النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 117

51- عمر وجهله بحكم التيمم

عندما قيل في حادثة عمر مع عمار بن ياسر في التيمم : " سبحان الله لم يكتف عمر بمعارضة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة حتى يحاول منع الصحابة من معارضته في رأيه ، ويضطر عمار أن يعتذر للخليفة بقوله : إن شئت لم أحدث به ".
قال الكاتب : " بتر الحديث ليصل إلى مراده ، ولو أكمل الحديث لبطل ما استدل به ، وبقية الحديث أن عمارا لما قال لعمر: إن شئت لم أحدث به ، قال عمر : بل نوليك ما تولـيت " .

نقول : بل العجب من جرأته في الاتهام ، فالقائل لم يبتر الحديث بل نقل الحديث كاملا ، نعم لم ينقل الزيادة التي ذكرها مسلم في صحيحه بسند آخر ، ولا يقال لمثل ذلك أكاذيب وبتر للحديث .

ونص الحديث كما رواه مسلم :
عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه : " أن رجلا أتى عمر ، فقال : إني أجنبت فلم أجد ماء ، فقال : لا تصل ، فقال عمار : أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت ، فقال النبي (ص) : إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم

- ج 2 ص 118 -

تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ، فقال عمر : اتق الله يا عمار ، قال : إن شئت لم أحدث به " .

وهنا تنتهي الرواية التي نقلت ، ثم يكمل مسلم عن شعبة : " قال الحكم : وحدثنيه بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه مثل حديث ذر قال : وحدثني سلمة عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم ، فقال عمر : نوليك ما توليت " (1) .

أسلوب التحذير والتهديد واضح في قول عمر لعمار بعد الرد عليه " اتق الله " ، وردة فعل عمار وقوله : " إن شئت لم أحدث به " ، ولكن الغريب في الأمر هو جهل عمر بمثل هذا الحكم ، ورده لخبر الصحابي .

ثم إن تضييق عمر على الصحابة بل منعهم من رواية حديث رسول الله (ص) واضح في عدة نصوص بعضها في الصحاح .

فقد روت الصحاح قضية أبي موسى الأشعري والاستئذان ، روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : " كنا في مجلس عند أبي بن كعب ، فأتى أبو موسى الأشعري مغضبا حتى وقف ، فقال : أنشدكم الله ! هل سمع أحد منكم رسول الله (ص) يقول : الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع قال أبي : وما ذاك ؟ قال : استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي فرجعت ، ثم جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئت فسلمت ثلاثا ثم انصرفت ، قال : قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل فلو استأذنت حتى يؤذن لك ؟ قال : استأذنت كما سمعت رسول الله (ص) ، قال : فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا " (2) .
ألا يدل قوله : لأوجعن ظهرك وبطنك على التضييق عليهم في ذلك ؟!

 

(1) صحيح مسلم ج1 ص280 .

(2) المصدر السابق ج3 ص1694 .  
 

- ج 2 ص 119 -

وفي رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور … فقال – يعني عمر : والله لتقيمن عليه بينة … " (1).

وابن حجر في ( الفتح ) حينما ذكر ألفاظ الرواية قال : " ( فقال : والله لتقيمن عليه بينة ) زاد مسلم ( وإلا أوجعتك ) ، وفي رواية بكير بن الأشج (فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا ) ، وفي رواية عبيد بن عمير ( لتأتيني على ذلك بالبينة ) ، وفي رواية أبي نضرة ( وإلا لجعلتك عظة ) " (2) .
فهل هي ألفاظ بسيطة وقليلة لا تدل على شيء ؟!

ومن الروايات الدالة على ذلك ما رواه الحاكم في ( المستدرك ) عن قرظة بن كعب قال : " خرجنا نريد العراق ، فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صرار فتوضأ ثم قال : أتدرون لم مشيت معكم ؟ قالوا : نعم نحن أصحاب رسول الله (ص) مشيت معنا ، قال : إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدوهم بالأحاديث فيشغلونكم جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله (ص) وامضوا وأنا شريككم ، فلما قدم قرظة قالوا : حدثنا ، قال : نهانا ابن الخطاب " .
قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها (3) .

ورواه ابن عبدالبر في ( جامع بيان العلم ) بلفظ " فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله (ص) وأنا شريككم " ، قال قرظة : فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله (ص) " (4) .

 

(1) صحيح البخاري ج8 ص 67 .
(2) فتح الباري ج11 ص 28 .

(3) المستدرك على الصحيحين ج1 ص 183 .
(4) جامع بيان العلم ج2 ص998 ، قال المحقق أبو الأشبال الزهري : صحيح .
 
 

- ج 2 ص 120 -

وروى ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) عن صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه قال : "والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله (ص) فجمعهم من الآفاق عبدالله وحذيفة وأبي الدرداء وأبي ذر وعقبة بن عامر ، فقال : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله (ص) في الآفاق ؟ فقالوا : أتنهانا ؟! قال : لا ، أقيموا عندي ،لا والله لا تفارقوني ما عشت ، فنحن أعلم ما نأخذ ونرد عليكم ، فما فارقوه حتى مات ، وما خرج ابن مسعود إلى الكوفة ( … ) عثمان إلا من حبس عمر في هذا السبب " (1) .

وروى الذهبي في ( تذكرة الحفاظ ) عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال : قد أكثرتم الحديث عن رسول الله (ص) " (2) .

وكذلك ما رواه ابن عساكر عن يزيد بن هارون وقوله : بلغني أن أقواما قالوا في حديث شعبة إن عمر حبس فلانا وفلانا على التهمة ، وبئس ما قالوا ،إنما هذا على أن يقلوا الحديث عن رسول الله (ص) لا يشغلهم عن القرآن " (3) .

بل روى الذهبي خبرين آخرين يظهران المنع من التحديث أحدهما عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقلت له : أكنت تحدث في زمان عمر هكذا فقال : لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته " .
وثانيهما عن رجاء بن أبي سلمة قال : بلغني أن معاوية كان يقول : عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر ، فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله (ص) " (4) .

 

(1) تاريخ دمشق لابن عساكر ج40 ص 500 ، قال المحقق وبعد ( الكوفة ) كلمة غير مقروءة .

 
(2) تذكرة الحفاظ ج1 ص 7 . (3) تاريخ دمشق ج40 ص 501 . (4) تذكرة الحفاظ ج1 ص7 .
 

- ج 2 ص 121 -

وقد روى ابن عساكر بطرق عدة عن السائب بن يزيد قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة : لتتركن الحديث عن رسول الله (ص) أو لألحقنك بأرض دوس " (1) .

ثم قام الكاتب بمقارنة غريبة عندما ذكر عدم قبول فاطمة (ع) عندما ذكر أبو بكر حديث رسول الله (ص) فرفضت قوله ، بأنه يشبه موقف عمر حينما ذكره عمار بالحكم الشرعي فرفض قوله .

نقول : الأمر الذي يحتاج إلى الإجابة هو أن عمر بن الخطاب كيف جهل النص القرآني ورفض رواية الصحابي بهذه السرعة .
ولا ندري كيف يكون هذا الموقف من فاطمة (ع) شبيها لموقف عمر ، فهي ترفض خبرا رواه صحابي واحد مخالف لظواهر القرآن وفي شأن يخصها هي أكثر مما يرتبط بالمسلمين الآخرين ، لا يمكن ألا يكون رسول الله (ص) قد أخبرها به ، كيف يشبه موقف عمر في رفض رواية تتحدث عن حكم عام بين المسلمين يهمهم جميعا ويحتاجونه في كل يوم ، وسبق للقرآن أن نص عليه .

ثم أنك أنت من تؤمن بعدالة الصحابة كلهم يجب أن تبرر رفض صحابي لرواية صحابي وعدم الاعتماد عليها ، وأما نحن فلا نؤمن بعدالة الصحابة جميعهم حتى يرد علينا إشكال ، بل نحن نعلم من المحق ومن المبطل في الموردين ، ولا نبرر للطرفين في موارد خلاف الصحابة اذا كانا يؤمنان بالشيخين ، ونخطئ طرف أهل البيت في الموارد الأخرى كما فعلتم في حق سيدة نساء العالمين فاطمة (ع) وسيد الشهداء الحسين (ع) .

 

(1) تاريخ دمشق ج50 ص 172 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب