36 -
قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة
قال
معلقا على حادثة قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة : " إن خبر مالك مشتهر في
كتب التاريخ وهو قد منع الزكاة بعد وفاة النبي (ص) ، وقيل أنه تابع سجاح ولكن
المشهور هو منعه الزكاة " .
ثم أنكر مقولة عمر
بن الخطاب لخالد : " يا عدو الله قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته
والله لأرجمنك بالحجارة " .
قال : " أين سند الرواية ، نعم ذكرت في بعض كتب التاريخ فكان ماذا ؟ وفي السند
محمد بن حميد الرازي ضعف .
|
|
(1)
تاريخ الطبري - ج2 ص502 |
|
|
عمر ذكرها الطبري في تاريخه (1) ، بل حتى روايات الطبري التي
نقلت ذلك تصرح بندم مالك على ذلك ، راجع كل من تاريخ الطبري (2) و ( البداية
والنهاية ) لابن كثير (3) .
بل العجب أن خبر قول مالك : " إن صاحبكم كان يزعم ذلك ، فقال خالد : " أهو
صاحبنا وليس بصاحبك ؟ يا ضرار اضرب عنقه " الذي ذكره معتمدا عليه هو جزء من
الخبر الذي فيه مقولة عمر : " يا عدو الله قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بالحجارة " ، وهي الرواية التي ضعفها هو
بنفسه لضعف ابن حميد ، فانظر إلى الأمانة ، المقطع الذي يعجبه يسكت عن تقييمه
ويعرضه وكأنه الصحيح من الأخبار ، وأما المقطع الذي لا يعجبه يعمل فيه خناجر
التضعيف !!
نعم هو نقل الخبر الذي فيه قول خالد : " أهو صاحبنا وليس بصاحبك " عن ابن كثير
في ( البداية والنهاية ) ولكن ابن كثير ذكره ولم يذكر له سندا فالظاهر أنه خبر
الطبري السابق ، وبقية الخبر كما ينقل ابن كثير في تاريخه : " وأمر - أي خالد - برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب
بذلك الأعراب من المرتدة وغيرهم ، ويقال إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى
أن نضج لحم القدر ولم تفرغ الشعر لكثرته ، وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق ، وتكلم عمر مع أبي قتادة
في خالد ، وقال للصديق : اعزله فإن في سيفه رهقا " (4) .
|
|
(1)
تاريخ الطبري - ج2 ص498
(2) نفس المصدر السابق - ص501 |
(3)
البداية والنهاية
- ج6 ص354
(4) المصدر السابق |
|
|
قال خليفة بن خياط في تاريخه بسند ورجاله ثقات : حدثنا علي بن محمد عن ابن أبي
ذئب عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بمقتل
مالك وأصحابه فجزع من ذلك جزعا شديدا ، فكتب أبو بكر إلى خالد فقدم عليه ، فقال
أبو بكر : هل يزيد خالد على أن يكون تأول فأخطأ ؟ ورد أبو بكر خالدا ، وودى
مالك بن نويرة ورد السبي والمال (1) .
وهذا الخبر المذكور في تاريخ ابن خياط يدل على
كذب قصة " أن أدفئوا أسراكم " ، فلو كان هناك خطأ لغوي لماذا السبي وسلب المال
ويصل إلى المدينة فيردهم أبو بكر ، بل روى في تاريخه في الصفحة نفسها بسنده عن
أبي قتادة أنه قال : " فثاروا إلينا قالوا من أنتم ؟ قلنا : نحن عباد الله
المسلمون ، فقالوا : ونحن عباد الله المسلمون ، وقد كان خالد بث سراياه فلم
يسمعوا آذانا وقاتلهم قوم بالبعوضة من ناحية المرار ، فجاؤوا بمالك بن نويرة في
أسرى من قومه ، فأمر خالد بأخذ أسلحتهم ثم أصبح فأمر بقـتلهم " فالقتل كان
صباحا ، لا أن القتل وقع ليلا بسبب البرد واللبس في كلمة أدفئوا ، فلاحظ .
ثم ما قيل من انه " تأول فأخطأ " التي قالها أبو بكر عن خالد فقول عجيب لأن
الواقعة بين نقلين :
فإذا كان الأمر كما ذكر من قصة " أدفئوا أسراكم " فقتلوهم ، فخالد لا دور له
حتى يقال تأول فأخطأ .
وإن كان قصة منع الزكاة وقول مالك : إن صاحبكم كان يزعم ذلك ، ورد خالد : أو ما
تعده لك صاحبا ، فهو قتل واقع بسبب أمر أبي بكر ، فقد ذكر الطبري : " وكان مما
أوصى به أبو بكر إذا نزلتم منزلا فأذنوا وأقيموا فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا
|
|
(1)
تاريخ خليفة بن خياط - ص53 |
|
|
عنهم وإن لم يفعلوا فلا شيء إلا الغارة ثم تقتلوا كل
قتلة الحرق فما سواه وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم فإن أقروا بالزكاة
فاقبلوا منهم ، وإن أبوها فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة "
(1) ، فأين الخبر الذي
ينقل الواقعة بطريقة يمكن أن تفسر تأول فأخطأ ؟
والمهم إن خبر زواجه بزوجته واعتباره زنا من قبل عمر بالإضافة إلى ما نقله
الطبري وابن كثير ذكره ابن عماد الحنبلي في ( شذرات الذهب ) : " فضرب عنقه ،
واشترى زوجه من الفيء وتزوجها ، فأنكر عليه عمر ، والصحابة ، وسأل عمر أبا بكر
قتل خالـد بمالك أو حده في زواج زوجته " (2) .
وكذلك ذكر ابن الجوزي الخبر في ( المنتظم ) :
" فضرب عنقه وقتل أصحابه وكانت له
امرأة يقال لها أم تميم بنت المنهال من أجمل الناس والنساء فتزوجها خالد … ،
روى المؤلف بإسناده عن محمد بن الزبير وغيره : إن خالدا لما نزل البطاح بث السرايا فأتى بمالك وكان في السرية التي أصابتهم أبو قتادة شهد أن لا سبيل عليه
ولا على أصحابه ، وشهد الأعراب أنهم لم يؤذنوا ولم يقيموا ولم يصلوا ، وجاءت أم
تميم كاشفة وجهها حتى أكبت على مالك وكانت أجمل الناس ، قال لها : إليك عني فقد
والله قتلتيني ، فأمر بضرب أعناقهم … قال أبو قتادة : ترك قولي وأخذ بشهادة
الأعراب الذين فتنتهم الغنائم ، فقال عمر (رض) : إن في سيف خالد رهقا وإن يكن
هذا حقا فعليك أن تقيده … فلما رآه عمر (رض) قال : أرياء يا عدو الله عدوت على رجل من المسلمين قتلته ثم تزوجت امرأته لئن أمكنني الله منك لأرجمنك "
(3)
.
|
|
(1) تاريخ الطبري - ج2 ص502 |
(2) شذرات الذهب -
ج1 ص16 |
(3) المنتظم
-
ج3 ص24 |
|
|
وذكر الخبر البلخي في ( البدء والتاريخ ) : " ذكر مقتل مالك بن نويرة … أحاط
بيوتات مالك بن نويرة وهم مسلمون ، وكانت لمالك امرأة وسيمة فمال إليها خالد
وأمر بقتل مالك … فالتفت مالك إلى امرأته وقال : يا خالد هذه قتلتني ، ولما قدم
خالد قال عمر (رض) لأبي بكر اقتله فإنه قتل وزنا " (1) .
وذكر أبو الفداء في تاريخه : "… وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة حاضرين فكلما
خالدا في أمره فكره كلامهما ، فقال مالك : ياخالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو
الذي يحكم فينا ، فقال خالد : لا أقالني الله إن أقلتك ، وتقدم إلى ضرار بن
الأزور بضرب عنقه ، فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد : هذه هي التي قتلتني ،
وكانت في غاية الجمال ، فقال خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام ، فقال
مالك : أنا على الإسلام ، فقال خالد : ياضرار اضرب عنقه ، فضرب عنقه وجعل رأسه
أثفية القدر … " (2) .
ومحمد بن حميد المذكور في سند الطبري وإن ضعف ولكن كان ابن معين يعتمد عليه ،
قال ابن حجر في ( تقريب التهذيب ) : " حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأي فيه "
(3) ، وقال أبو حاتم في ( الجرح والتعديل ) (4) : قال يحيي بن معين عنه : " ثقة
لا بأس به رازي كيس " .
|
|
(1)
البدء والتاريخ - ج2 ص95
(2)
المختصر في تاريخ البشر
- ج1 ص221 |
(3)
تقريب التهذيب
- ج2 ص69
(4) الجرح والتعديل
- ج71 ص232 |
|
|