النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 97

49 - فاطمة عليها السلام وفدك

قيل : " ولذلك تجد كل المؤرخين والمفسرين والمحدثين يذكرون بأن فاطمة عليها السلام ادعت بأن فدكا ملك لها ، فكذبها أبو بكر وطلب منها شهودا على دعواها ، فجاءت بعلي بن أبي طالب وأم أيمن فلم يقبل أبو بكر شهادتهما ، واعتبرها غير كافية .
قال الكاتب : " ما ذكره كذب لم يثبت ، هلا ذكر لنا هؤلاء المحدثين والمفسرين " .

نقول : الظاهر أن التكذيب لكون المطالبة على نحو الهبة لفاطمة في حياته (ص) لا الإرث ، وأما المطالبة بها على نحو الإرث فهو من مسلمات التاريخ الإسلامي وقد ذكرتها صحاح العامة كالبخاري .

والحق أن الأمرين وقعا بمعنى أنها طالبت به على نحو الملك الخاص لها الذي كان هبة من رسول الله (ص) ، فلما لم يقبل منها ذلك ، احتجت عليهم بأن يعتبروه إرثا لها على الأقل فرفضوا ذلك أيضا .

وأما المطالبة بها على نحو الإرث فقد ذكره البخاري في كتاب فرض الخمس باب فرض الخمس ، فروى عن عائشة : " أن فاطمة (ع) ابنة رسول الله (ص) سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله (ص) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله (ص) مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله (ص) قال : لا نورث ما تركنا

- ج 2 ص 98 -

صدقة ، فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر ، قالت : وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال : لست تاركا شيئا كان رسول الله (ص) يعمل إلا عملت به ، فإني أخشى عن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس ، فأما خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال : هما صدقة رسول الله (ص) كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر ، قال : فهما على ذلك إلى اليوم " (1) .
والكاتب أقر بكل ذلك في مقالات أخرى له ، ولكنه ذكر أمورا ينبغي بيان الحقيقة فيها والرد عليها .

قال : وأهل السنة في هذه المسألة لا يبحثون عن عذر لأبي بكر وإنما يبحثون عن عذر لفاطمة ، لأنهم يرون أن أبا بكر يستدل بحديث متواتر عن النبي (ص) رواه أبو بكر وعثمان وعمر وعلي نفسه والعباس وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام كل هؤلاء رووا الحديث عن النبي (ص) : " إنا لا نورث ما ترنا صدقة " .
ثم أرجع إلى ما في البخاري في باب فرض الخمس وصحيح مسلم كتاب الجهاد والسير كمصدر للروايات المتواترة .

 

(1) صحيح البخاري ج4 ص96 .

 
 

- ج 2 ص 99 -

نقول قبله ادعى ذلك ابن كثير في تاريخه تحت عنوان ( بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق وموافقتهم على ذلك ) وعبارته أدق فلم يدع التواتر المزعوم ، ولكنه مع ذلك لم يذكر تحت العنوان إلا الروايات المعروفة في الصحيحين التي سنبين أنها تدل على أن غير أبي بكر لم يرو الخبر لا كما حاول أن يوهم ابن كثير .

وادعاء التواتر هنا من أقبح ما يمكن أن يدعى من تواتر فالصحابة الذين ذكر أسمائهم باعتبار أنهم رواه الحديث مذكورون في خبر واحد في صحيح مسلم ، ونقله البخاري بنفس السند ، والخبر روى عن ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس قال : أرسل إلي عمر بن الخطاب ، فجئته حين تعالى النهار … فجاء يرفا فقال : هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبدالرحمن بن عوف والزبير وسعد ؟ فقال عمر : نعم ، فأذن لهم فدخلوا ، ثم جاء فقال : هل لك في عباس وعلي ؟ قال : نعم فأذن لهما ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين ، اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ، فقال القوم : أجل ، يا أمير المؤمنين ، فاقض بينهم وأرحهم … فقال عمر : اتئدا ، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، أتعملون أن رسول الله (ص) قال : " لا نورث ما تركنا صدق " قالوا : نعم ، ثم أقبل على العباس وعلي فقال : أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم المساء والأرض ، أتعلمان أن رسول الله (ص) قال : " لا ورث ما تركنا صدقة " ، قالا : نعم … فقال أبو بكر : قال رسول الله (ص) : " ما نورث ما تركنا صدقة " ، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا … ثم توفي أبو بكر ، وأنا ولي رسول الله (ص) وولي أبو بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا … " (1).

 

(1) صحيح مسلم ج3 ص 1377 .

 
 

- ج 2 ص 100 -

هل مثل ذلك يقال له تواتر ، ولم ينقل الرواية إلا مالك بن أوس ، وهو تابعي على الأصح في رأيهم لم يسلم إلا زمن الخلفاء مع أنه كان كبيرا في حياة الرسول (ص) (1) ؟

ولم يروه عن أوس إلا ابن شهاب الزهري ، وقد ذكرنا ترجمته وموقفه من أهل البيت (ع) وكونه عالم البلاط الأموي في الجزء الأول من هذا الكتاب (2) ، أيقال لمثل هذا السند تواتر ؟!

ثم أن الرواية صريحة في أنه سألهما هل يعلمون أن رسول الله (ص) قال ذلك ولم يقل هل سمعتم رسول الله (ص) قال ذلك ، وهذا يحتمل أنهم اعتمدوا على ما نقله أبو بكر لذا تجد الخطابي يحتمل ذلك حينما يشكل يقول كما نقل عنه القسطلاني :
" وقد استشكل الخطابي هذه القصة بأن عليا وعباسا إذا كانا قد أخذا هذه من عمر على شريطة أن يتصرفا فيهما كما تصرف رسول الله (ص) والخليفتان بعده وعلما أنه (ص) قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، فإن كانا سمعاه من النبي (ص) فيكيف يطلبانه من أبي بكر ، وإن كانا سمعاه من أبي بكر أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر ؟ " (3) ، فمن الواضح أنه لم يجد في الخبر دليلا على أنهما سمعا الخبر من رسول لله (ص) . بل الخبر دليل على عدم سماعها ذلك .

ثم كيف يمكن أن يكون مثل هذا التناقض في حديث واحد ، ففي أوله يقول عمر : " أنشدكما … أتعلمان أن رسول الله (ص) قال : لا نورث ما تركنا صدقة " ، وفي نفس الخبر يقول لهما : " فقال أبو بكر : قال رسول الله (ص) : ما نورث ما تركنا صدقة ، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا " ، فأي المقطعين نصدق أنهما صدقاه أم كذباه .؟

 

(1) تهذيب التهذيب ج10 ص9 .
(2) النفيس في بيان رزية الخميس ج1 ص 271 .

(3) إرشاد الساري للقسطلاني ج7 ص13 .  
 

- ج 2 ص 101 -

وأما الرواية التي نقلها مسلم عن عائشة وقولها : " أليس قد قال رسول الله (ص) " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " (1) واضح من سياقه أنها تكرر ما قاله أباها ، لا أنها سمعت الخبر من رسول الله (ص) ، والذي يدل على ذلك أنها روت الخبر عن أبيها في البخاري نفسه (2) ، وقد أشار ابن حجر في ( الفتح ) إلى ذلك قائلا :
" وظاهر سياقه أنه من مسند عائشة وقد رواه إسحاق بن محمد الفروي عن مالك بهذا السند عن عائشة عن أبي بكر الصديق ، أورده الدارقطني في الغرائب وأشار إلى أنه تفرد بزيادة أبي بكر في مسنده ، وهذا يوافق رواية معمر عن ابن شهاب المذكورة في أول هذا الباب فإن فيه عن عائشة أن أبا بكر قال سمعت رسول الله (ص) يقول فذكره ، فيحتمل أن تكون عائشة سمعته من النبي (ص) كما سمعه أبوها ، ويحتمل أن تكون إنما سمعته من أبيها عن النبي (ص) فأرسلته عن النبي (ص) لما طالب الأزواج ذلك والله أعلم " (3) .

وأما ما روى عن أبي هريرة (4) فيكفي أن تعرف قول شعبة فيه : " كان أبو هريرة يدلس " ، قال الذهبي تعليقا على ذلك : " تدليس الصحابة كثير ، ولا عيب فيه ، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم والصحابة كلهم عدول " (5) ، وعليه لن يكون خبره إلا تدليسا في الغالب .

ثم أيها الناس قليلا من التعقل ، حكم يرتبط بورثة النبي (ص) وأولهم فاطمة (ع) لا تعرفه ولم تسمعه من رسول الله !! أليس أول من يجب أن يبلغ فاطمة ؟! لا

 

(1) صحيح مسلم ج3 ص 1379 .
(2) صحيح البخاري ج9 ص185 .

(3) فتح الباري ج12 ص9 .
(4) صحيح مسلم ج3 ص 1383 .
(5) سير أعلام النبلاء ج2 ص 608 .  
 

- ج 2 ص 102 -

أن أبا بكر يعرف بالحكم ، بينما علي وفاطمة والعباس وهم المعنيون بالأمر لا يعرفونه ، بل نساء النبي (ص) لم يعرفن ذلك حتى ذكرتهن عائشة برواية أبيها كما استظهرنا من رواية مسلم المذكورة آنفا .
ثم لمن ينبغي أن يبحث عن عذر :
هل لمن نزل فيها ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1) ، ومن قال فيها رسول الله (ص) سيدة نساء العالمين ، ومن ذكرها ضمن أربعة هن خير نساء أهل الأرض ؟!

أم من نزل فيه ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) (2) كما في رواية البخاري في صحيحه عن ابن أبي ملكية قال : كاد الخيران أن يهلكا أبا بكر وعمر (رض) رفعا أصواتهما عند النبي (ص) حين قدم عليه ركب بني تميم … " (3) ؟
شيء من الإنصاف يا أتباع الصحابة أم ليست فاطمة من الصحابة .؟

وقال الكاتب : " وما يضر أبا بكر إذا غضبت عليه فاطمة إن كان الله رضي عنه ، فقد قال الله تعالى ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) ، وأبو بكر كان رأس المؤمنين الذين بايعوا النبي (ص) في ذلك اليوم فمن رضي الله عنه ورضي عنه الرسول (ص) لا يضره غضب من غضب " .

 

(1) الأحزاب 33 .

(2) الحجرات 2 . (3) صحيح البخاري ج6 ص 171 .  
 

- ج 2 ص 103 -

ما نقوله أن رسول الله (ص) غضب عليه لأنه في صحيح البخاري عن المسور بن مخرمة أن رسول الله (ص) قال : " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني " (1) .

وعندما نرجع إلى الآية التي ذكرها نجد أنه ذكر معها في نفس السورة قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (2) ، أفلا تقتضي الأدلة أن من فرض أنه مشمول في الآية إذا أغضب رسول الله (ص) يعد هذا الإغضاب دليلا على نكثه .؟
أنت وعقلك !!

وقال الكاتب : " عند الشيعة أن المرأة لا ترث العقار ، فلو كانت فدك إرثا فما كان لفاطمة منها شيء لأنها عقار " .

نقول : ما كتبه هنا من قلة التعقل للأمور ، وقد ذكر أن مصدره أربعة روايات من ( الكافي ) هي الروايات المرقمة رقم 8 ، 9 ، 10 ، 11 من الجزء السابع من فروع الكافي باب إن النساء لا يرثن من العقار شيئا .

وحينما تراجع الباب كله يتضح لك أن الروايات تتحدث عن الزوجة ولا تتعلق بالبنت أبدا ، وعلى سبيل المثال نفس الحديث الحادي عشر في الباب عن أبي عبدالله (ع) قال سألته عن النساء ما لهن من الميراث ؟ قال : " لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب ، وأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيها … لأن المرأة ليس

 

(1) صحيح البخاري ج5 ص 26 .

(2) الفتح 10 .  
 

- ج 2 ص 104 -

لها نسب ترث به ، وإنما هي دخيل عليهم ، وإنما صار هذا كذا كيلا يتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوما في عقارهم " (1) .

فعجبا الحديث الذي يتعلق بالزوجات وبشكل واضح كيف يستدل به على إرث البنت ؟! وإن كان العذر أن الرواية لم تقرأ إلى آخرها فهو أقبح من الذنب .

وأما مطالبتها به على نحو أنها هبة وهبها إياها رسول الله (ص) يوم خيبر فهو الأمر الذي كذبه ، وعجبا من مثل هذا يكذب خبرا لا يستطيع مثل ابن كثير الجزم بوضعه بل يحتمل صحته كما سيأتي ، والأغرب إنكاره لوجود الخبر في المصادر التاريخية والحديثية والتفسيرية .

فأما المصادر الحديثية التي نقلت الخبر :
1- ما نقله أبو يعلى في مسنده قال : قرأت على الحسين بن يزيد الطحان هذا الحديث فقال : هو ما قرأت على سعيد بن خيثم عن فضيل عن عطية عن أبي سعيد قال : " لما نزلت هذه الآية ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (2) دعا النبي (ص) فاطمة وأعطاها فدك " (3) .
2- الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) عن الطبراني (4) .
3- البزار في مسنده (5) وسيأتي نصه .
4- المتقي الهندي في كنز العمال (6) .

 

(1) الكافي ، الفروع ، ج7 ص130 .
(2) الإسراء 26 .
(3) مسند أبي يعلى ج2 ص 334 ، وكذلك ص 534 .
(4) مجمع الزوائد ج7 ص49 .

(5) جامع المسانيد والسنن لابن كثير ج33 ص 349 .
(6) كنز العمال ج3 ص 767 ، والظاهر أنه ينقله عن الحاكم في تاريخ نيسابور .
 
 

- ج 2 ص 105 -

والأخبار التي ذكرت عندهم ينتهي سندها إلى فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ، وقد ثبت روايته عن فضيل بعدة طرق فقد روى الخبر عنه أبو يحيى التيمي في خبر البزار ، وسعيد بن خيثم في خبر أبي يعلى ، وعلي بن عابس في السند الذي ذكره الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) (1) ، بل قال في ( كشف الأستار ) : " ورواه عن فضيل أبو يحيى وحميد بن حماد وابن أبي الخوار " (2).

وأما فضيل فقد قال ابن حجر في ( تقريب التهذيب ) : " صدوق يهم ورمي بالتشيع " (3) ، وحينما ترى ما قيل عنه في ( تهذيب التهذيب ) : " سألت الثوري عنه فقال : ثقة … سمعت ابن عيينة يقول : فضيل بن مرزوق ثقة ، وقال ابن خيثمة عن ابن معين ثقة … ابن معين صالح الحديث إلا أنه شديد التشيع ، وقال أحمد لا أعلم إلا خيرا " (4) .
لا نريد القول أنه لم يرد فيه تضعيف ولكن أنظر إلى ما ورد في حقه من توثيقات .

وأما عطية العوفي فقد رمي بما رمي ولكن أيضا قيل في حقه كما عن ( تهذيب التهذيب ) : " وقال ابن سعد : خرج عطية مع ابن الأشعث ، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم أن يعرضه على سب علي فإن لم يفعل فاضربه أربعمائة سوط واحلق لحيته ، فاستدعاه فأبى أن يسب ، فأمضى حكم الحجاج فيه ، ثم خرج إلى خراسان فلم يزل بها حتى ولي عمر بن هبيرة العراق فقدمها ، فلم يزل بها إلى أن توفي سنة 11 وكان ثقة إن شاء الله وله أحاديث صالحة … ، وقال الساجي : ليس بحجة ، وكان يقدم عليا على الكل " (5) .

 

(1) ميزان الاعتدال للذهبي ج3 ص135 .
(2) راجع حاشية جامع المسانيد والسنن ج33 ص 349 .
(3) تقريب التهذيب ج2 ص15 .

(4) تهذيب التهذيب ج8 ص269 .
(5) المصدر السابق ج7 ص201
 
 

- ج 2 ص 106 -

5- المحب الطبري في ( الرياض النضرة ) :
" وعنه ـ أبي الجارود حسين بن المغيرة الواسطي ـ وقد سئل عن أمر فدك ، فقال عن فاطمة ذكرت لأبي بكر أن النبي أعطاها فدك ، فقال : ائتيني على ما تقولين ببينة فجاءت برجل وامرأة فقال أبو بكر : رجل مع الرجل أو امرأة مع امرأة فأعيت ، أخرجه ابن السمان " (1) .
وقال أيضا : "جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت أعطني فدك فإن رسول الله (ص) وهبها لي … " (2) .

قال أحمد بن حجر الهيثمي المكي في كتابه ( الصواعق المحرقة ) في الشبهة السابعة :
" ودعواها أنه (ص) نحلها فدك لم تأت عليها إلا بعلي وأم أيمن فلم يكمل نصاب البينة ، على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء ، وعدم حكمه بشاهد ويمين إما لعلة كونه ممن لا يراه ككثيرين من العلماء أو أنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها " (3) .

وأما المفسرون الذين نقلوا هذا الأمر :

1- السيوطي في ( الدر المنثور ) في تفسير آية 26 من سورة الإسراء ، قال : " وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري (رض) قال : لما نزلت هذه الآية ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول الله (ص) فاطمة فأعطاها فدك .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس (رض) قال : لما نزلت ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) أقطع رسول الله (ص) فاطمة فدكا " (4) .

 

(1) الرياض النضرة ج1ص59 .
(2) المصدر السابق ج1 ص164 .

(3) الصواعق المحرقة ص57 .
(4) الدر المنثور ج5 ص273 ، 274 .
 
 

- ج 2 ص 107 -

2- ابن كثير في تفسير الآية المذكورة من سورة الإسراء قال :
" وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عباد بن يعقوب حدثنا أبو يحيى التيمي حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال : " لما نزلت ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول الله (ص) فاطمة فأعطاها فدك " .
ثم علق ابن كثير بقوله : " وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده لأن الآية مكية وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة فكيف يلتئم هذا مع هذا ؟ " (1) .

والغريب من ابن كثير أنه يعلم بوجود مباحث خاصة في علوم القرآن تحت عنوان ( ما استثني من الآيات من السورة المكية وما استثني من الآيات من السورة المدنية ) فيذكرون أن السورة مكية ولكن بعض الآيات مدنية ، وكيف أثبتوا ذلك ، أليس بالروايات الواردة عن الصحابة في ذلك ؟ ألا ينبغي أن يقول العاقل أن الرواية لو صحت فيثبت أنها مستثناة من السورة المكية فينبغي أن تعتبر مدنية ، فالرواية هي التي تثبت أن الآية مكية أو مدنية .؟

فهذا السيوطي يتحدث عن سورة ( يس ) المكية ويقول : " استثني منها ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى … ) الآية لما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي سعيد قال : كانت بنو سلمة في ناحية المدينة ، فأراد النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية " (2).

والظاهر أن الزمخشري في ( الكشاف ) اعتمد على ذلك في اعتبارها مدنية ، وكذلك الشيخ الطبرسي في ( مجمع البيان ) بل صرح إن استثناء الآية مما روي عن الحسن .

 

(1) تفسير ابن كثير ج3 ص39 .

(2) الإتقان للسيوطي ج1 ص63 .  
 

- ج 2 ص 108 -

3- وقال الفخر الرازي في تفسيره ( مفاتيح الغيب ) تفسير سورة الحشر : "… فلما مات ادعت فاطمة أنه كان ينحلها فدكا ، فقال أبو بكر : أنت أعز الناس علي فقرا وأحبهم إلى غنى ، لكني لا أعرف صحة قولك ولا يجوز أن أحكم بذلك فشهد لها أم أيمن ومولى للرسول (ص) ، فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول (ص) " (1) .

ومن المؤرخين ياقوت الحموي في ( معجم البلدان ) .
قال : " فكانت خالصة لرسول الله (ص) … وهي التي قالت فاطمة أن رسول الله (ص) نحلنيها ، فقال أبو بكر : أريد شهودا ولها قصة " (2) .

ومنهم البلاذري في ( فتوح البلدان ) (3) ، كما ذكره من معاجم اللغة ابن منظور في ( لسان العرب ) (4) .

والخبر رواه القمي في تفسيره بسند صحيح ، قال حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن عثمان بن عيسى وحماد بن عثمان عن أبي عبدالله (ص) قال : " لما بويع لأبي بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك ، فأخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله (ص) ، فجاءت فاطمة (ع) إلى أبي بكر ، فقالت : يا أبا بكر منعتني عن ميراثي من رسول الله (ص) وأخرجت وكيلي من فدك … " (5) .

 

(1) تفسير الرازي ج15 ص285 .
(2) معجم البلدان ج4 ص 238 ، وص 239 .

(3) فتوح البلدان ص37 .
(4) لسان العرب ج10ص203
(5) تفسير القمي ج2 ص155 .  
 

- ج 2 ص 109 -

وعثمان بن عيسى وإن كان فيه مقال ، ولكن الخبر صحيح لنقله عن حماد أيضا فيغني في الحكم بصحته ، كما أن ظاهر الخبر أنها طالبت بفدك كنحلة ولكن في نفس الوقت طالبت به كميراث بعد رفضهم لمطالبتها به بعنوان النحله .
ونقل الخبر بصورته المفصلة التي نقلت عند القمي من العامة ابن أبي الحديد عن كتاب ( السقيفة ) لأبي بكر الجوهري بعدة أسانيد (1) .

ثم ذكر الكاتب قوله (ص) : " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " كدليل على أن رسول الله (ص) لا يمكن أن يهب الزهراء (ع) فدك دون بقية بناته .

وهل الأب الذي يعطي جائزة لابنه المتفوق دون الآخرين الذين لم يبذلوا جهدهم يعتبر ظالما لهم ، بل أليس من عين العدل ذلك وهو إعطاء كل ذي حق حقه ، وقد كافأ الله تعالى خاتم أنبيائه بعرض مفاتيح خزائن السماوات والأرض عليه (ص) .
أم يريد أن ينكر أن لفاطمة (ع) فضل خاص على كل بنات وأبناء رسول الله (ص) كما هو صريح الروايات الصحيحة عن أهل السنة ، وماكان إظهار النبي (ص) الإجلال والاحترام لها (ع) إلا لتميزها وتقواها وعبادتها وإيمانها ، وهي أمور تجعلها مستحقة لأن يعطيها رسول الله (ص) شيئا كهذا ولا يستبعده العقل .

ثم أن علم رسول الله (ص) بأن ذريته (ص) سوف تستمر من نسلها (ع) كاف أن يوجب إعطائها ما يعينها وذريتها من بعده ، كما كان ينظر في ذلك الأمر لجميع المسلمين المهاجرين منهم والأنصار ، خصوصا مع علمه وتصريحه (ص) بأن الفتن مقبلة كقطع الليل المظلم .

 

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص210 .

 
 

- ج 2 ص 110 -

ثم قارن هذا الأمر بقصة بشير بن سعد الذي نحل ولده النعمان حديقة فقال النبي (ص) : " لا أشهد على جور " ، كدليل على أن النبي (ص) لا ينهى عن فعل ويأتي بمثله ، فيهب الزهراء (ع) فدك دون بقية بناته .

نقول لا تحتج علينا برواياتك ، فلنا روايتنا الصحيحة التي علمتنا حكم ذلك ، فقد روى الكليني في ( الكافي ) بسند صحيح عن سعد الأشعري قال : سألت أبالحسن الرضا (ص) عن الرجل يكون بعض ولده أحب إليه من بعض ويقدم بعض ولده على بعض ؟ فقال : نعم ، قد فعل ذلك أبو عبدالله (ص) نحل محمدا ، وفعل ذلك أبو الحسن (ص) نحل أحمد شيئا فقمت أنا به حتى حزته له … " (1) .

ولذا صرح المامقاني في ( مرآة الكمال ) بذلك قائلا : " ويجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض ذكورا وإناثا في الحب وآثاره والعطاء " (2) .

وأما قصة بشير بن سعد فقد ذكرت مفصلة في رواية مسلم يبين فيه إصرار أم ابنه النعمان على ذلك تفضيلا لابنها على أبناء زوجها الآخرين لا لسبب آخر ، روى مسلم عن الشعبي قال :
" حدثني النعمان بن بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها ، فالتوى بها سنة ، ثم بدا له فقالت : لا أرضى حتى تشهد رسول الله (ص) على ما وهبت لابني ، فأخذ أبي بيدي وأنا يومئذ غلام ، فأتى رسول الله (ص) ، فقال : يا رسول الله إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها ،

 

(1) الكافي ، الفروع ، ج6 ص51 .

(2) مرآة الكمال للمامقاني ج1 ص52 .  
 

- ج 2 ص 111 -

فقال رسول الله (ص) : يا بشير ألك ولد سوى هذا ؟ قال : نعم ، فقال : أكلهم وهبت له مثل هذا ، قال : لا ، قال : فلا تشهدني إذا ، فإني لا أشهد على جور " (1) .

فقول رسول الله (ص) إذن خاص بأجواء الحديث التي تعبر عن وجود وجه غير مقبول للتفضيل وهو إرضاء الزوجة أم أحد الأولاد .

وفي الختام اعترض قائلا : " ألستم تقولون بأن فدك إرث ، والآن تقولون هبة " .

نقول : إن كل من يفتح كتابا من كتب الشيعة التي ناقشت هذا الأمر يلاحظ وبكل وضوح أنها تذكر أن فدك هبة للزهراء نحلها إياها رسول الله (ص) وسلبها أبو بكر من بعده بإنكاره لتلك الهبة ، وحينما رفض ردها تنزلت عن المطالبة بعنوان النحلة وطالبته بعنوان أنها إرث أبيها رسول الله (ص) على الأقل إن لم يقبل عنوان النحلة .

حينما قيل : " ولكن البخاري ناقض نفسه وأثبت أن عمر بن الخطاب قسم ميراث النبي على زوجاته " .
قال : " جمع … هنا كذبا وتدليسا ، فعمر لم يقسم ميراث النبي (ص) ، وإنما ذلك سهم رسول الله (ص) من خيبر لأهله " .

نقول : استند القائل في ذلك إلى نص البخاري في كتاب الحرث والمزارعة باب المزراعة بالشطر ونحوه إذ قال :

 

(1) صحيح مسلم ج 3 ص1243 .

 
 

- ج 2 ص 112 -

"… فقسم عمر خيبر فخير أزواج النبي (ص) أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الوسق وكانت عائشة اختارت الأرض " (1) .

ونقلها مسلم بصورة أتم في كتاب المساقاة باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر عن ابن عمر :
" … فلما ولي عمر ، قسم خيبر ، خير أزواج النبي (ص) أن يقطع لهن الأرض والماء أو يضمن لهن الأوساق كل عام ، فاختلفن فمنهن من اختار الأرض والماء ومنهن من اختار الأوساق كل عام فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء " (2) .
وظاهر العبارة من أن عمر خير أزواج النبي (ص) بين الأرض والثمار تدل أن القسمة هي قسمة تمليك .

لكن العجب أن أبي داود في سننه حينما يعرض رواية رجوع علي (ص) والعباس إلي عمر يقول : " فقال عمر : لا أوقع عليه اسم القسم أدعه على ما هو عليه " (3) ، وهنا يقسم بكل صراحة .

والمهم أن شراح الحديث والفقهاء من أهل السنة حاولوا التنسيق بين ذلك وبين كونها صدقة ووقف بالقول بأنها إقطاع اغتلال - أي الاستفادة من الغلة فقط - لا إقطاع تمليك ، والذين يحملهم على ذلك ما روي من قول عمر للعباس وعلي (ص) حينما طالباه بحقهما من سهم رسول الله من خيبر وفدك : " لا أغير من أرضها شيئا فإن غيرت من أرضها شيئا أخاف أن أزيغ " .

 

(1) صحيح البخاري ج3 ص137 .

(2) صحيح مسلم ج3 ص 1186 . (3) سنن أبي داود مجلد 2 ص22 .  
 

- ج 2 ص 113 -

قال ابن بطال في شرحه للبخاري : " وأما تخيير عمر أزواج النبي عليه السلام بين الأوسق أو الأرض من خيبر فمعنى ذلك أن أرض خيبر لم تكن للنبي ملكا ورثت بعده لأنه قال عليه السلام : " لا نورث ما تركنا صدقة " وإنما خيرهن بين أخذ الأوسق أو بين أن يقطعهن من الأرض من غير تمليك … فإذا ماتت عادت الأرض والنخل على أصلها وقفا … " (1) .

وقال العيني في ( عمدة القارئ ) : " وفيه تخيير عمر (رض) أزواج النبي (ص) بين أن يقطعهن من الأرض وبين إجرائهن على ما كن عليه في عهد النبي (ص) ، فإذا توفين عادت الأرض والنخل على أصلها وقفا مسبلا " (2) .

نعم نجد من احتمل كونه إقطاع تمليك ، فالآبي في شرحه لصحيح مسلم المسمى ( إكمال إكمال المعلم ) يقول تعليقا على قسمة عمر تلك : " وإنما كان إقطاع اغتلال … ويحتمل أنه إقطاع تمليك لأن خيبر ما سوى أسهم الغانمين صارت لله تعالى بالخمس والانجلاء " (3) .

ونقول ألم ينفتق ذهن الخليفة الأول عن هذا النوع من الإقطاع ويرضي فاطمة (ع) بذلك على الأقل ، لم الإصرار على أذيتها ؟!

المهم أن الأدهى هو ما قام به عثمان من تمليك فدك لمروان ، فقال ابن حجر في ( فتح الباري ) : " فلما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه ، فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم قال : جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان فقال : إن رسول الله (ص) كان ينفق

 

(1) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 468 .
(2) عمدة القارئ ج9 ص23 .

(3) إكمال إكمال المعلم للآبي ج5 ص406 .  
 

- ج 2 ص 114 -

من فدك على بني هاشم ويزوج أيمهم … وكانت كذلك في حياة النبي (ص) وأبي بكر وعمر ثم أقطعها مروان - يعني في أيام عثمان - " (1) .

والرواية عند أبي داود في باب الخراج باب في صفايا رسول الله (ص) وفي آخرها قال عمر بن عبدالعزيز : " وأنا أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت " (2) .

فهل يمكن أن يكون إعطاء عثمان فدك لمروان إعطاء اغتلال – أي الاستفادة من الغلة فقط - والرواية تصرح بأنها بقيت بيد بني مروان حتى انتزعها عمر بن عبد العزيز منهم ؟
ففي ذلك إشارة واضحة أن عثمان قد قام بالأمر الذي كان يرى فيه عمر الزيغ عن الحق .

 

(1) فتح الباري ج6 ص203 .

(2) سنن أبي داود المجلد 2 ص24 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب