النفيس في بيان رزية الخميس ج 1 - ص 45 -

3 - هل التاريخ الإسلامي أسود


قال الكاتب : " وصم التاريخ الإسلامي بأنه تاريخ أسود فرية شيعية " .

نقول : هذه فرية على الشيعة فالشيعة يعتقدون أن الزمن الذي تشرف بوجود رسول الله (ص) ومن تربوا على يديه المباركتين وحملوا لواء التوحيد في زمن الكفر والشرك هو خير الأزمان ، وهي الصفحة الأكثر إشراقا بين صفحات التاريخ البشري .

نعم الشيعة يعتقدون أن زمرة المنافقين وأبناء الطلقاء حينما وصلوا إلى دفة الحكم بدأ السواد يملأ التاريخ الإسلامي وذلك مع عهود أمثال معاوية وابنه يزيد الذي استحل حرمة مدينة النبي (ص) وأباحها ونسائها لجنوده وهدم الكعبة وقتل سيد شباب أهل الجنة (ع) ، وأمثال الحجاج بن يوسف الثقفي هذا المبير الظالم الذي أنّ المسلمون تحت وطأة جوره وظلمه ، الظلام والسواد جاء من أمثال هؤلاء ، وهل هي حقائق يمكن إنكارها ؟

وقد روى أبو يعلى في ( المسند ) والحاكم في ( المستدرك ) بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) رأى في المنام كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون فأصبح كالمتغيظ وقال : " ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة " ، قال فما رئي رسول الله (ص) مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات (ص) ، وقد صحح الحديث الذهبي في التلخيص (1) .

 

(1) المستدرك على الصحيحين - ج4 ص527

 
 

- ج1 ص 46 -

وكذلك صححه الشيخ حسين أسد محقق مسند أبي يعلى (1) .

فالمستقبل الذي رآه رسول الله ولم ير ضاحكا بعدها حتى مات ، وهل توصف تلك الأحداث بأنها نقاط مشرقة ناصعة في التاريخ ؟ أم هي بقع سوداء مظلمة دامية تركت آثارها السيئة في تاريخ المسلمين .

ورغم أن الرواية التي تصف رسول الله (ص) بأنه لم ير ضاحكا تتعلق بفترة مؤقتة زائلة لكنها تعبر عن أن لتلك الفترة أعمق الأثر في مستقبل الأحداث واعوجاج بعض مؤسسات المجتمع الإسلامي ، نعم بقيت هناك صفحات بيضاء مشرقة بين ذلك الظلام الذي غطى صفحات تلك الأيام من التاريخ الإسلامي .

ثم قال " وإن أريد تاريخا أسودا فلا مثل تاريخ الشيعة فهم لم ينصروا الإسلام يوما ولا فتحوا بلادا ولا دفعوا عدوا " ، ثم حدد القائل بعض الأمثلة التاريخية المزعومة لتلك المقولة فقال : "بل العكس هو الصحيح فجهادهم دائما ضد أهل السنة في القديم والحديث أما القديم فلا نعرف لهم جهادا ولا غناء في الإسلام والذي نعرفه هو ما يلي :

 1. مساندتهم للتتار عندما دخلوا بغداد وعاثوا فيها فسادا عن طريق ابن العلقمي والنصير الطوسي " .

نقول : وأما الشيخ نصير الدين الطوسي فعند الرجوع إلى تاريخ ابن كثير تجده يقول : " ويقال إن الذي أشار بقتله - الخليفة المستعصم - الوزير ابن العلقمي والمولى نصير الدين الطوسي " (2) .

 

(1) مسند أبي يعلي - ج11 ص348

(2) البداية والنهاية - ج13 ص234  
 

- ج1 ص 47 -

وفي مورد آخر يقول ما نصه :
" النصير الطوسي : محمد بن عبد الله الطوسي كان يقال له المولى نصير الدين ، اشتغل في شبيبته وحصل علم الأوائل جيدا وصنف في ذلك علم الكلام ، وشرح الإشارات لابن سينا ، ووزر لأصحاب قلاع الألموت من الإسماعيلية ، ثم وزر لهولاكو ، وكان معه في واقعة بغداد ، ومن الناس من يزعم أنه أشار على هولاكو خان بقتل الخليفة فالله أعلم ، وعندي أن هذا لا يصدر من عاقل ولا فاضل ، وقد ذكره بعض البغاددة فأثنى عليه قال : وكان عاقلا فاضلا كريم الأخلاق … " (1) .

فهذا ابن كثير يثني عليه ولا يتهمه بل يستبعـد أن يصدر منه مساندة للتتار ، وشهادة ابن كثير بأن ذلك " لا يصدر من عاقل فاضل مثله " ، علاوة على ذكر شهادة الآخرين له تكذب التهمة التي ألصقها ابن تيمية زورا وبهتانا .

فهل قرأ الكاتب هذه الشهادة من ابن كثير في حق الشيخ نصير الدين الطوسي قبل أن يجعل تاريخه مرجعا للقارئ ودليلا على اتهام للشيخ ؟

وهذا الذهبي يذكر الواقعة ولا يشير إلى دور لنصير الدين الطوسي في الأمر قال في ( العبر ) : " كان المؤيد ابن العلقمي قد كاتب التتار وحرضهم على قصد بغداد لأجل ما جرى على إخوانه الرافضة من النهب والخزي… " (2) .

أما قبول وزارة هولاكو فالتاريخ مليء بمن يضطر تحت التهديد والقوة أن يستوزر للظالمين ، ولكنه في نفس الوقت يحفظ دينه بل يسعى لتحقيق مصالح المسلمين أو تخفيف الضرر عنهم ، وهذا المحمل يتأكد في مثل الشيخ لما يتمتع به من الصلاح والعقل الذي صرح به ابن كثير وغيره .

 

(1) البداية والنهاية - ج13 ص313

(2) العبر - ج3 ص277  
 

- ج1 ص 48 -

بل تجده يستفيد من موقعه لإنقاذ النفوس من بطش هولاكو نقل الصفدي في ( الوافي ) : " ومن دهائه ما حكي لي أنه حصل له - هولاكو - غضب على علاء الدين الجويني صاحب الديوان فيما أظن فأمر بقتله فجاء أخوه إليه وذكر له ذلك وطلب منه إبطال ذلك فقال : هذا القان وهؤلاء القوم إذا أمروا بأمر ما يمكن رده خصوصا إذا برز إلى الخارج ، فقال : لا بد من حيلة في ذلك … " (1) ، فذكر حيلة نصير الطوسي في إنقاذ الجويني من الموت .

أما ابن العلقمي فليس من علماء الشيعة وإنما كان وزيرا للمستعصم آخر خلفاء بني العباس أديبا محبا للعلماء ، واختلفت كلمات المؤرخين واضطربت آراؤهم في دوره في واقعة بغداد وقتل المستعصم فقد قال أبو الفداء في تاريخه ( المختصر في أخبار البشر ) وهو من وفيات ( 732 ) :
" في أول هذه السنة قصد هولاكو ملك التتر بغداد وملكها في العشرين من المحرم وقتل الخليفة المستعصم بالله ، وسبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضيا وكان أهل الكرخ أيضا روافض فجرت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد على جاري عادتهم فأمر أبو بكر بن الخليفة وركن الدين الدوادار العسكر فنهبوا الكرخ وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش ، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي وكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد … وخرج عسكر الخليفة لقتالهم … فانهزم عسكر الخليفة … وخـرج مؤيد الدين الوزير ابن العلقمي إلى هولاكو فتوثق منـه لنفسه وعهد إلى الخليفة المستعصم وقال إن هولاكو يبقيك في الخلافة … وحسن له الخروج إلى هولاكو فخرج إليه المستعصم في جمع من أكابر أصحابه …

 

(1) الوافي بالوفيات - ج1 ص112

 
 

- ج1 ص 49 -

فما تكاملوا قتلهم التتر عن آخرهم ثم مدوا الجسر وعدى باجو ومن معه وبذلوا السيف في بغداد … " (1) .

وقد بين الأستاذ محمد حسين شمس الدين وجهة النظر الأخرى في ابن العلقمي في تعليقه على ما كتبه أبو المحاسن الأتابكي في كتابه ( النجوم الزاهرة ) قال : " تطرح هنا مسألة موقف الوزير ابن العلقمي من سقوط بغداد بيد التتار وهل كان خائنا للخليفة المستعصم ؟ إن معظم المؤرخين المتأخرين - أمثال ابن تغردي بردي والمقريزي والعيني وابن كثير والسيوطي وغيرهم - يتهمون ابن العلقمي صراحة بالمخامرة على الخلافة العباسية ومواطأة التتار على سقوط بغداد ويردون ذلك إلى ميوله الشيعية ورواياتهم مشابهة لرواية أبي المحاسن هنا غير أن بعض المؤرخين - ومنهم الثقات - نفى عنه تهمة المخامرة ، وفي هذا الصدد يقول ابن الطقطقى في تاريخه ( الفخري ) : ونسبه الناس إلى أنه خامر وليس ذلك بصحيح ، … وفي اعتقادنا أن موقف ابن العلقمي يمكن فهمه في سياق مواقف جملة الأمراء والحكام في ذلك الوقت فقد كانت السلطة المركزية في بغداد متداعية ضعيفة وجاءت حملة هولاكو لتلقي الرعب في نفوس الأمراء في العاصمة والأطراف فها هو الملك الناصر صاحب حلب يرتعد خوفا ويتوسل جميع السبل لإرضاء هولاكو ( انظر مختصر الدول ص278 ) وهاهو بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل والأتابك أبو بكر في إقليم فارس يمدون هولاكو بالمال والرجال طمعا في رضاه وتجنبا لسخطه ( مؤرخ المغول رشيد الدين الهمداني ص35 ) حتى إن بعض سلاطين سلاجقة الروم وهو عز الدين كيكاوس الثاني رسم صورته على نعل زوج من الأحذية وقدمها للخان قائلا : عبدك يأمل أن يتفضل الملك فيشرف رأس عبده بوضع قدمه المباركة عليها ( المصدر السابق ص41 ) …

 

(1) المختصر في أخبار البشر - ج2 ص302

 
 

- ج1 ص 50 -

ونحن نميل إلى الاعتقاد أن ابن العلقمي عندما أقنع الخليفة بأنه لا داعي للهرب من بغداد لأنه مهد طريق الصلح ، وسوف يأتيه هولاكو والمغول طائعين كان قد وقع ضحية نفس الخدعة التي أوقع بها الخليفة وبالنتيجة كان سقوط بغداد والخلافة وبالا على جميع المسلمين بجميع مذاهبهم وفرقائهم " (1) .

وغالبا الأمر كما قال ، فقد ذكر ابن الطقطقى الوزير ابن العلقمي في كتابه ( الفخري ) : " اشتغل في صباه بالأدب ففاق فيه وكتب خطا مليحا وترسل ترسلا فصيحا ، وكان لبيبا كريما رئيسا متمسكا بقوانين الرياسة خبيرا بأدوات السياسة ، محبا للأدب مقربا لأهل العلم اقتنى كتبا كثيرة نفيسة وصنف الناس له منهم الغاني صنف له ( العباب ) وصنف له ابن أبي الحديد ( شرح نهج البلاغة ) وكان ممدحا مدحه الشعراء وانتجعه الفضلاء وأخباره الطيبة كثيرة وجلية " (2) .

وقال عنه ابن أبي الحديد في مقدمته على ( شرح النهج ) : " المولى الوزير الأعظم الصاحب ، الصدر الكبير المعظم العالم العادل المظفر المنصور المجاهد المرابط مؤيد الدين عضد الإسلام سيد وزراء الشرق والغرب أبي طالب محمد بن أحمد بن محمد العلقمي نصير أمير المؤمنين " (3) .

فابن العلقمي أراد أن ينتقم من قيادات الدولة التي قامت بجرائمها البشعة ضد الشيعة في منطقة الكرخ ببغداد وخاصة أبو بكر بن الخليفة المستعصم والدويدار الصغير ، قال الذهبي في ( العبر ) : " وكان الذي حمله على مكاتبة هولاكو عداوة الدويدار وأبي بكر بن المستعصم وما اعتمداه من نهب الكرخ وأذية الشيعة " (4) ،

 

(1) النجوم الزاهرة - ج7 ص44
(2) الفخري - ص295

(3) مقدمة شرح نهج البلاغة - ص4
(4) العبر - ج3 ص284
 
 

- ج1 ص 51 -

لكن تطورت الأحداث إلى فاجعة هي غالبا لم تكن في حسبان ابن العلقمي وأصبحت الأمور بيد أعتى مجرمي التاريخ وجرت تلك المذبحة العظيمة في حق المسلمين ، وقد ذكر الصفدي في ( الوافي بالوفيات ) ندم ابن العلقمي ، فقال : " وندم حيث لا ينفعه الندم " (1) .

 

(1) الوافي بالوفيات - ج1 ص184

   
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب