عمل وليس هو
إقرار كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة " (3) .
وقد صرح ابن حجر بذلك في ( فتح الباري ) قائلا :
" قوله ( لا ترجعوا بعدي كفارا ) جملة ما فيه من الأقوال ثمانية أحدها قول
الخوارج إنه على ظاهره ، ثانيها هو في المستحلين ، ثالثها المعنى كفارا بحرمة
الدماء وحرمة
| |
(1)
صحيح البخاري - ج9 ص63 |
(2) نفس المصدر السابق |
(3) مجموعة الفتاوى - ج7 ص202 |
|
|
المسلمين وحقوق الدين ، رابعها تفعلون فعل الكفار في قتل
بعضهم بعضا ، خامسها لابسين السلاح يقال كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبا ، سادسها
كفاراً بنعمة الله ، سابعها المراد الزجر عن الفعل وليس ظاهره مرادا ، ثامنها
لا يكفر بعضكم بعضا كأن يقول أحد الفريقين للآخر يا كافر فيكفر أحدهما ، ثم
وجدت تسعا وعاشرا ذكرتهما في كتاب الفتن " (1) .
وقال في موضع آخر من (
الفتح ) : " قوله ( كفارا ) تقدم بيان المراد به في
أوائل كتاب الديات وجملة الأقوال فيه ثمانية ، ثم وقفت على تاسع وهو أن المراد
ستر الحق والكفر لغة الستر لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه ، فلما
قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه ، وعاشر وهو أن الفعل المذكور يفضي إلى
الكفر لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جره شؤم ذلك إلى أشد منها فيخشى أن
لا يختم له بخاتمة الإسلام " (2) .
وإذا غضضنا عن ذلك كله فبأي دليل يقال أن من يعتقد بانقلاب الصحابة على أعقابهم
من صريح الكفر مع تصريح القرآن بهذا الاحتمال في قوله تعالى
( وَمَا مُحَمَّدٌ
إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ
قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ )
(3) ؟
وإخبار الرسول (ص) بوقوع ذلك منهم فعلا كما في صحيح البخاري كتاب المناقب باب قول
الله تعالى ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً
) عن ابن عباس (رض) عن
النبي (ص) : " … وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي
أصحابي فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم … "
(4) ، أليس من يؤمن بالنصين السابقين يجب أن يعتقد بأن هناك من
الصحابة من ارتد !!
| |
(1)
فتح الباري -
ج12 ص194
(2) نفس المصدر السابق
- ج13 ص27 |
(3)
آل عمران : 144
(4) صحيح البخاري - ج4 ص169 |
|
|
|